العنوان الأمّة الإسلامية عوائق الداخل والخارج
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-فبراير-1985
مشاهدات 65
نشر في العدد 704
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 12-فبراير-1985
لسنا في حاجة أولًا: إلى أن نبرهن على الإسلام اليوم متوقف، لا يمارس حقه في الحياة، ونعني بالإسلام هنا: الدين الذي رضيه الله لعباده دينًا، ينظم حياتنا، ويهيمن على شئوننا حاضرًا ومستقبلًا.
ولسنا في حاجة ثانيًا: إلى دليل على أن ما يعوق مسار الإسلام لكي يواصل أداء رسالته، ليس مجرد مشکلات من صنع الظروف، يمكن العمل على حلها، وإنما هي -في الواقع- عقبات صنعنا نحن -المسلمين- بعضها بأيدينا، وأسهمنا في صنع البعض الآخر منها، بتنازلنا عن وجودنا.
وهذا القول في حاجة إلى توضيح..
إن القضية التي نحن بصددها، قضية رئيسة، إنها قضية الوجود الإسلامي، إنها القضية الأصل، وفي غيبة الوجود الإسلامي غاب كل شيء، غاب الوجود الدولي للشعوب المسلمة، ولدولة الإسلام. وإذا بعث هذا الوجود الإسلامي من مرقده، بعث كل شيء معه، لأن الوجود الإسلامي سابق على كل شيء، ففي المرحلة المكية وعلى مسار ثلاث عشرة سنة، لم يكن الوجود الإسلامي قائمًا، كانت هناك إرهاصات بهذا الوجود، وفي نفس الوقت كان هناك إرساء للعقيدة أساس الوجود الإسلامي، يقوم عليه بناؤه، أما في يثرب، فقد أصبح الوجود الإسلامي قائمًا بمجرد أن استقر الرسول وصحبه، بين جنبات يثرب، قام بناء الدولة الإسلامية شامخًا كتعبير عن الوجود الإسلامي، عناصر الدولة ومقوماتها كاملة: الأرض والشعب والنظام، والعقيدة الإسلامية هي أيديولوجية الدولة المسلمة، التي بدأت تشق طريقها إلى الآفاق، لكي تؤدي رسالتها نحو الإنسانية قاطبة..
وهذا ما عبر الشيخ محمود شلتوت- شيخ الأزهر الأسبق، في رسالته الموجزة: «الإسلام والوجود الدولي للمسلمين»، قال:
«كانت الهجرة مبدأ الوجود الدولي للمسلمين، الذين لم يكونوا قبلها إلا أفرادًا مضطهدين مبعثرين، صار لهم بها وحدة، لها شعارها الخاص، ونظامها الخاص، وهدفها الخاص.. إن المبادىء متى تركزت في النفوس، وآمنت بها القلوب، كانت لدى أصحابها أعز من نفوسهم وأموالهم، ومن كل ما يملكون، وإن صاحب العقيدة العالمية، والمبادىء الإنسانية العامة، لا يقف بجهوده في سبيل عقيدته أو مبدأه في أماكن محدودة، وإنما يسمو بعقيدته ومبدأه عن التقيد بالجنسيات والأقاليم، والعالم كله ميدان لعمله، فإذا ما نبا به مكان تحول إلى غيره، حيث يجد التربة الخصبة للإنبات والإثمار».
***
- ثم دار الزمان دوراته:
ظل البناء الإسلامي قائمًا على قدم وساق بضعة قرون، آخذًا من حيث القوة في الترتيب التنازلي، وليس مرد ذلك إلى أساس البناء، لأن أساسه متين، وضعه العلي الكريم سبحانه ليظل إلى أن تقوم الساعة، ولكن مرد ذلك إلى المسلمين أنفسهم، هؤلاء الذين أخذ الله عليهم عهدًا أن يكونوا حراسًا أوفياء لهذا البناء، وقد وضع لهذا البناء سياجًا ليكون بمثابة وقاية له، والحفاظ على السياج حفاظ على البناء، والتفريط في قيد أنملة منه يعرض البناء لما لا تحمد عقباه، هذا السياج أشارت إليه الآية الكريمة،: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام: 153).
إذن فنحن -المسلمين- تخلينا عن هذا السياج، وتركنا البناء خاليًا من الحراسة، فطمع فيه كل من هب ودب، واستخف به شرار الخلق وأهونهم عند الله، كان هذا البناء فيما مضى ينطلق منه الإسلام عملاقًا إلى مشارق الأرض ومغاربها، لا تعوقه البحار، ولا تصده الجبال، فتحسب له الدنيا بأسرها ألف حساب، وبأيدينا نحن -المسلمين- كبلنا هذا العملاق بالأغلال، وحددنا إقامته في داخل أنفسنا، أو في المساجد مع تشديد الحراسة عليه.
وقد يعترض علينا أننا نضع المسلمين جميعًا في قفص الاتهام، بينما الأنظمة التي تخلت عن الإسلام هي الجديرة وحدها -دون سواها– بأن توضع في قفص الاتهام..
وأقول: هذا خطأ في الفهم، فالمسئولية عن دين الله مسئولية جماعية، لذلك نرى القرآن دائما يخاطب الجماعة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.. ولا يخاطب الحكام، وإذا كانت مسئولية الرعاة أكبر من مسئولية الرعية، فذلك لاعتبار المنصب الذي يشغلونه، والذي لا يمنحهم امتيازًا على الرعية، قال الصديق أبو بكر في أول خطبة له: «إني قد وليت عليكم ولست بخيركم»، وكان عمر يعتبر نفسه واحدًا من سائر المسلمين غير أنه أثقلهم حملًا.. وقد أوضح الخليفة الأول أن مسئوليته لا تحول دون مسئولية الرعية: «... فإن رأيتموني على حق فأعينوني، وان رأيتموني على باطل فسددوني.. أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم» وعمر أيد ذلك في تعقيبه على عبارة: اتق الله يا عمر.. بقوله: «لا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إذا لم نسمعها».
فالإسلام لا يعترف بنظرية التفويض الإلهي للحاكم، والذي تجعله معصومًا من الخطأ، ولا تمنح الرعية حق النقد أو الاعتراض، وبالرغم أن رسول الله -صلوات الله وسلامه عليه- موحى إليه، إلا أنه غير مفوض إلا فيما يتصل بالوحي ففي (سورة الأحزاب 36): ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ أما فيما لا صلة له بالوحي فالشورى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: 159).
- صحيح أن بعض الأنظمة تضع عقبات في طريق الإسلام، ولكن مسئولية الشعوب هنا، أن تمنع أيدي هذه الأنظمة، وواجب علماء الدين أن يتصدروا قيادة الشعوب لكي تحول دون الأنظمة وما تريد، وإذا أعلنت الشعوب الحرب، فستكون حربًا دفاعية لا عدوانية، ويكون الجهاد فرض عين، وإن كان الجهاد فرض عين إذا ما اعتدى على أرض إسلامية، فمن باب أولى إذا كان الاعتداء على الإسلام نفسه، والشعوب المسلمة اليوم لا تعي ذلك، وعلماء الدين مشغولين بدنياهم عن دين الله..
- من داخلنا وخارجنا:
لا يمكن تجاهل صنفين من الناس، يسهمان في صنع العقبات.
الصنف الأول: اتباع السلطة في البلدان الإسلامية الثورية، وهذا الصنف تستوعبه وسائل الإعلام على الأخص.
أما الصنف الآخر: فيتمثل في الفكر المضاد للإسلام، يعتنقه عملاء الصليبية، أو عملاء الماركسية، أو أولئك المفتونون بالحضارة الغربية، وإحساس هؤلاء بالنقص يحملهم على أن يترفعوا عن الحضارة الإسلامية، ومعظمهم تتلمذ في أوروبا على أيدي المستشرقين والمبشرين..
هذا من داخلنا، أما من خارجنا ففي المقام الأول سيطرة القوى الكبرى، شرقية كانت أم غربية على الأنظمة التي دانت لها بالتبعية المطلقة، بحيث أصبحنا -وهذا هو الحق- نكاد لا نبرئ من هذه التبعية نظامًا من أنظمة الحكم في ديار العروبة والإسلام، أما ما هو من خارجنا فكثير، ولكننا نستخف به، وإذا نحن تركنا التبشير جانبًا، برغم أنه شر مستطير ما يزال يلعب دوره في ديارنا، فلا يمكن بحال من الأحوال أن نجهل أو نتجاهل الماسونية أو العلمانية، وهي اليوم تعمل في ديارنا على قدم وساق، أو نجهل أو نتجاهل الماركسية، لأن مصدر الخطورة يكمن في أن مثل هذه الأفكار تؤثر في تشكيل العقلية التي تتصدر مراكز السلطة في البلاد.
وإذا كانت الماسونية عاملًا أساسيًا في هدم الخلافة الإسلامية منذ زهاء ستين عامًا، فإن هذه الماسونية لعبت دورًا كذلك في تشكيل العقليات العسكرية التي قامت بالانقلابات في الدول الإسلامية، إن هذه العقليات صورة مصغرة من كمال أتاتورك، ولم يكن هذا الأتاتورك مفكرًا ولا فيلسوفًا، وإنما كان أداة طيعة وعميلًا وفيًا للماسونية والصهيونية، كذلك العسكريون الأقزام الذين قلدوا بعد ذلك لم يكونوا مفكرين ولا فلاسفة، ووسائل الإعلام في بلادهم هي التي أوهمتهم أنهم مفكرون وفلاسفة..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل