; الأهداف الأساسية لجولة الرئيس مبارك الأوروبية | مجلة المجتمع

العنوان الأهداف الأساسية لجولة الرئيس مبارك الأوروبية

الكاتب بدر محمد بدر

تاريخ النشر الثلاثاء 06-ديسمبر-1994

مشاهدات 57

نشر في العدد 1128

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 06-ديسمبر-1994

محاولة البحث عن علاج للأزمة الاقتصادية التي تمر بها مصر، والحصول على الدعم الأوروبي لبرنامج الإصلاح الاقتصادي، كانت على رأس القضايا التي ناقشها الرئيس مبارك في رحلته الأخيرة لأوربا التي استغرقت خمسة أيام، وشملت بريطانيا وإيطاليا ورومانيا، وأسفرت . حسب تأكيدات المسئولين عن نتائج إيجابية ملموسة في مجالات التعاون الاقتصادي وزيارة الاستثمارات في مصر وإفساح المجال أمام الصادرات المصرية لأوربا، وتقديم المعونات المادية والفنية للمساهمة في إنعاش الاقتصاد المصري، وتبادل الخبرات خصوصًا مع رومانيا في كيفية تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي وعلاج الآثار المترتبة عليه... جولة الرئيس كانت فرصة لمزيد من التأكيد على أهمية دعم الحكومة المصرية اقتصاديًا، خصوصًا في هذه الفترة التي تشهد الكثير من التقلبات والأزمات والتوترات في منطقة الشرق الأوسط، والحاجة الملحة لاستقرار الأوضاع في مصر باعتبارها ميزان الاستقرار في المنطقة.

وهناك أكثر من سبب لدفع الملف الاقتصادي إلى مقدمة الأولويات في السياسة المصرية حاليًا، من بينها أن احتمالات تخفيض المساعدات الأمريكية السنوية المصر، باتت مؤكدة خصوصًا بعد فوز الجمهوريين بالأغلبية في انتخابات مجلس النواب والشيوخ، وتصريحاتهم المتكررة حول عزمهم تخفيض المساعدات الخارجية الأمريكية، وأن التأكيد على عدم تخفيض المساعدات كان الصالح إسرائيل، فقط! وتبلغ المساعدات الأمريكية لمصر حوالي ٢.١ مليار دولار سنويًا، منها ۸۱٥

مليون دولار نقدًا، والباقي في شكل اتفاقيات غذائية وفنية وعسكرية، وتخفيض هذه المساعدات يعنى زيادة حدة الأزمة الاقتصادية في مصر، وبالتالي تفاقم المشكلات التي يعاني منها النظام السياسي، خصوصًا وأن العام القادم(١٩٩٥) هو عام «الانتخابات» انتخابات مجالس الشعب والشورى ومعظم النقابات المهنية، والحاجة ملحة لتحسين الوضع الاقتصادي قبيل الانتخابات لمواجهة الموقف السياسي للحكومة وعدم إفساح المجال أمام استفادة المعارضة من تردى الأوضاع الاقتصادية لصالح مرشحيها...

ضغوط صندوق النقد

أيضًا تأتي زيارة مبارك لبريطانيا وإيطاليا في إطار مساعي الحكومة المصرية لتخفيف الضغوط التي تتعرض لها من الهيئات الاقتصادية الدولية وعلى رأسها صندوق النقد الدولي الذي يطالب مصر بتخفيض قيمة الجنيه بنسبة ٣٠٪، وهو الأمر الذي حذر منه الرئيس مبارك مؤكدًا أن الأسعار سترتفع بنسبة ٧٠ إلى ٨٠ ٪ بين عشية وضحاها. بالإضافة إلى أن ذلك سوف يتسبب في زيادة العجز في ميزان المدفوعات، كما سيؤدي إلى خفض الصادرات، كما جاء في تصريحاته لوكالة أسوشيتد برس قبيل زيارته مباشرة، وحذر الرئيس المصري كذلك من «الاندفاع في سياسة الخصخصة» حتى لا يتعرض الاقتصاد المصري للأضرار» مشيرا إلى أن «مصر لا يمكن أن تفعل مثلما حدث في الاتحاد السوفيتي سابقًا، لأن ذلك سيعني الانهيار»، وقد عكست تصريحات الرئيس مبارك حجم الضغوط التي يمارسها صندوق النقد الدولي، وبالتالي كانت الزيارة فرصة لتوضيح الرؤية المصرية للمشكلة، وإقناع بريطانيا وإيطاليا بممارسة دورهما في تخفيف ضغوط صندوق النقد على الحكومة المصرية.

