; الأمة في طريقها للعودة | مجلة المجتمع

العنوان الأمة في طريقها للعودة

الكاتب سالم الفلاحات

تاريخ النشر الأربعاء 02-فبراير-2011

مشاهدات 55

نشر في العدد 1939

نشر في الصفحة 36

الأربعاء 02-فبراير-2011

تمر بالأمة في شرقها وغربها وشمالها وجنوبها عربها وعجمها حالات خاصة لا سابق لها بهذا الحجم منذ ستين عاماً أو تزيد، ومنها:

- يطرد الشاه في إيران وتضيق به الأرض بعد أن تخلى عنه أسياده ليهيم على وجهه، وتذوب أجهزته الأمنية التي يضرب بها المثل «السافاك»، ويتنفس الشعب الصعداء يصارعون العالم لامتلاك سلاح نووي لا يزال محرما على العرب والمسلمين، وربما تقف أمريكا عاجزة إزاء هذا الإصرار.

- ويعود الفلسطينيون من أراضي ١٩٤٨م إلى أمتهم وشعبهم بعد أن يئس الناس منهم حيث اندمجوا في المجتمع الصهيوني المحتل ثقافة ولغة واهتمامات وتوجهات حزبية وأساليب عيش، ولكن هذا كان هو الجزء الظاهر فوق الماء، وتبين أن الجزء الأعظم هو الغاطس تحت الماء؛ فكانوا خير مدد لإخوانهم في الضفة والقطاع، متمسكين بقوميتهم ودينهم وصلتهم بشعبهم ومقدساتهم، فكان رائدهم رائد صلاح في مقدمة المنافحين عن الأقصى المبارك، ثم دعم لأهل غزة في ظل الحصار الصهيوني والعربي والعالمي إلا ما ندر، رغم كل ما يلاقيه من عنف وسجن وإقامة جبرية.

وكم كانت الصورة مؤثرة ومؤملة ومفرحة عندما ترى رائد صلاح مع محمد زيدان والنائبة حنين الزعبي وغيرهم في موقف واحد، ويتحدثون بلسان واحد في عرض البحر أو أمام – الكنسيت – الصهيوني أو في الفضائيات. 

- وتعود تركيا الشعب والدولة بخطوات وإن كانت بطيئة نحو عمقهم الإسلامي، بعد أن تُودع منها وانسلخت بمنهج أتاتوركي عن الأمة ثقافة ولسانًا وأخلاقًا ومواقف سياسية وارتباطًا بالعدو الصهيوني.

فتسجل في هذا الظرف الصعب مواقف سياسية علمية مناصرة للقضية العربية والإسلامية المركزية «قضية فلسطين» و«حصار غزة»، حيث لم يكن آخرها تسيير «أسطول الحرية»، وما تبعه من مواقف مشرفة اختلط فيها العربي بالتركي بالباكستاني وبأحرار من دول العالم، وتباعد عن الصهاينة، ولو وجدت شريكاً عربياً إسلامياً جاداً لتقدمت خطوات كثيرة.

- وبعد ما يشبه السبات واليأس ينطلق الشعب الفلسطيني بانتفاضات شاملة كانت الأولى شعبية حرة دون قيود وقبل «سلطة أوسلو»، ثم تكررت ثانية بعد تدنيس «شارون» للأقصى، لكنها كانت مرصودة ومستهدفة من جهتين: العدو الظاهر، والمساند المستتر الذي يتجول بين الناس، ويضطر الجيش الصهيوني تحت ضربات المقاومة الفلسطينية الشريفة من الانسحاب من غزة، وعدم القدرة على الاستمرار في دفع فواتير الدماء المكلفة واستعانت على أهلها بالحصار والفتن والمؤامرات.

- ويعاني معسكر استعمار الأمة وإذلالها الضربات لم تكن معهودة من حيث لم يحتسب من جهة المقاومة اللبنانية، حيث تستطيع قراءة يأسه وخوفه والقدرة على امتلاك ناصية ردعه.

- ومن المغرب العربي «تونس» التي سلخها الاستعمار الفرنسي عن أمتها أو كاد بالرغم من تضحياتها ومقاومتها التاريخية، حيث تسرق الثورات كالعادة ويبقى الحبل السري مرتبطاً بالمستعمر وحرمان الشعب من حريته وكرامته وعيشه الكريم.

ينهض الشعب التونسي من ركام الظلم والاستعباد والتهميش ويجبر «زين العابدين بن علي» - ألقاب مملكة في غير موضعها على المغادرة هارباً بجلده، وتضيق به الأرض العربية والغربية وبأتباعه ومحاسيبه بالرغم من اهتراء الوضع العربي الرسمي.

فقد أحيا شباب تونس بانتفاضته النظيفة الأمل في نفوس شعوب مقهورة كثيرة، بدأت تراجع أحوالها المعيشية والإنسانية وحرياتها وكرامتها وسيادتها.

- ولم تمض أيام قليلة حتى انفجر الشباب المصري من أرض الكنانة، الذي صد التتار عن الأمة الإسلامية في «عين جالوت» عام ٨٥٨هـ مرة واحدة، بعد أن اكتنز غضباً متراكماً من الظلم والقهر ومصادرة الحريات وغياب الديمقراطية وتسلط الحزب الحاكم، والإذلال حتى في لقمة العيش والإصرار على تزوير الإرادة الشعبية في انتخابات مجلس الشعب، والعمل على التوريث وتهيئة السبل له بعد ثلاثة عقود من هيمنة الشخص الواحد والانحياز إلى أجندات العدو الصهيوني، ومحاصرة الأهل والجيران في غزة.

وها هي الأيام والليالي المصرية حبالى، يدفع الوطن والمواطن ثمنا غاليا لحريته وإنسانيته، وكان يمكن توفير الدماء والأمن والممتلكات، ولا يزال مشروع الإصلاح الرسمي لدى النظام هو دس. ضعاف النفوس والمجرمين بين الشرفاء لتشويه الانتفاضة الشعبية الشبابية الممتدة، ووسيلة لإيقاف هذا الجهد الوطني الفطيم، وأنى له ذلك؟

- وفي اليمن حراك شعبي كبير تسعى الحكومة لوأده بطرق شتى، ليس منها الاعتراف بحقوقه المشروعة في الحياة الشريفة الكريمة، ولا تدري إلى أين سيصل.

- وفي الجزائر حراك بصور أخرى قد يفلح النظام من استيعابه مؤقتاً بدهاء وذكاء ولن يسكته طويلًا.

- وليس بعيداً عن هذا ما جرى ويجري في بلدنا الأردن بأسلوب حضاري منضبط بالاتجاه الصحيح، حيث لا يطلب الناس والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني أكثر من حق المواطن العادي في معظم دول العالم.

حيث يطالب بإصلاحات سياسية شاملة. توفر لها الإصلاحات الدستورية بيئة النجاح لتعالج مشكلاتها المعيشية والاقتصادية العامة والتربوية والاجتماعية والثقافية؛ ليحس الإنسان بكرامته ومواطنته وليتمكن من خدمة وطنه والحفاظ عليه من عاديات الزمن، وتربص المتربصين به شرا.

وليرى إرادة سياسية حقيقية تمكنه من اختيار نوابه وحكوماته واستقلال قضائه والفصل بين السلطات، يكون قادراً على محاسبتها، ومن المشاركة الفعالة في اتخاذ قراره السياسي في قضاياه الكبرى.

إن الشعوب العربية ربما تكون من آخر الشعوب في الأرض، وحتى التي لا تماثلها حضارة ووعيا وثقافة في تحقيق إنسانيتها الكاملة والتمتع بأنظمة ديمقراطية حقيقية تلائمها، ولا أظن أنه بقي في الوقت متسع ليضيعه حكام العرب لتأجيل هذا الحق الطبيعي البدهي العادي، فنحن أمة ﴿وأمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشوری: ۳۸) صدق الله العظيم، ونحن أمة «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا»، ولم تعد أنشودة العيش هي النشيد القومي والوطني للشعوب، لكنها ستأتي على هامش الحرية والكرامة، ولا تستطيع قوة في الأرض أن تعيق دورات الزمن الحضارية.

ولابـد للـيل أن ينجلي                         ولابــد للقيد أن ينكسر

الرابط المختصر :