العنوان الألعاب الإلكترونية.. هل هي عدو الأسرة؟
الكاتب فاطمة عبدالرؤوف
تاريخ النشر الأربعاء 01-سبتمبر-2021
مشاهدات 81
نشر في العدد 2159
نشر في الصفحة 22
الأربعاء 01-سبتمبر-2021
- فكرة الرفض المطلق لهذه الألعاب كلها غير واقعية وقد تؤدي إلى حالة من الصدام
- صناعتها تقوم عليها عقول جبارة في البرمجة والرسوم بل في الحيل النفسية التي تجذب اللاعب
- مدمنها يقوم بأموره الحياتية بأسوأ صورة ممكنة حتى يعود بسرعة للعب بما يشبه إدمان المخدرات
- أدت دوراً إيجابياً أثناء جائحة «كورونا» وما استتبعها من فترات العزل الطويلة في المنزل
ربما لم يعد ثمة منزل لم تتكرر فيه هذه الصورة النمطية؛ حيث أحد الأبناء جالس أمام الحاسوب ومندمج تماماً في إحدى الألعاب الإلكترونية، حتى إنه يبدو في عالم آخر كما لو أنه قد أصيب فجأة بمرض التوحد، أو صورة أخرى لأحد الأبناء جالس على الأريكة في وضع الاستلقاء مندمج مع هاتفه في لعبة وهو يتحدث مع آخرين من رفاق اللعب بمنتهى الحماس، أو مجموعة يفترض أنها مجموعة أصدقاء من الشباب والمراهقين لكنهم لا يتبادلون أي حديث وقد جلسوا صامتين تماماً كل مع لعبته، وربما تكون المشاركة الوحيدة فيما بينهم هي المشاركة في اللعبة الواحدة.
إن الصورة النمطية كثيراً ما تتجاوز الأبناء فتشمل الأسرة كلها، فتراهم قد جلسوا معاً ولكن كل فرد منهم شارد في هاتفه ما بين الألعاب الإلكترونية، ووسائل التواصل الاجتماعي؛ فما الحل؟ وهل تكون الألعاب الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي هي عدو الأسرة؟ وهل يمكن أن تكون هذه الألعاب أحد العوامل المهمة التي تؤدي للتفكك الأسري؟ ثم السؤال الأكثر أهمية: هل يمكن الاستغناء عنها؟ هل يمكن منعها؟ وهل من الحكمة منعها ومحاربتها، أم يمكن تهذيبها والاستفادة منها؟
بالطبع لا يمكن توجيه الاتهام لعامل واحد، واعتباره السبب في التفكك الأسري الذي هو آفة المجتمعات الحديثة؛ فهناك عوامل متشابكة تختلف من أسرة لأخرى، لكن الأمر المؤكد أن أي عامل يُفقد الأسرة ترابطها الحميم لا بد من أن يتم فحصه جيداً.
فالحقيقة أن الرباط الأسري -الذي هو نقيض التفكك- يقوى بالحب، وبأن يجد كل فرد فيها ما يشبع احتياجه لهذا الحب والاهتمام، بل ويمنح كل فرد فيها الحب والاهتمام بطريقته الخاصة في عملية تبادلية دائمة، فالأسرة هي المكان الطبيعي الذي يستطيع فيه الفرد أن يحكي عن نفسه وعن دواخله وعما يقلقه أو يضايقه، ويجد من يستمع له، ويتعاطف معه، وينتبه لما يعانيه ويدعمه، هذه هي الأسرة الحقيقية، لكن الأسرة المزيفة ليست إلا مكاناً تقدم فيه بعض خدمات الرعاية من طعام ونحوه، ويبيت أفراده في مكان واحد، وهذه الأسرة المزيفة هي السبب في تضخم دور الألعاب الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي وتغولها في حياة أفرادها وليس العكس.
هذا النمط من الأسر المزيفة التي تفتقد روح الأسرة الحقيقية فيها من الخلل التكويني ما يمثل فراغاً مخيفاً سكنته الألعاب الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي بمنتهى السهولة وبأسوأ الآثار الممكنة.
ومن ثم لا يمكننا الحديث عن حل أو علاج لإدمان هذه المنصات والمرض الكامن موجود في البنية العميقة لهذا النمط من الأسر.
رفض أم تقنين؟
لكن مشكلة الألعاب الإلكترونية وسطوة وسائل التواصل الاجتماعي طالت حتى هذه الأسر التي أسست بنيانها على تقوى من الله، التي تقدم لأفرادها مساحات واسعة من الحب والاهتمام والدعم، بعض هذه الأسر دخلت في حرب وفي مواجهة مع هذه الألعاب الإلكترونية على سبيل المثال، وقامت برفضها ومحاولة إيجاد بدائل حقيقية للعب خاصة مع الأعمار الصغيرة، وبعضها أحرز نجاحات حقيقية.
لكن المشكلة كانت تمثل تحدياً حقيقياً بالنسبة لسن المراهقة وما بعد ذلك؛ فأنت تدخل حرباً في مواجهة صناعة جبارة تقدم جوائز فقط بملايين الدولارات كل عام لمسابقات في تلك الألعاب الإلكترونية، صناعة تقوم عليها عقول جبارة في البرمجة والرسوم، بل في الحيل النفسية التي تجذب اللاعب التي يقوم بها باحثون متخصصون يقدمون مراجعات دقيقة وإضافات حتى تصبح اللعبة أكثر جذبا؛ فقد يكون إضافة تحد ما هو ما يجعل اللاعب مصراً على اللعب حتى يحققه، وقد يكون إضافة صوت ما أو حركة هو ما يمنحه مكافأة تشجيعية حتى يستمر في اللعب رغم صعوبة التحدي، بل إن المزج بين اللعب الجماعي مع التواصل بين اللاعبين بالصوت أو الكتابة هو ما مزج بين قوة تأثير الألعاب الإلكترونية وقوة تأثير وسائل التواصل الاجتماعي.
لذلك، تبدو فكرة الرفض المطلق والمنع لهذه الألعاب الإلكترونية كلها غير واقعية، وقد تؤدي إلى حالة من الصدام والرفض داخل الأسرة، أو حالة من التحدي من جهة الأبناء، أو دفعهم لسلوكيات غير مرغوب فيها؛ لأنك تضع المراهق في حالة صراع بين ما يريده الأهل ومخاوفهم التي قد لا يستسيغها، وضغط جماعة الرفاق ممن يندمجون في هذه الألعاب ويقضي أوقاتاً يتابع ما يقومون به، أو يستمع لما يتحدثون عنه؛ فلو أضفنا لذلك الجاذبية الذاتية الموجودة في هذه الألعاب والطبيعة النفسية للمراهق لأدركنا أن المنع قرار غير سليم وغير صحي، وأنه ينبغي العدول عنه لتقنين اللعب بالألعاب الإلكترونية.
ضوابط اللعب
يبدو الحوار هو البداية الحقيقية لوضع ضوابط صحية لاستخدام الألعاب الإلكترونية؛ فلا بد من إقناع الطفل أو المراهق بالأضرار التي تترتب على كثرة اللعب وبعضها يلمسها بنفسه؛ كالشعور بالإرهاق وآلام الظهر والعنق وتراجع المستوى الدراسي، بل وقد يصل الأمر للتكاسل عن الصلاة أو صعوبة أدائها في المسجد.. إلخ.
وصف المشكلة بهدوء مع الاعتراف بأهمية اللعب والترفيه في البداية هو الخطوة الأولى التي يتبعها إجراء حوار أو مفاوضات لتحديد مدة معينة للعب ومكان معين له، لكن من الطبيعي أن تكون ثمة تجاوزات قد تحدث، وليس أمام الآباء إلا الصبر والتذكير بما تم الاتفاق عليه، المهم ألا تزيد هذه التجاوزات عن الحد المقبول حتى لا يتحول الأمر لإدمان الألعاب الإلكترونية (الذي صنفته منظمة الصحة العالمية كمرض عقلي).
وأهم صفات مدمن الألعاب الإلكترونية أنه يهمل واجباته ومسؤولياته من أجل اللعب، حتى إنه قد يضغط على نفسه ويقلل من ساعات نومه من أجل اللعب، إنه يقوم بأموره الحياتية بأسوأ صورة ممكنة حتى يعود بسرعة لممارسة اللعب الذي يتحول في هذه الحالة لسلوك إدماني يشبه إدمان المخدرات؛ لأنه يعزز مركز المكافأة في المخ عند اللعب بنفس الآلية.
من الضوابط الأساسية أيضاً التي يجب أن ننبه أبناءنا لها ألا تكون اللعبة مخالفة للعقيدة الإسلامية؛ كبعض الألعاب التي تظهر فيها آلهة وثنية أو ألعاب تشتمل على محرمات كفتيات عاريات أو خمور، وبالطبع ألعاب القمار، ومن المفيد في هذه الحالة الجلوس قرب الأبناء ومتابعة ما يقومون بفعله أو سؤالهم كيف تلعب هذه اللعبة، أو حتى مشاركتهم اللعب في بعض الأحيان، ومن الممكن أن تكون هذه المشاركة ممتعة حقاً، ولا تتحول لمجرد واجب من أجل متابعة الأبناء؛ فكثير من ألعاب الألغاز تخلص الإنسان من طاقة التوتر السلبية، وتمنح الذهن المرهق بمتابعة ضغوط الحياة فرصة للاسترخاء بعيداً عن هذه الضغوط فيستعيد نشاطه وتجدده.
كما لا يمكن إنكار أهمية الألعاب التعليمية التي تعد بمثابة ثورة في طرق التعلم، ويمكن للوالدين المشاركة في تعلم لغة جديدة مثلاً عن طريق لعبة إلكترونية.
إذا، يمكننا القول: إن الألعاب الإلكترونية ليست شراً كلها، وليست عدواً للأسرة إذا تم لعبها بضوابط سليمة ولمدد زمنية لا تصل لحد الإدمان، وفي الحقيقة فقد أدت الألعاب الإلكترونية دوراً مهماً أثناء جائحة «كورونا» وما استتبعها من فترات العزل الطويلة في المنزل، فخففت كثيراً من الآثار النفسية المترتبة على العزل، وشارك الأصدقاء بعضهم بعضاً اللعب وقضاء وقت ممتع؛ بل وتكونت صداقات جديدة عبر الفضاء الإلكتروني عن طريق هذه الألعاب، حتى داخل الأسرة الواحدة كثيراً ما التف الجميع حول لعبة واحدة، وبعض هذه الأسر اقتضت ظروفهم أن يكونوا في بلد وأبناؤهم في بلد آخر حين أغلقت الحدود والمطارات، وبعض الأسر التي تشاركت تجربة اللعب كان بعضهم في مستشفيات العزل أو في العزل المنزلي، وكانت اللعبة هي وسيلة التواصل مع بقية الأسرة في جو من المرح والمتعة.