العنوان الأمريكان والتعذيب ما الجديد؟
الكاتب وسام فؤاد
تاريخ النشر الجمعة 11-يونيو-2004
مشاهدات 71
نشر في العدد 1604
نشر في الصفحة 28
الجمعة 11-يونيو-2004
هل فوجئ العالم بما صدر عن الأمريكان في العراق من تعذيب وإذلال؟ وهل تناسى العالم سريعًا تلك المأسي التي كشفت عنها الصور التي قيل إنها التقطت سرًا في معسكر جوانتانامو، أو ربما تم التقاطها جهرًا ليعلم العالم أنه ليس في نية الأمريكان أن يأخذوا من يدخل معسكرات اعتقالهم بالرأفة أو الرحمة؟ وهل تناسى العالم ما صدر عن المفرج عنهم من معتقلي جوانتانامو من تصريحات تكشف عن الدرك الذي انحط إليه التعامل مع بشر. لم يتم اتهامهم، من وضع الغطاء على العين على مدار فترة الاعتقال، والتقييد بالسلاسل بلا فكاك حتى في ساعات النوم، ناهيك عن التعذيب النفسي والبدني الذي يعيد لذاكرة العالم ذكرى معسكرات الاعتقال التي سادت في الدول الاشتراكية قبل انهيارها، أو معسكرات «التطهير» التي ظهرت في الممارسات النازية؟
وإذا حاول العالم أن يتجاهل فإن هناك زمرة من الكتاب والصحافيين والباحثين يؤرخون لسجل الولايات المتحدة الأسود مع حقوق الإنسان، ويكشفون زيف الصورة التي ترسمها الولايات المتحدة لنفسها.
المراجعة والرفض
بدأت حركة مراجعة السياسة الأمريكية في إطار تقييم المرجعية التاريخية البراجماتية للحركة السياسية، وتعالت الأصوات. وبخاصة أصوات اليمينيين، مطالبة بوجود سياق رسالي يمثل سياج الأمن الاجتماعي الفلسفي للمجتمع الأمريكي، ولكن مع استفحال خطأ الممارسة دخلت حركة المراجعة للسياسة الأمريكية مرحلة ثانية. هي مرحلة التقييم في ضوء الرسالة الأمريكية المختارة: رسالة الحقوق.
وفي هذا الإطار تحرك كبار الكتاب ليقدموا نقدًا حقيقيًا للممارسة السياسية الأمريكية، كان منهم مؤخرًا زيجنيو بريجينيسكي مستشار الأمن القومي الأسبق، الذي كتب: رقعة الشطرنج الكبرى، ونعوم تشومسكي الذي كتب: إعاقة الديمقراطية، وويليام بلوم الذي كتب: الدولة المارقة. وناهيك عن الأسماء الأصغر والأغزر إنتاجًا في نفس المجال،وكان أبرز ما أوضحته هذه الكتابات متعلقًا بالعصف بحقوق الإنسان.لكن كتاب بلوم كشف عن تحويل عملية قهر حقوق الإنسان إلى حالة مؤسسية داخل الولايات المتحدة.
فكيف تحول القهر إلى مؤسسات؟
مدرسة الأمريكتين
من كان يسمع عن مدرسة الأمريكتين قبل عام ٢٠٠٣م؟.ما مدرسة الأمريكتين؟ ولماذا ورد اسمها في مجال الحديث عن عصف الولايات المتحدة بحقوق الإنسان؟
هي مدرسة تابعة للقوات المسلحة الأمريكية، تقع في فورت بينينج بولاية جورجيا، وتختص بتدريب القوات العسكرية لدول أمريكا الوسطي والجنوبية.
والغريب الذي يستوقفنا هنا هو ندرة الحروب التي تكون دول أمريكا اللاتينية طرفًا فيها. وبالرغم من ذلك ظلت هذه المدرسة. ولا تزال-تدرب
عشرات الألوف من العسكريين ورجال الشرطة في أمريكا اللاتينية. في موضوعات مثل: مكافحة التمرد. وتكتيكات المشاة والاستخبارات العسكرية، ومكافحة المخدرات، ومقاومة الفدائيين.
