العنوان الأندلس.. وأحداثه الرمضانية(2) فتح الأندلس
الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي
تاريخ النشر السبت 06-سبتمبر-2008
مشاهدات 75
نشر في العدد 1818
نشر في الصفحة 44
السبت 06-سبتمبر-2008
إذا كان رمضان في الأندلس لم يخل من أحداث مرة، فإن الأحداث المجيدة فيه كثيرة متكاثرة، وهي مرموقة متفاخرة.
لرمضان في الأندلس مكانة وأعراف وأنوار مثلما في بقية العالم الإسلامي
لقد شهدت أرض الأندلس في رمضان أحداثًا مجيدة كما شهدت أيامًا عنيفة
معركة وادي البرباط بقيادة طارق بن زياد وعبور موسى بن نصير إلى الإندلس ومعركة بلاط الشهداء وقيام مملكة غرناطة.. من الأحدث الرمضانية العظيمة
فرية حرق السفن التي لصقت بطارق بن زياد لا أساس لها من الصحة وتتعارض مع معاني الفتوحات الإسلامية وأهدافها
ففي رمضان سنة ٩١هـ «٧١٠م» كان عبور سرية «طريف بن مالك» «أبو زرعة» لقيادة الحملة الاستكشافية، من سبتة إلى الأندلس، في خمسمائة جندي، فيهم مائة فارس ثم عبر طارق بجيشه في الخامس من رجب سنة ٩٢هـ «۷۱۱م»، حيث جرت معركة الفتح العظيم الكبرى في رمضان منها.
وهذه بعض الأحداث الرمضانية في الأندلس.
- معركة «وادي البرباط» التي قادها «طارق بن زياد» يوم الأحد ۲۸ رمضان سنة ٩٢هـ «17\7\711م»، وهي المعركة الفاصلة التي جرت مع الجيش «القوطي» في جنوبي إسبانيا[1] وهو ما سيأتي تفصيله بعد.
- عبور «موسى بن نصير» إلى الأندلس بجيش فاتح، نجدة لـ «طارق بن زياد»، بثمانية عشر ألف جندي، في رمضان سنة ٩٣هـ «يونيو» «٧١٢م». وهناك عدة أمور تخص الفتح الإسلامي في الأندلس، جرت في السنة التالية «٩٤هـ».
- ابتداء ولاية «السمح بن مالك الخولاني» للأندلس في رمضان سنة مائة هجرية، أيام الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز «102هـ». واستشهد «السمح» في جنوبي فرنسا مجاهدًا يوم التروية أو عرفة سنة «١٠٢هـ».
- كانت معركة «بلاط الشهداء» «تور- بواتييه»- «Poitiers Tours» أوائل رمضان سنة ١١٤هـ «أكتوبر ونوفمبر ۷۳۲م» واستمرت عشرة أيام.
- كان ظهور النورمان «الهجوم الخامس» على سواحل الأندلس في بداية رمضان سنة ٣٦٠هـ (٩٦١م).
- قيام مملكة غرناطة أواخر رمضان سنة ٦٣٥هـ «۱۲۳۸م»، في جنوبي شبه الجزيرة الأندلسية.
إن كل نصر يكون للإسلام هو بذاته عيد للمسلمين وكونه في رمضان يعني يلتقي العيدان، عيده وعيد انتصاراته.
ولرمضان في الأندلس -خلال القرون الثمانية- مثلما في بقية العالم الإسلامي وأجياله ، مكانة وأعراف وأنوار وأمهار فالمجتمع كان يتزين بأنواع الزينات الجمالية والحياتية والاجتماعية، وتنشط النفوس، بالخير والكرم والعلم في جوامعها وجامعاتها. وجامع قرطبة. وهو جامعتها العتيدة، بأعمدته الرشيقة، وسواريه الرفيعة المترفعة، ومواقعه المتحلقة مزدهر، ومثمر، ومعمر، ولقد مرت بالأندلس أحداث خلال رمضان كثيرة منها الفتوحات المتنوعة المعروفة.
ولقد ترك رمضان لغيره كثير المثيلات أمثال معركة الزلاقة التي جرت في رجب الخير سنة ٤٧٩هـ «أكتوبر» 1086م والتي أنسات «أطالت: أجلت في عمر الأندلس أربعة قرون أخرى[2] ولقد جرت أيضًا بعض الأحداث المرّة في رمضان، ووقعت نكبات شديدة كما مرت بالأندلس وأهله فيه أيام عنيفة، ولا سيما بعد سقوط «غرناطة» «٨٩٧هـ ١٤٩٢م».
فتح الأندلس
لقد أتم الله تعالى هذا الفتح العظيم ابتداء للمسلمين في رمضان وتباشيره كانت في المعركة الأولى، حول نهر «البَرِّباط» Barbate. بقيادة «طارق بن زياد».. وتتابعت عملياتها مارة بثلاث مراحل:
الأولى: الحملة الاستطلاعية: وهي حملة «طريف بن مالك» «أبوزرعة» الاستكشافية، حيث بعد أن وافق الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك «٨٦- ٩٦هـ»على فتحها - من مراسلات «موسى بن نصير» والي الشمال الإفريقي - على أن يختبرها بالسرايا أولًا خوفًا على المسلمين جهز الحملة التي قادها «طريف» من مدينة «سبتة» Ceuta على مضيق «جبل طارق» بالمغرب إلى الأندلس ورست سفنه بجنودها الخمسمائة. بخيولهم المائة. في الجزيرة التي عُرفت باسمه، وبكل اللغات وحتى اليوم «جزيرة طريف» Tarifa البعيدة عن المضيق. مكان العبور. وبدأ يُرسل سراياه في اتجاهات عدة لاختبار الحال وجمع المعلومات. ونزولهم في هذه الجزيرة يدل على خُطة مدروسة. فهي أنسب لهذه المهمة مثلما كان النزول في «جبل طارق» أنسب لتلك المهمة. ولا بد أن «طريفًا».. بجنده. بقي هناك أيامًا أو أسابيع عدة والذي يبدو أن هذه الجزيرة لم تكن مأهولة واستعمال الخيول كان للضرورة ولازمًا للمهمة ويدل عليها.
ومن الممكن أن يكونوا قد تَخَفَّوا ، وكان لهم أدلاء من أهل البلاد. وهذا يقود إلى استنتاج أن بعض أهل تلك البلاد دخل الإسلام قبل هذا الفتح، ولعلّ منهم من كان مع سرايا الجيش الإسلامي، أو قدم معهم من شمال إفريقيا. وبعدما أنجزت الحملة مهمتها خلال المدة اللازمة التي نجهلها، لكنه ممكن أن تقدر بالأيام أو أكثر، عادت بالمعلومات التي على ضوئها رسمت الخطط اللازمة.
الثانية: حملة الفتح
وبدأ «موسى» بعد ذلك بالتجهيز لحملة الفتح. وعبرت الجيوش الإسلامية من «سبتة» بالمغرب إلى الأندلس، وكان آخر أفواجهم. بصحبة طارق. في رجب الخير سنة ٩٢هـ على دفعات لترسو على الجبل المعروف ب«جبل طارق» Gibraltar وبكافة اللغات أيضا مكافأة دنيوية على هذا الجهاد وما عند الله تعالى للمجاهدين والفاتحين أكبر.
وقد كان آخر فوج عبر به «طارق بن زياد» الذي نعرف عنه القليل، فهو بربري من قبيلة «نفزة» ولد مسلمًا، ولابد أنه عرف بجهاده في المغرب خلال الفتوحات ونشر الإسلام فيه حتى استحق أن يختاره موسى بن نصير قائدًا للحامية العسكرية الإسلامية في طنجة Tanger، ثم قائدًا لفتح الأندلس.
وعبر «طارق» المضيق من «سبتة» إلى الجبل المنتصب كالأسد أمامه مؤخرته إلى البحر المتوسط، ورأسه إلى المحيط الأطلسي. كأنه قادم من المتوسط، بعد أن جال ليتجه إلى الفتوحات على الأطلسي، إلى شبه الجزيرة الإيبيرية «إسبانيا والبرتغال» وما بعدها.
بشارات الفتح الأندلسي
يُذكر أن «طارقًا» رأى وهو في سفينته خلال سنة نوم ألمت به. رسول الله صلي الله عليه وسلم، يبشره بالنصر، ويوصيه بمن معه، وبالرفق بأهل البلاد[3].
وهذا الجيش- بقيادة «طارق»، في فهم مؤكد لـ «ابن حزم الأندلسي» «٤٥٦هـ» ضَمَّنَها رسالته في فضل الأندلس التي أوردها «المقري» «١٠٤١هـ» كاملة في كتابه نفح الطيب[4] - تحقيقًا لثانية اثنتي نبؤتين للرسول الكريم صلي الله عليه وسلم ، زفهما الحديث الشريف الذي يرويه مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه:« ناس من أمتي عُرضوا عليَّ غُزاةً في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر، ملوكًا على الأسرة». وهي رؤيا رآها النبي مرتين الأولى: وقد تحققت وهي التي أشارت إلى فتح جزيرة «قبرص» سنة «۲۸هـ» في خلافة ثالث الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان رضي الله عنه ، وبقيادة «معاوية بن أبي سفيان»... وكانت فيهم «أم حرام»، التي بشرت بذلك. وقد استشهدت هناك والثانية هم فاتحو الأندلس. فالتقت النبوءة المعجزة ببشارة رؤيا الفتح.
«طارق» والخطط المبتكرة
وحين وصل «طارق» إلى الجبل وأراد النزول بجنده، وجد جيش «القوط» الذي نازل الجيش الإسلامي. قبل وصول «طارق». على الجبل في عدة معارك بقيادة أكبر قائد قوطي بعد «لذريق» Rodric Rodrigo ملكهم. وهو عسكري معروف واسمه «تدمير» Tudmir و «القوط» الغربيون أمة حربية لم تكد تعرف الهزيمة في كافة الأحداث العسكرية والمعارك التي خاضتها، وهم الذين سماهم «هم أو غيرهم ممن سبقهم» بعض المؤرخين الأندلسيين ، مثل ابن حَيَّان القرطبي «٤٦٩هـ». «البشتولقات» Visigoths وتعني «القوط» الغربيين الذين احتلوا شبه الجزيرة الإيبيرية وسكنوها قبل الفتح لها ، بنحو ثلاثة قرون.[5]
فماذا يفعل «طارق» أمام الجند «القوط» الذين منعوه من النزول، واللحاق بالجيش الذي وصل، ويشتبك في معارك معهم. وهذا قد يعني ذهاب الفتح وإيقاف عملياته، وقد يُباد، أو يُحاط وتأخذه الأخطار.
و«طارق» من القادة الذين يبتكرون الخطط البارعة في المآزق والمواقف الحرجة في الحال. وتلك ميزة واضحة للقادة المسلمين، إحدى ثمار بنائهم الإسلامي.
فأمر «طارق» الجيش بالرجوع إلى المضيق، والإقامة لهزيع من الليل، كأنه يعود إلى المغرب و«الحرب خدعة»، وهذا هو مفهوم حديث الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم. ثم في آخر الليل يعود إلى الجبل، وليس من مكان النزول، ولا من المكان الذي حاول فيه أولًا، بل من خلف الجبل الذي يكاد يكون قوامه عموديًا، ليصعد هو والجند من هناك «فوطأه بالمجادف وبراذع الدواب ونزل منه في البر وهم لا يعلمون».
لكنا لا نعرف ماذا صنع بالدواب أو كيف نزلت على الجبل بخطة أخرى. ويدل هذا دلالة واضحة على المعرفة الجيدة للمواقع والجبل والأرضية مبنية على المعلومات التي عادت بها سرية «طريف».
وفوجئ «القوط» بذلك، والتحق «طارق» وجنده بالجيش الإسلامي الذي سبقه. ومن الممكن أن تكون قد جرت ل«طارق» ومن معه بعض المواجهات حتى التحق ببقية الفاتحين ولولا نوعية هؤلاء الجند- الذين يعرف نوعيتهم - لما كان ل«طارق»، أن يضع مثل هذه الخطة فلا يمكن أن يقوم بمثلها غيرهم أبدًا بحال.
وبإجماع المؤرخين كان عدد الجيش الإسلامي الفاتح «سبعة آلاف» فسار بهم، مُجْتَمِعًا ومتجها من الجبل «جبل طارق» إلى السهل، داخل إسبانيا، متجهًا إلى الشمال.[6]
ووصلت أخبار تجمع «القوط» وحشودهم الضخمة لمعركة اعتبروها فاصلة، ولعلهم أنذروا بوصول المسلمين قبل عبور «طارق» أو بعد حملة «طريف». ولذلك كان جمعهم وافرًا عددًا وعُدة. وبقيادة الملك «لذريق»..
فكتب «طارق» إلى «موسى بن نُصَيِّر» يستنجده ليمده بجند آخرين وتحرّكت النجدة. التي حسب لها-حالًا- من مدينة «سبتة» كذلك بقيادة طريف بن مالك «قائد الحملة الاستطلاعية»، بخمسة آلاف جندي، لترسو سفنهم على «جبل طارق» هذه المرة حيث يبدو أنه خَلَص للمسلمين، فلم يتركوا خلفه إلا مناطق فتحوها، ولا سيما الجبل المنيف المعروف.
فرية حرق السفن
وكان كل هذا العبور بسفن صنعها المسلمون، وهم أهل خبرة وصناعة متقدمة فيها، وقد جربوا الفتوحات البحرية، فلا يعقل أن تكون مستعارة. وبجانب ما يدل على أنها سفنهم، مما يؤكد أن «طارقًا»، لم يحرق السفن إطلاقًا وهو أمر يتنافى مع كل منطق واعتبار ومع معاني الفتوحات الإسلامية وأهدافها ومجرى الأحداث.
وهذا يُشير إلى أنه لا بد من إعادة النظر في الأحداث الكثيرة في التاريخ الإسلامي والأندلسي على وجه الخصوص ووضعها موضعها الصحيح.
وليس حرق سفن «طارق» إلا أسطورة غريبة، ولم يروها أي من المؤرخين الأندلسيين. وأوّل من رواها. نقلًا عن مجهول. هو الشريف الإدريسي (٥٦٠هـ).
الجغرافي الشهير، في القسم الأندلسي من كتاب «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق»، دون ذكر مصدره.[7]
ومع ما رأينا من الحاجة المستمرة للسفن في الأحداث السابقة، هي كذلك أساسية لهم في الأحداث اللاحقة، ثمّ إنّ لدى المسلمين من دوافع الفتح المرتبطة بالإيمان بالله وحب الموت في سبيله جهادًا، ما يفوق -بمراحل- ما قد يُحدثه حرق السفن من دفع، بل على العكس، فإن حرقها يُؤذيهم ويُثيرهم ويُسخطهم.
(۱) انظروا : التاريخ الأندلسي، للمؤلف، ص ٥٦.
(۲) التاريخ الأندلسي، ص ٤٠٩.٤٠٣.
(۳) التاريخ الأندلسي، ص ٥٧.٤٦.
(٤) نفح الطيب 3/156-١٧٩..
(٥) نفح الطيب، ۱۳۸/۱ ۱۳۹۰
[6]تجد تفصيلات ذلك وغيرها في كتاب التاريخ الأندلسي، لكاتب هذه السطور.
(۷) انظر: التاريخ الأندلسي من الفتح الإسلامي حتى سقوط غرناطة، ص ٦٢.