 ويعاني الاقتصاد المصري في السنوات الأخيرة حالة من الركود العام، حيث تراجعت الموارد الأساسية للميزانية العامة للدولة التي تعتمد على أربعة مصادر أساسية وهي السياحة والبترول وعائد قناة السويس ثم حصيلة الضرائب، والمعروف أن موارد السياحة قد تعرضت في العامين الأخيرين لهزة عنيفة وتراجع كبير نتيجة لاستمرار أحداث العنف.. صحيح أن إيرادات العام الحالي من السياحة أفضل من العام السابق . كما يقول د. ممدوح البلتاجي وزير السياحة .

إلا أن الإيرادات ما زالت منخفضة بشكل كبير عن معدلها الطبيعي. أما عائدات تصدير البترول وإيرادات قناة السويس فقد تأثرًا بحالة الركود الاقتصادي في العالم. لكن الزيادة الوحيدة في إيرادات الميزانية العامة للدولة كانت تحت بند الضرائب، وحسب تقرير البنك المركزي المصري فإن إجمالي الإيرادات الضريبية عام ۱۹۹2/٩3 بلغ ۲۷.۷ مليار جنيه، ارتفعت إلى ٣١.٣ مليار جنيه في موازنة ١٩٩3/٩4، في حين كانت حوالي ١٥.٥ مليار جنيه عام ۱۹۹0/٩1، وتبلغ نسبة الضرائب في مصر ٢٠.٥% وهي بالتالي تعتبر من أعلى معدلات الضرائب في العالم، وتزيد عن مثيلاتها في الدول ذات الدخل المتوسط الشبيهة بحالة مصر، مثل تركيا التي تصل نسبة الضرائب فيها إلى ١٥.٦٪ والفلبين 16.7% وكوريا ١١.١٪

صندوق النقد الدولي يقول: إن كل فرد من أفراد الشعب المصري مدين بـ ٧٥۰ دولارًا

أعلى معدلات للضرائب

الرئيس يقول إذا تم تخفيض الجنيه المصري حسب مطالب صندوق النقد الدولي ،فإن السلع سوف ترتفع أسعارها بنسبة 70% إلى 80% بين عشية وضحاها.

الدكتور على نجم محافظ البنك المركزي– الأسبق ينتقد النظام الضريبي في مصر ويقول «شهدت الإيرادات الضريبية خلال . السبعينيات حتى منتصف الثمانينيات نموًا بمعدل سنوي تراوح بين 15.5 ٪ ثم تسارعت معدلات نمو الإيرادات الضريبية منذ عام ۱۹۸۷ حتى عام ۱۹۹۳، حيث حققت نموًا . بمعدل من ٢٠% إلى 30% وهي من أعلى المعدلات في العالم، رغم حالة الكساد والركود التي تعاني منها السوق، ذلك أن حجم الاستقطاع الضريبي يؤدى إلى تزايد الضغوط الانكماشية على الاقتصاد، وفي مثل هذه الأوضاع كان المفروض أن تلجأ الدولة إلى تخفيض الضرائب مما يسمح بيدء حالة من الانتعاش الاقتصادي، ويؤكد الدكتور نجم أن «تطبيق برنامج الإصلاح الهيكلي مع الصندوق والبنك الدوليين زاد من حالة الكساد، ووصلت البلاد إلى حالة سيئة من الكساد، وكان المفروض بانتهاء هذه المرحلة ونجاحها في تحقيق أهدافها، وهي مرحلة الإصلاح الهيكلي، أن تحدث دفعة نحو انتعاش الاقتصاد القومي، غير أن الضرائب كما يقول على نجم– لعبت دورًا عكسيًا في تكريس الحالة الانكماشية، بل إحباط محاولات الانتعاش نتيجة حجم الاستقطاع الضريبي خلال السنوات الأخيرة»