كما تم تعليم الطلاب بطبيعة الحال شيئًا اسمه الشيوعية ثم الإرهاب مع قليل من التمييز بين الأمرين، وكان تعليم هذين الدرسين يستهدف توفير المبرر الأيديولوجي لدى الضباط المتدربين لقمع شعوبهم وخنق المنشقين، واستئصال شافة أي فكرة أو حركة اجتماعية تنعتها واشنطن بأي من هاتين الصفتين. ويكفي أن تطالع كتابًا يتحدث عن انتهاك أمريكا للديمقراطية. ليوضح لك كيف أن الولايات المتحدة استخدمت هذه المدرسة ليس فقط لمنع الانقلابات الشيوعية في أمريكا اللاتينية بخاصة.وفي الدول المحورية التي تهتم بمصالحها فيها.بل أيضًا لتدبير الانقلابات على الزعماء ذوي التوجه القومي الرافض للهيمنة الأمريكية.وفي سبتمبر ١٩٩٦.وتحت إصرار متزايد من الجماعات الدينية وجماعات الضغط.كشف البنتاجون عن سبعة كتيبات للتدريب باللغة الإسبانية، كانت تستخدم في المدرسة حتى ۱۹۹۱م. وكمثال: نجد أن أحد هذه الكتيبات أوصى بتقنيات للتدريب مثل التعذيب والابتزاز واعتقال أقارب من يجري استجوابهم. ومع اتساع رقعة الفضيحة، ادعت هذه المدرسة أنها لا تعلم طلابها هذا إلا في إطار توافر مقررات دراسية لحقوق الإنسان، غير أن تصريحات المدرس مادة حقوق الإنسان كشفت عن أنه في عام ١٩٩٧م، لم يدرس هذا المقرر سوى ۱۳ طالبًا، مقابل ۱۱۸ طالبًا درسوا مقرر الاستخبارات العسكرية. وأكد أن العنصر الإجباري المتعلق بحقوق الإنسان في المقررات الأخرى لا يشكل سوى جزء ضئيل جدًا من إجمالي ساعات المقرر ولا ينظر الطلبة إليه بجدية. وعندما قارب الكونجرس على إنهاء البت في تمويل المدرسة في خريف ۱۹۹۹م، تبينت وزارة الدفاع في النهاية ما أغمضت عينيها عنه من قبل. لذا أعلنت في نوفمبر من ذلك العام أنها تخطط لإجراء تغييرات واسعة في المدرسة بتقليل التركيز على الجانب العسكري وزيادته في الجانب الأكاديمي، وقبول طلاب مدنيين علاوة على العسكريين، وتغيير الاسم إلى مركز التعاون الأمني بين البلدان الأمريكية، وظل السؤال قائمًا حول جدوى هذه المدرسة في ظل وجود مدارس أكاديمية في دول أمريكا اللاتينية تتولى تدريس المواد العسكرية.
مدارس مكتب السلامة العامة
من مطلع الستينيات إلى منتصف السبعينيات أدار مكتب السلامة العامة الأمريكي ما سمي: أكاديمية الشرطة الدولية، أولًا في بنما، ثم في واشنطن وهو يقدم لضباط الشرطة الأجانب ما تقدمه مدرسة الأمريكتين للجيوش من تدريب.
ويرصد المراقبون أن عدد منتهكي حقوق الإنسان بين طلاب الشرطة الذين يدربهم المكتب أكبر من نظرائهم من خريجي مدرسة الأمريكتين بسبب الصلات الأوثق للشرطة مع الجماهير. ويضيف ويليام بلوم إلى ذلك أن انعقاد الدراسة في خارج الولايات المتحدة كان يعطي المحاضرين فرصة للحديث بحماس عن مقاومة الشيوعية بشتى السبل. بما في ذلك التعذيب وانتهاك حقوق الإنسان بدون سقف لهذه الممارسات القدرة.
وقد زود هذا المكتب الشرطات المحلية بالأسلحة والذخيرة، وأجهزة الإرسال وعربات الدوريات والغاز المسيل للدموع وغيرها من وسائل السيطرة على الحشود، وتضمنت المقررات دروسًا عن الاغتيال ووسائله المختلفة، ودروسًا عن تصميم وصناعة واستخدام القنابل ومعدات إشعال الحرائق. وكان أغلب الدروس العملية يتم تعليمها في مدرسة القنابل في «لوس فرسنوس»، في ولاية تكساس.
وعندما ألغى الكونجرس برنامج السلامة العامة في عام ١٩٧٥م بسبب النقد المتصاعد لهذا الجانب المظلم من السياسة الخارجية الأمريكية. تقدمت بهدوء إدارة مكافحة المخدرات. بمساعدة من مكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة الدفاع الأمريكية لمواصلة تنفيذ البرنامج الذي استمر متجسدًا في أشكال مختلفة حتى الآن. مثله في ذلك مثل ما حدث في مدرسة الأمريكتين.
نماذج
لقد أرست الولايات المتحدة أوضاعًا مؤسسية لتقعيد انتهاك حقوق الإنسان، وتدريسه لضباط الجيش والشرطة من أنحاء العالم والفارق بين ما يحدث في العراق الآن وما كان يحدث في هذه المدارس أن الولايات المتحدة فضلت، أو ربما اشتهى جنودها ممارسة هذه الأفعال بأنفسهم بدلًا من الوكالة التي تحرمهم متعة السادية. وحتى هذه المقولة غير دقيقة، فالولايات المتحدة لها تاريخ ملوث في الإطاحة بأي حق للإنسان.
