العنوان الأكراد والرهان على الغير. .. نجاح أم فشل؟
الكاتب أحمد الزاويتي
تاريخ النشر الجمعة 09-يوليو-2004
مشاهدات 67
نشر في العدد 1608
نشر في الصفحة 30
الجمعة 09-يوليو-2004
عول الأكراد في ثورتهم الإسلامية على العمق العربي والإسلامي .. لكنهم لم يجدوا الدعم المطلوب فتحولت شعاراتهم من إسلامية إلى قومية في السنوات الأخيرة أصبح الخيار السهل للأكراد ولأول مرة هو التحالف مع الطرف القوي من أطراف الصراع .. وهو أمريكا التي تؤازرها بريطانيا.
قدر الله للشعب الكردي أن يشغل بقعة أرضية طالما كانت حلبة لصراع القوى الإقليمية والدولية، فأول تقسيم تعرضت له كردستان كان في منتصف القرن السابع عشر عندما أصبحت حلبة لصراع طويل بين العثمانيين السنة والصفويين الشيعة، ولم يكن للشعب الكردي الذي كان الإسلام عنده كل شيء إمكانية التحكم في هذا الصراع بل كان مستسلمًا بين القوتين اللتين قسمتا كردستان إلى قسمين: عثمانية وصفوية. واستمر الحال حتى انهيار الخلافة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، وظل الشعب الكردي وحيدًا في المنطقة يدافع عن الخلافة المنهارة بعد سقوطها، وكان ذلك
سببًا رئيسًا كي تكون كردستان الضحية الأكثر تضررًا في اتفاقية سايكس/بيكو، عندما قسمت إلى أربعة أجزاء دون أن تمنح الاتفاقية لهذا الشعب دولة وفق مقاييس الاستعمار ما بعد الخلافة، بينما منحت الشعوب الأخرى دولًا، وواصل الكرد دفاعهم عن الخلافة حين أعلن الشيخ سعيد بيران في ثلاثينيات القرن العشرين الثورة ضد مصطفى كمال باني العلمانية في تركيا، وكان أبرز أهداف الثورة إعادة الخلافة وتطبيق الشريعة وكان الشيخ بيران يعول كثيرًا على العمق العربي الإسلامي، لكنه ترك هو ورجاله وحيدين في قبضة مصطفى كمال المدعوم غربيًا ليعدموا جميعًا في شوارع إسطنبول.
التحول في الشعارات الكردية
وتستمر بعد ذلك حلقات التحرك الكردي الذي تحولت شعاراته بمرور الزمن من إسلامية «أصبحت حسب تصور بعض الكرد بلا داعم لها» إلى شعارات قومية، خاصة بعد انهيار جمهورية مهاباد الكردية في إيران بعد اتفاق إيراني سوفييتي عام ١٩٤٦: دون أن يكون هناك من يذرف الدموع حينئذ على هذه الجمهورية التي كانت صبغتها إسلامية في قلب علمانية إيرانية حاقدة على الدين وبالقرب من مؤسسة ملحدة ضد الدين ممثلة بالاتحاد السوفييتي في حينه، وقبلها فشلتثورات الشيخ محمود الحفيد في العراق ضد الإنجليز والتي كانت ثورة إسلامية بدأت عام 1919 وانتهت باستشهاد الحفيد عام ١٩٣٠.
تأتي حلقة ملا مصطفى البارزاني في سلسلة الثورات الكردية المعاصرة ليكون البارزاني حلقة الانتقال من مرحلة إسلامية الشعارات إلى القومية، ويحاول جاهدًا أن يكون وسطًا متوازنًا بين الحالتين بحيث لا تكون شعاراته الإسلامية سببًا لوقوف الغرب ضده، ولا علاقاته مع الغرب سببًا لوقوف العالم الإسلامي ضده، ويعتمد على رهانين متناقضين في عملية سياسية هي أصعب ما تكون ويقول قولته الشهيرة: «أفضل أن أكون جنديًا في دولة إسلامية على أن أكون قائدًا لدولة علمانية»... وعندما قبل مصحفًا كريمًا أهداه إليه وفد من علماء العراق جاءوا للتفاوض بينه وبين الحكومة العراقية قال: «لا مطالب لي إلا هذا المصحف.. خذوه معكم وليكن حاكمًا بيني وبين الحكومة العراقية»، وحين استقبل وفودًا أجنبية قيل إنه كانت بينها وفود صهيونية استغلت الظرف في المنطقة للتدخل سواء تحت مبرر العمل الصحفي أو منظمات خيرية لدعم الشعب الكردي، سألته الصحافة عن ذلك فقال: « أنا كالكفيف الذي يجلس أمام باب المسجد الكبير في مدينة السليمانية ويمد يده إلى من يعطيه شيئًا دون أن يعرف منأعطى له»..
وتأتي الأيام لتبرهن أن كل الرهانات لم تجلب له إلا ما يسمى كرديًا بـ «مؤامرة الجزائر عام ١٩٧٥» عندما اجتمع الشرق والغرب ضده حيث تنازل صدام حسين لإيران عن شط العرب وعن أجزاء استراتيجية من أرض العراق مقابل أن يعتقل مصطفى البارزاني في طهران وتغلق الحدود الإيرانية أمام الثوار الأكراد، وبذلك قضي على ثورة أيلول، ليشعل الجيل الجديد من الثوار الأكراد ثورة كولان في عام ١٩٧٦، بعد التنازل تمامًا عن الشعارات الإسلامية والتحول إلى شعارات قومية بعضها كان يساريًا، مع محاولة التقرب للغرب كلما سنحت لذلك فرصة.
انعطاف في مسار القضية
دون أن يكون للأكراد دور مقصود كانت اتفاقية الجزائر بين صدام وشاه إيران و هواري بومدين بإشراف وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، بداية تحول للقضية الكردية نحو التدويل، وكان ذلك في صالح القضية على المدى البعيد، فبعد 5 سنوات تراجع صدام عن الاتفاقية وطالب باسترجاع الأراضي التي قدمها لإيران وتسبب ذلك في حرب استمرت ٨ سنوات، ثم غزا الكويت لتنقلب المقاييس رأسًا على عقب ويتحول العالم الذي أيد صدام ليقف ضده. ويؤدي ذلك إلى تكوين منطقة آمنة في شمال العراق».
بادر الأكراد في العراق مباشرة بعد انسحاب الإدارة العراقية من المنطقة إلى إجراء انتخابات عامة في عام ۱۹۹۲ تشكل على أثرها برلمان لا يزال قائمًا إلى يومنا هذا دون إجراء انتخابات جديدة رغم مرور ۱۲ عامًا، وحكومة تجددت أربع مرات وانقسمت على نفسها - بعد صراع واقتتال داخلي بين الحزبين الكرديين الرئيسين الديمقراطي الكردستاني، والاتحاد الوطني الكردستاني- إلى حكومتين «أربيل والسليمانية». الحزبان في صراعهما مع بعضهما البعض راهنا أيضًا على القوى الإقليمية والدولية في محاولة لأن يحسم كل منهما التنافس لصالحه، ووصل الأمر في فترات مختلفة من التاريخ الكردي المعاصر إلى أن يراهن أحيانًا أحد الحزبين على النظام العراقي نفسه!
محاولة الاتفاق مع صدام حسين وإنهاء المشكلة قبل القيادات الكردية، كانت خيارًا قائمًا ظل الطرف الكردي متمسكًا به حتى في أضعف مراحل حكم صدام والتي بدأت بعد غزو الكويت ثم إخراجه منها، حيث توجهت القيادات الكردية مباشرة بعد الهجرة المليونية إلى بغداد في عام ۱۹۹۱ لحسم القضية، دون أن ينجحوا في أغرب رهان ظلوا متمسکین به إلى أن حسم الأمريكان بضغوطهم على الطرف الكردي استبعاد هذا الخيار.
الخيار السهل.. التحالف مع القوي:
لأول مرة في التاريخ الكردي يصبح الخيار السهل التعامل معه هو التحالف مع الطرف القوي من أطراف الصراع في المنطقة وهو الطرف الأمريكي الذي تؤازره بريطانيا، ضد طرف ضعيف مكروه إقليميًا ودوليًا وهو نظام صدام. وترقب الطرف الكردي ما سيجلب عليه هذا التحالف خاصة بعد سقوط صدام ودخول الأمريكان بجيشهم وسياستهم، ودخول الطرف الكردي معهم بكل ما يملك من قوة «البيشمركة» ومن زعامات وسياسيين.
وتحول العراق إلى ساحة غير آمنة للأمریکان باستثناء کردستان العراق بدأ عدم الأمان هذا بمقاومة عنيفة فيما كان يسمى بالمثلث السني، الذي قاعدته الخط الواصل بين بعقوبة وفلوجة مرورًا ببغداد وقمته في الموصل، ثم انكسرت أطراف المثلث بعد مقاومة شيعية أشعلها مقتدى الصدر، وفي خضم ذلك ظل الطرف الكردي يجمع قواه في العملية السياسية التي كانت تجري في أروقة مجلس الحكم والحكومة، وظل الأكراد يضغطون على أطراف المعادلة بما يملكون من حنكة سياسية تميزوا بها في ممارسة طويلةبدأت مع أول نظام عراقي عند تشكيل دولة العراق حتى صدام حسين مع فارق كبير جدًا وهو تحالف الأكراد هذه المرة مع طرف قوي وهو ما يسمى بالتحالف الدولي بقيادة الأمريكان على عكس ما مضى حيث كان الأكراد دائمًا الطرف الضعيف مقابلالطرف القوي الممثل بالنظام العراقي الذي كانمدعومًا دوليًا وإقليميًا.
هذه العملية السياسية أثمرت ما يسمى الآن بقانون إدارة الدولة المؤقت الذي هندسوه بطريقة تضمن ما يسعون إليه من أهداف: سواء في الفيدرالية أو في استطاعة الطرف الكردي نقض ما قد لا يكون في مصلحته في المستقبل وفي أن يكون القانون المؤقت أساسًا لأي قانون دائم للعراق في المستقبل.
القانون المدعوم كرديًا .. بين الرفضوالقبول
كانت العملية السياسية في العراق تتجه نحو مرحلة نقل السيادة من الاحتلال إلى العراقيين، ودخل الأخضر الإبراهيمي ممثلًا عن الأمم المتحدة للإعداد لتشكيل حكومة ذات سيادة. وكثف الممثلون الأكراد جهدهم كي يحصلوا على أقصى ما يمكن الحصول عليهفكان الإبراهيمي طرفًا ومعه أجندته الخاصة بشأن العراق والطرف الكردي له أيضًا أجندته، ساعده في ذلك الأعضاء الآخرون في مجلس الحكم من الجانب العربي الذين لم ترق لهم أجندة الإبراهيمي التي كانت تشمل إبعاد أعضاء مجلس الحكم من الحكومة الجديدة ولم ينجح الأكراد في أن يشغلوا أحد أهم منصبين في الحكومة التي شكلها الإبراهيمي وهما رئاسة الدولة أو رئاسة الحكومة اللذين ذهبا للسنة والشيعة، الأمر الذي اعتبره الأكراداستمرارًا لاعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية لا يحق لهم شغل أحد هذين المنصبين حسب الرسالة المشتركة التي أرسلها كل من البرزاني والطالباني للرئيس الأمريكي، وأعربا فيها عن أسفهما للموقف الأمريكي الذي عبر عنه الحاكم المدني للعراق بول بريمر، إلا أن الأكراد نجحوا في المقابل في ألا يشغل أحد هذين المنصبين من رشحهم الإبراهيمي، فشغل المنصبين مرشحان مدعومان من الطرف الكردي.. إضافة إلى مناصب مهمة أخرى كنائب رئيس الجمهورية ونائب رئيس الحكومة مع وزارة الخارجية ووزارات أخرى.
وانتظر الأكراد قرار مجلس الأمن الدولي الخاص بشأن العراق، ويطلب الأكراد من المجلس أن يؤكد القرار على قانون إدارة الدولة لكن المرجع الشيعي السيستاني كان من رأيه ألا يشير القرار إلى هذا القانون، فجاء قرار مجلس الأمن دون إشارة إلى القانون، ليعتبر المراقبون في الساحة الكردية أن الرهان على الأمريكان جاء أيضًا دون الطموح الكردي، بل اعتبر البعض أن الرهان كان خاسرًا. وهكذا يظل الرهان الكردي هاربًا من الفشل، باحثًا عن النجاح.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل