; جهاد في كل ميدان: الأندلس في ذاكرة رمضان (1) | مجلة المجتمع

العنوان جهاد في كل ميدان: الأندلس في ذاكرة رمضان (1)

الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي

تاريخ النشر السبت 22-أغسطس-2009

مشاهدات 68

نشر في العدد 1866

نشر في الصفحة 24

السبت 22-أغسطس-2009

(*) أستاذ التاريخ الإسلامي والأندلسي

ما كانت الحياة في الإسلام وفي مجتمعاتنا الإسلامية بجمال حضارتها موسمية، ولا متعلقة أو متوقفة أو مقتصرة ولا محتكرة المناسبات أو أزمنة، وإن كان الجملة من ذلك مكانة خاصة، بل الخير والعمل الصالح شامل للإنسان المسلم كله، وأعماله وحياته وأقواله. ولذلك كانت الانتصارات في الحياة الإسلامية والاندفاع نحو الخير والالتزام بشرع الله أحداثا عامة ولكن هناك أمكنة وأزمنة لها مكانة خاصة وحرمة، تستلزم زيادة في هذا الاتجاه ومسارعة إليه وإكثارًا من الخير.

تفاوت في الفضل: فمن الأمكنة مكة المكرمة والمدينة المنورة والمسجد الأقصى، ثم مواقع ارتبطت بذكريات جميلة في التاريخ الإسلامي كبلاد الأندلس وغيرها، ومن الأزمنة أيام وأشهر مميزة كأيام الحج وشهر رمضان، لا سيما ليلة القدر التي أنزل الله فيها القرآن الكريم، وجعلها في الأجر خيرًا من ألف شهر، وامتلكت هذه الأزمنة والأمكنة تلك المكانة لما جرى فيها من أشياء ذات صلة بقضايا إسلامية.

كما استوعب التاريخ الإسلامي أحداثًا وانتصارات وأمورا حملت فضلا وطاعة وغفرانا، فهذه كلها لها مكانة لسبب أو أكثر ولها حرمة والأجر فيها يضاعف ثوابها والسيئات يضاعف عقابها، وهذا مما يستريح له المسلم لينصرف إلى عبادة أو أكثر، فالحج ورمضان عبادتان تتلوهما الأعياد يكون فيهما العمل والسعي استمتاعا بنعمة الله ومنصرفا إلى طاعة ممتعا النفس بلذتها ويستريح عندها المسلم. ولكن ما دامت هذه عبادة وطاعة فقد وجدنا المسلمين مع ذلك لا يؤجلون واجبا فيها أو جهادا خلالها، بل يقترن كل ذلك ويكون مجمع فضائل؛ لأنها كلها قربى لله تعالى وأجر ورضا، هم يبحثون عنها، بل العمل خلالها أشرف وأكرم وأكبر أجرًا إن شاء الله تعالى.

سعة معاني الجهاد

ومثلما كانت هي جهادا فكم منها احتوت على أعمال جهاد، ورمضان مثل الحج يعتبر من أعمال الجهاد، وإن اختلف الشكل والصورة والأداء المرجو، لكنها حملت من معانيه وسارت في وجهته وابتغت هدفه من ذات المنطلق والتوجه!! جرت فيها من عجائب الأحداث ما يدل على قوة هذه المعاني في نفوس المسلمين خلال العصور المتطاولة فردية أو جماعية، وأن تكون جماعية فذلك أوجب وأعجب، وهذا بفضل الله في التاريخ الإسلامي كثير ووفير وشهير.

نماذج الأعمال والرجال

فهذا السمح بن مالك الخولاني الذي تولى ولاية الأندلس في رمضان سنة مائة للهجرة كان يقود الجهاد في أرض الفرنجة «فرنسا» بنفسه، حتى أتاه شهر ذي الحجة فاستمر في جهاده مستجيبا لصوت فؤاده، حيث صاغت مرضاة الله كل هدفه، داعيًا إلى الله، رافعًا رايته، ناشرا في الورى شريعته، واستمر على ذلك يقود هذا الجهاد، ويتقدم، ويضع نفسه وجهده وحياته في معمعته. فتلك معاني القيادة، حتى استشهد هناك في يوم عرفة سنة ١٠٢هـ، عند مدينة «طرسكونة» Tarascon جنوبي فرنسا، لقد تفرد أولئك باتباعهم أوامر هذا الدين الحق، وبنوا بذلك الالتزام حياة المسلمين وأقاموا حضارتهم.

ولقد سبق أن ذكرنا-في عدد سابق منذ فترة-ما فعلته فاطمة الفهرية التي بنت جامع وجامعة القرويين في «فاس» بالمغرب في أول يوم من رمضان سنة ٢٤٥هـ من مالها الخاص.

كانت هذه المعاني عامة نهض بها المجتمع الإسلامي نساء ورجالا، وهم كثيرون وهن كثيرات، لكن هذه بعض نماذج تنشر العطر الفواح وأنت تفتح من كتابها صفحات، كان ذلك الكتاب مفتوحا مستمر التسجيل مع خطوات الزمان في أحداث مقروءة للناس يعيشونها ويحيون فيها وامتلأت بها الصفحات، مثلما امتلأت بهم الساحات.

في رمضان عام ٧٣٢م وقعت معركة بلاط الشهداء جنوب باريس بقيادة المجاهد الشهيد عبد الرحمن الغافقي مع الفرنجة بقيادة شارل مارتل

في الشهر الفضيل سقطت مدن سرقسطة سنة ٥١٢هـ وبلنسية سنة ٦٣٥هـ وشاطبة سنة ٦٤٥هـ

بطولات مرقومة معلومة

وكم سطرت الحياة الإسلامية وحضارتها بفضل هذا الدين-من بطولات إنسانية وروائع حضارية ومآثر حياتية، تجلت في كل تاريخها امتدت على بساط الزمان خضراء عطرة على مدار الأيام خلال كافة الأعوام.

فـ«الزلاقة» كانت يوم الجمعة ١٢ رجب من عام ٤٧٩هـ ومعركة «الأرك» في الأندلس قادها الموحدون ضد المد الصليبي الزاحف بفضل الله سبحانه واستشهد فيها جمع كبير من المسلمين، وكان ذلك في شعبان من عام ٥٩١هـ.

وكان رمضان عبقًا في الأمة الإسلامية على الدوام-وليس وحده كذلك-مثلما في الأندلس مباركا حيا بالمواليد الكريمة من الفتوح والانتصارات في كل ميدان امتلأت بالفرسان والشجعان، غطى أرضه الشهداء والعلماء والعباد والأنجاد والأحباء والأولياء، مواكب خضراء اتجهت إلى الله في كل حركة طاعة وعبادة ومحبة.

وإذا كان الحديث هنا يخص إقليم الأندلس أو يطوف به، فقد جرت خلال القرون الثمانية التي عاشها الوجود الإسلامي فيه، حضاريا وسياسيا وحركيا وعلى رأسه الدولة يحتضنها المجتمع ويقومها ويصوبها جرت أحداث كثيرة وكانت أيامها مليئة بالحركة والنشاط والحيوية، حتى خلال أحداثها المرة وأحوالها المكفهرة وظروف كئيبة ألمت بها، ومنها في رمضان الذي حمل الروائح الزكية الندية، مثلما جرت فيه أحداث بائسة كانت أقسى على النفس وأشد وقعًا، وهو موضوع متسع.

ففي رمضان عام ١١٤هـ «٧٣٢م» وقعت معركة «بلاط الشهداء»، التي استمرت عشرة أيام جنوبي باريس بنحو مائتي كيلو متر بين مدينتي «تور» و«بواتييه» عند نهر «اللوار»، بين الجيش الإسلامي بقيادة المجاهد الشهيد عبد الرحمن الغافقي وبين الفرنجة بوحشيتهم وصليبيتهم وجموعهم الجرارة بقيادة «شارل مارتل» استشهد فيها القائد المجاهد الإداري الفذ عبد الرحمن الغافقي، وكانت هذه المعركة شبيهة بمعركة مؤتة تدعو الدارسين لإعادة النظر والبحث عن كثير من الحقائق التي ما تزال بأشد الحاجة إلى بحث وتدقيق.

ولقد كان سقوط مدينة «سرقسطة» في شمال الأندلس في رمضان سنة ٥١٢ هـ، وسقوط «بلنسية» في رمضان سنة ٦٣٥هـ، وسقوط «شاطبة» في رمضان سنة ٦٤٥هـ. فأي رمضان هذا، وأي مفارقات عما سبقت له من مجريات أنست به.

تدفق المد الحضاري

جرى الفتح الإسلامي المبارك للأندلس ووقعت جملة من جلائله في رمضان، فسرية «طريف بن مالك» الذي قاد الحملة الاستكشافية من الشمال الأفريقي، مبحرا من ميناء مدينة سبتة على مضيق جبل طارق سنة ٩١ هـ خلال رمضان ذلك العام، لترسو سفائنه في جزيرة «طريف»، التي حملت اسمه، وبعد أداء مهمتها الاستطلاعية عاد ينقل أخبارا سارة «لموسى بن نصير» والي الشمال الأفريقي، ثم كانت الحملة التي تجهزت لفتح الأندلس بقيادة «طارق بن زياد» واستقرت بعد رحيلها من سبتة عبر هذا المضيق - على جبل طارق الذي حمل اسم ذلك القائد المجاهد الذي قاد اثني عشر ألفًا من الجنود المسلمين فرحين بحمل راية الإسلام إلى أول قطعة من أوروبا وأرض جديدة ينشرون فيها دين الله مهللين مكبرين يتسابقون إلى الشهادة، وانحدروا بدويهم الكريم يجلجل في الأفق تعطره وتضمخه آيات الله، قوية منيرة من ذلك الجبل إلى الوادي الفسيح حيث نهر «برباط».

وفي اليوم الثامن والعشرين من رمضان كانت المعركة الفاصلة عام ٩٢هـ. استمرت ثمانية أيام استوعبت ما تبقى من رمضان إلى شوال خلال العيد، ففتح الله عليهم هذه البلاد ببركة هذه الأيام وتقدم خلالها من الشهداء فازوا بالشهادة والجنة إن شاء الله تعالى نحو ثلاثة آلاف شهيد أولئك الذين ممن صدقوا البيعة مع الله ربهم وأمثالهم الآخرون، كلهم كانوا يتسابقون للفداء.

كانت الحياة الإسلامية وفتوحاتها في كل الميادين داعية وناشرة عطره بهذا اللون من الرفعة والإقدام والحب لله لا تعرف غير ذلك، وعشق الموت في سبيل الله تعالى، فكيف بما دونه، وبهذه الصفة وحدها تبنى الحياة الإسلامية على هدى هذا المنهج الرباني الكريم.

الرابط المختصر :