العنوان الأقوم.. والأعلى.. والأشمل
الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي
تاريخ النشر السبت 12-ديسمبر-2009
مشاهدات 50
نشر في العدد 1880
نشر في الصفحة 66
السبت 12-ديسمبر-2009
تحدث كثيرون ممن اعتنقوا الإسلام أخيراً في ديار الغرب وقالوا: إن من يعرف هذا الدين جيداً لا يمكن أن يتحول عنه، وكيف يتنازل الإنسان الذي يملك ذرة من ذكاء عن قلادة من لؤلؤ أو ذهب، ويستبدلها بقبضة من حصى وتراب؟!
إن هذا الدين جاء بعد رحلة النبوات الطويلة في مجال بناء الجهد الديني، لكي يكون الحالة المكتملة، والسقف الأعلى، لكل المذاهب والعقائد والأديان ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ (المائدة: ۳).
ومعنى رضا الله سبحانه عن هذا الدين، وهو أدرى بمن خلق معنى إكماله وإتمام نعمته به على البشرية، أنه الدين الأقوم والأعلى والأشمل والأقدر على الاستجابة لحاجات الإنسان ومطالبه فرداً وجماعة وعلى تغاير الأماكن والأزمان.
وأي قلق في هذا المفهوم.. أي خلل أو تردد وبأية نسبة كانت، إنما هو إنكار المعلوم من الدين بالضرورة، وتشكيك باكتمال هذا الدين وإتمام نعمة الله به على الإنسان.
العلمانيون، من حيث عرفوا أم لم يعرفوا، أوقعوا أنفسهم في هذه المفارقة الكبيرة، ولطالما رددوا أن الإسلام مجرد عبادات وطقوس وعلاقة بين الإنسان وخالقه، فليس ثمة ما يربطه على الإطلاق بنظم الحكم، وآليات العمل السياسي وإعادة بناء العلاقات الاقتصادية والاجتماعية في ضوء تعاليمه.
وبالمنظور الذي أشرنا إليه قبل قليل، تبدو مقولتهم أشبه بعبث الصبيان وتغابيهم عن الحقائق الساطعة المؤكدة كنور الشمس.. إن لهم أن يقنعوا أنفسهم - بالخطأ - في ألا علاقة للإسلام بعالم السياسة، أو الحياة العامة على امتدادها، ولكن ليس من حقهم على الإطلاق أن يفرضوا على الإسلام نفسه رؤيتهم الساذجة هذه.
فالإسلام، بما أنه المنهاج الأخير للبشرية الدين المكتمل في جوانبه كافة، جاء لكي يعيد صياغة الحياة الدنيا، أو الوجود، بكل تفاصيله ومفاصله وفق التعاليم الموحى بها من السماء لا يدع صغيرة ولا كبيرة إلا وحسب حسابها، ووضعها في مكانها الحق من خارطة المسيرة البشرية الراشدة.. في النفس.. في المجتمع.. في السياسة.. في الاقتصاد.. في الأسرة.. في العلاقات الدولية.. في السلم والحرب.. فيما لا مبرر حتى للإشارة إليه لأنه بدهية من البدهيات.. ويكفي أن ننظر إلى العمارة الفقهية المتنامية على مر القرون لكي تتأكد لنا مصداقية هذه الحقيقة.
ويكفي أن نطلع على مفردات مؤتمر القانون الذي عقد في باريس في أواخر أربعينيات القرن الماضي، والتي اعتبرت الفقه الإسلامي واحدا من القمم السامقة في التشريعات الدولية لكي نزيح كل الترهات الساذجة التي يقول بها العلمانيون، بل يكفي أن نرجع إلى القرآن الكريم نفسه، والسنة النبوية، لكي نرى بأم أعيننا تلك الشبكة الخصبة من التعاليم والتشريعات التي تمتد في كل اتجاه لكي تغطي وتتعاطى مع كل مفاصل الحياة البشرية على إطلاقها.
في بداهات العلم معروف أن الخط المستقيم هو أقرب المسافات بين نقطتين.. والصراط الذي منحنا إياه الإسلام وجاء - أساسًا - لكي يقودنا إليه هو أقصر المسافات إلى الحقيقة المطلقة في عالم العقائد والأفكار.. أقصر المسافات وأشدها إحكاما للنظام السياسي الأمثل، وللحياة الاجتماعية الأكثر توافقا مع المطالب البشرية وللنشاط الاقتصادي الأقرب إلى الموازين العادلة التي لا تميل ولا تجور.
وإنه ما من عقيدة أو مذهب غير الإسلام، وضعيا كان أم دينيًا محرفًا، إلا وهو يسلك بالإنسان والبشرية الطرق الملتوية المعوجة، فلا يصل إلى أهدافه إلا بعد هدر هائل في الزمن والطاقات وبعد أن يستنزف من الإنسان والبشرية الشيء الكثير وقد لا يصل أساساً، كما تأكد في رحلة المذاهب الوضعية والأديان المحرفة، التي انطفأ بعضها وخرج من التاريخ والتي لا يزال بعضها الآخر يدور في التيه، وصدق الله العظيم القائل في محكم كتابه: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام: 153).