في عام ١٩٩٦م أصدرت واشنطن قائمة تضم أسماء ١٦ مواطنًا يابانيًا محظورًا دخولهم إلى الولايات المتحدة بسبب جرائم حرب اقترفوها أثناء الحرب العالمية الثانية، أي قبل أكثر من أربعين عامًا، لكن من يمكنه أن يحصي جرائم الحرب التي ارتكبها القادة العسكريون الأمريكان بأنفسهم وبدون وكالة؟، لعل منها منح الرئيس الأمريكي جيرالد فورد إندونيسيا الموافقة على استخدام الأسلحة الأمريكية في أعمال الإبادة التي استمرت قرابة ربع قرن. أو قرارات قصف العراق بقنابل اليورانيوم المستنفد، أو توقيع هاري ترومان قرار قصف اليابان بالقنابل الذرية التي أبادت مئات الآلاف. ناهيك عن المسؤولية عن وفاة مليون طفل عراقي خلال فترة الحصار التي استمرت ١٢ عامًا بسبب نقص الأدوية والغذاء، وإصرار الرئيس بوش الابن على عدم الانضمام لاتفاقية روما الخاصة بمحاكمة مجرمي الحرب، أو كما تسمى المحكمة الجنائية الدولية.
ما الذي سيحدث في ٣٠ يونيو المقبل؟
العراق: تفاؤل وخوف وتوقع فراغ أمني
يثير تاريخ الثلاثين من يونيو المقبل، الذي جعلته قوات الاحتلال الأمريكي موعدًا التسليم السلطة إلى العراقيين، الكثير من التساؤلات بين المواطنين المتطلعين إلى استعادة السلطة والسيادة. غير أن هذا التاريخ ربما صار يثير مخاوف كبيرة لدى العراقيين، بشأن حقيقة ما سيحدث في ذلك اليوم، أكثر مما يثير الأمل بالاستقلال واستعادة السيادة.
قالت جهات مطلعة إن هناك خطة بإشاعة حالة من الفوضى الأمنية في العراق في ذلك اليوم، ربما تقف وراءها قوات الاحتلال.
وأكدت أن مخاوف كبيرة بدأت تسود بين عدد كبير من المطلعين على الأوضاع الميدانية في العراق، خاصة أن حصول الفراغ الأمني بات أمرًا واردًا، فبعد الأحداث الأخيرة والمواجهات التي حصلت مع قوات الاحتلال في أكثر من مكان، تبين أن قوات الأمن والشرطة العراقية غير قادرة على حفظ الأمن والنظام، بعد تسليم السلطة للعراقيين، وهي الحالة التي أكدها بول بريمر السفير الأمريكي في العراق.
من جانب آخر تصاعدت حدة التصريحات التي تحذر من موجة نهب وسلب وفوضى في البلد.فقد قالت رجاء الخزاعي،عضو مجلس الحكم الانتقالي:إن عدم تكامل قوات الشرطة والجيش والدفاع المدني في الوقت الحاضر جعلها غير قادرة على حفظ الأمن والنظام.
وأكدت أنه في حالة انسحاب قوات الاحتلال في الوقت الحاضر من العراق، فإن ذلك سيخلق فراغًا أمنيًا واضحًا، لا تستطيع سده بالشكل المطلوب، مشيرة إلى أن ذلك يحتاج إلى وقت طويل، بسبب تعقيدات الساحة العراقية.
وتأتي هذه التصريحات في الوقت الذي أكد فيه عدد من المسؤولين في دوائر الدولة ووزاراتها أن أمناء المخازن قرروا تسليم ما بذمتهم من عهدة إلى مسؤوليهم قبل الثلاثين يونيو المقبل.
ولم يخف العديد من العراقيين خشيتهم من تكرار ما جرى في العام الماضي، خاصة وأن الأجهزة الأمنية العراقية مترهلة إلى أبعد حد، كما أن العديد من عناصر تلك الأجهزة هم في الأصل من اللصوص والمجرمين، الذين تم إطلاق سراحهم قبل اندلاع الحرب على العراق، حيث انتسبوا إلى أجهزة الشرطة العراقية التي كانت تنظر إليهم على أنهم ضحايا النظام السابق.
وفي ظل حالة الترقب التي يعيشها المواطن العراقي، فإن بصيصًا من الأمل يبقى يراود مخيلة العراقيين في أن يجلب لهم الثلاثين من يونيو المقبل، حالة من الاستقرار فقدوها منذ أن احتلت القوات الأمريكية العراق، قبل نحو عام، وأن يعيد إليهم جزء من سيادة بلدهم.