ارتفاع التضخم وحالات الإفلاس

التقرير الاقتصادي الشهري لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء أكد أن «نسبة التضخم- أي ارتفاع الأسعار- قد ارتفعت إلى أكثر من الضعف في سبتمبر ١٩٩٤، بالقياس إلى معدلها في سبتمبر ۱۹۹۳» كما سجل التقرير «تضاعف حالات الإفلاس بين أصحاب الأعمال من ٣٤٨ حالة إفلاس في يونيو ۱۹۹۳ إلى ۱۱۳۹ حالة في نفس الشهر من هذا العام (١٩٩٤) أي أكثر من ثلاثة أمثال المعدل خلال عام واحد... وحسب تصريحات الدكتور رمزي زكي مستشار معهد التخطيط القومي فإن «نصيب الأجور في الموازنة العامة للدولة قد تراجع إلى ۲۸٪ بعد أن كان ٤٨٪ في عام ١٩٧٢، وهذا يعني غياب العدالة الاجتماعية، وتدهور الأحوال المعيشية للمواطنين» وإذا كان الركود الاقتصادي قد أثر على الكثير من الصناعات وخصوصًا الصناعات غير الأساسية والصغيرة، فإن عشرات المحلات ومعارض البيع تفتح أبوابها طوال أيام الأسبوع لتعويض نقص الشراء وقلة المبيعات، كما بدأت المصانع في تقليص العمالة وتسريح العمال، وهذا بالطبع يؤثر على زيارة معدلات البطالة التي تشير الأرقام إلى أنها تزيد عن ٢٠٪ من قوة العمل، والأمر المثير للدهشة أن نسبة كبيرة من هؤلاء العاملين من حملة المؤهلات المتوسطة وفوق المتوسطة والجامعية أيضًا.

 كل هذه العوامل تؤدى في النهاية إلى انخفاض قيمة الدخل لدى الأسر، وبيانات الأمم المتحدة . كما يقول د. حامد عمار أستاذ التربية بجامعة عين شمس– تشير إلى هبوط نصيب الفرد في مصر من الدخل القومي الإجمالي من ٦٨٠ دولارًا عام ١٩٨٨ إلى ٦٢٠ دولارا عام ١٩٩٠ إلى ٦٠٠ دولار عام ١٩٩٢ ،وأن معدل التضخم السنوي قد ارتفع . كمتوسط للفترة من ٧٠ إلى ١٩٨٠ – من ٩.٦٪ إلى 12.5٪ خلال الفترة من ٨٠ إلى ١٩٩١ ،وإن كان قد أخذ في الانخفاض نسبيًا في السنتين الأخيرتين حسب البيانات الرسمية. ويعود ذلك كله إلى الانخفاض في النمو السنوي للناتج القومي الإجمالي الذي تدنى من 8.4% خلال الفترة من ٧٣ إلى ١٩٨٣ إلى ٦.٣% في الفترة من ٨٢ إلى ١٩٨٧ ثم إلى 4٪ خلال الفترة ۸۷ _۱۹۹۲، ويقدر أنه انخفض إلى حوالي 2.8 ٪في السنوات الأخيرة التالية

تضخم الديون الخارجية

الديون الخارجية ساهمت أيضًا في تأزيم الوضع الاقتصادي، فقد ارتفعت من ١.٧ مليار دولار عام ۱۹۷۰ إلى حوالي 20.9 مليار عام ١٩٨٠ إلى ٤٠.٥ مليار عام ١٩٩١. وبلغت نسبة الديون إلى إجمالي الدخل القومي 120% عام ۱۹۹۰ ومن المحتمل أن تكون النسبة قد انخفضت إلى ما بين ٩۰ و ۷۰ ٪بعد إسقاط نسبة منها مؤخرًا، ولو نسبنا حجم الديون إلى جملة السكان في مصر لأصبح كل فرد مصري مدین ب ۷٥۰ دولارًا.. وبالإضافة إلى ديون الخارجية هناك الأموال المهربة للخارج التي بلغت حوالي ۵۰ مليار دولار في عام ١٩٩٠ حسب بيانات البنك الدولي، وهي تشكل جملة الأرصدة المصرية من الأموال الموجودة في البنوك والاستثمارات والأوراق المالية خارج البلاد.

الأزمة الاقتصادية في مصر قد دخلت مرحلة حرجة تحتاج إلى علاج سريع، ولذلك ركزت القيادة المصرية في تحركها الدولي والعربي في الفترة الأخيرة، في البحث عن علاج حتى لا تتردى الأوضاع أكثر من ذلك. فهل نجحت الزيارة الأخيرة في إيجاد حل؟

الرابط المختصر :