العنوان الأهداف ودور المرحلية في تحقيقها
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 29-مايو-1990
مشاهدات 79
نشر في العدد 968
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 29-مايو-1990
اقتضت
حكمة الله -تعالى- أن لا يكلف الإنسان ما لا يطيق، وألا يطلب منه الوصول إلى ما لا
يمكنه الوصول إليه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة:286)،
ولذلك كان الإنسان المكلف مسؤولًا عن عمله، ومحاسبًا على التقصير في إنجاز المهمة
المنوطة به، فليس من المنطقي أن يتقاعس الإنسان في أداء واجباته أو أن لا يحسن
أداءها، ومع ذلك يحمل الآخرين مسؤولية النتائج، فتارة يلقي بالعبء على المجتمع،
وتارة على القوى الخارجية، وكثيرًا ما يحيل المسؤولية إلى الأقدار، في محاولة لإراحة
نفسه، وإبعاد المسؤولية عنها، وليت هذه الحالات تفيده قليلًا عندما يداهمه الخطر،
وتحيق به نتائج أعماله وثمرات جهوده؛ حيث إن ما يلقاه الإنسان في حياته، وما
يواجهه من متاعب أو رغائب ما هو إلا المحصلة النهائية لما قدم، وهذا هو قدره في
هذه الدنيا، وعندما تكون النتيجة أكبر من الجهد الذي بذله الفرد، كأن يهمل في
عمله، أو يتخلى عن واجبه فيكون العقاب حلول الاستعمار في بلده مثلًا، فكيف تربط
بين تقصير فرد ونكبة الاحتلال الأجنبي؟ والجواب: أن نكبة الاستعمار مصاب كبير، فلو
أننا قسمناه إلى أجزاء تساوى عدد أفراد الشعب المنكوب لأدركنا كم ينال الفرد من
المسؤولية تجاه هذا الحدث الجلل؟
قانون السببية
وهروبًا
من تحمل المسؤولية يحتج بعض الناس بالقضاء والقدر، متجاهلين أن ربط الأسباب
بمسبباتها، والنتائج بمقدماتها داخل ضمن إطار القضاء والقدر، وقد تكون الشبهة أن
الحديث عن الأسباب قد يصرف الإنسان عن التفكير بقدرة الله ومشيئته وإرادته في
تصريف الأمور، وهي شبهة إن كان فيها شيء من الحق ففيها أشياء من الخطأ والتيه الذي
يجعل الرؤية غير واضحة، كما يجعل التفكير مشلولًا أمام الحوادث المتتابعة، وينتقل
الإنسان نتيجة هذا الخلل الفكري من التوكل الذي هو صفة المؤمن الواثق بالله، إلى
التواكل الذي يثبط الهمم، ويقضي على العزائم، ويحيل المرء إلى حالة من الخمول
والموت حسب تعبير الشاعر: ليس من مات فاستراح بميت
إنما الميت ميت الأحياء
وهكذا نصل
إلى المعادلة التي تربط بين التوكل على الله، والبحث عن الأسباب، وحتى لا يحسب بعض
القراء أننا نغوص في الفلسفة أو نغرق في المادية، نسوق لهم عددًا من الآيات التي
توضح هذه المعادلة: ﴿إِنَّ اللَّـهَ لا
يُغَيِّرُ ما بِقَومٍ حَتّى يُغَيِّروا ما بِأَنفُسِهِم﴾ (الرعد: 11)، ﴿وَمَا
كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (هود:
117)، ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ
يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7)، ﴿وَالَّذِينَ
جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (العنكبوت: 69).
فالعواقب
التي نحصدها هي نتائج أعمالنا، والمساحة التي لا تتعلق فيها العاقبة بأعمالنا لا
نكون مسؤولين عنها؛ لأن هذا ليس داخلًا ضمن إرادتنا وبالتالي: ﴿لا يُكَلِّفُ
اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا﴾ (الطلاق: 7).
الإحباط
عندما
نقدم على عمل، أو نبدأ في مشروع ونقطع في ذلك شوطًا زمنيًا وعمليًا، ثم لا نحقق
الهدف ولا نحصل على النتيجة المرجوة وبالسرعة المتوقعة، نصاب بالإحباط وهو حالة
نفسية تمثل العائق الذاتي الذي يقف في طريق حركة الإنسان، لشعوره باللاجدوى من
العمل الذي يعمله، ويصرف فيه جهده وعمره، ثم لا يدرك الغاية، ولا يحقق الهدف، وهذه
حالة نفسية مرضية تصرف النظر عن البحث في أسباب المشكلة إلى الاستغراق في المأساة
التي حلت والمصيبة التي وقعت، وكلما ازداد التفكير في المصيبة كلما ترسخ الإحباط،
وقويت العوامل المثبطة لإرادة الإنسان، والتي تقلل من شأنه ومن قيمة عمله وجدوى
حركته، وهذا مأزق يقع فيه الإنسان بعد وقوع المشكلة، وهو إن استمر على هذا النمط
من النظر تعمقت المشكلة وتجذرت، واستعصت على الحل، كمن سقط في بئر فأخذ يحفر في
القاع فازداد بذلك ابتعادًا عن حافة الخلاص، ولو أنه نظر إلى أعلى، وتلمس مكانًا
يضع فيه قدمه أو يعلق يده، لكان حريًا بالخروج من البئر، وجديرًا بالنجاة وبكشف
الغمة والتخلص من المأزق، إن الإحباط لا يصيب إلا من يتعامل مع الأشياء بالعواطف
والأماني، وليس بالعقل وبمعرفة العلاقة الوثيقة بين المقدمات والنتائج.. إن الصياد
الذي يغمض عينيه ولا يسدد بندقيته لا يصيب العصفور الحذر، فلكل نتيجة شروط فنية
لحصولها، فإذا أغفلت الشروط، لماذا نصاب بالإحباط؟
الوسيلة المكافئة
من أهم ما
يوصل إلى تحقيق الهدف، معرفة الوسيلة الأنجح والأقدر على تحقيقه، فمن أراد السفر
عن طريق البحر لا يركب دراجة نارية، ومن رغب في اكتشاف الفضاء أو زيارة المجرات لا
يستخدم سيارة لا تستطيع السير إلا في البر وعلى طريق معبد، وهكذا الإنسان عندما
يصوغ الأهداف ويفرغ تفكيره كله في توضيحها وإبرازها والتضخيم من قيمتها، فإنه يصاب
بالذهول عندما يسأله معجب بهذه الأهداف كيف نستطيع أن نحققها في عالم الواقع،
وننقلها من عالم المثل والأحلام؟ فتكون الإجابة غير متناسبة مع الضخامة التي صورنا
بها أهدافنا لأننا لم نتصور بغير شكل الوسيلة التي نستطيع بوساطتها أن ننقل الهدف
من عالم الأحلام إلى مجال الواقع المعاش.
إن الذي
يحلم بأن يكون له مزرعة تحتوي أصناف الثمار وألوان الخضار بالإضافة إلى الماء
المتفجر والظل الوارف ثم لا يخطو، أو يخطو خطوة غير مناسبة فإنه سيعود إلى أحلامه
إن أراد أن تستمر سعادته، أما إذا أراد تحقيق الحلم فسيخطو وسيجري وسينوع
الأساليب، ويعدل الوسائل حتى يكتشف الطريقة الناجعة التي تحقق له ما يريد، وكلما
كبرت الغاية احتاجت إلى الوسيلة المكافئة حجمًا ونوعًا.
إن كل شيء
في الوجود يسير وفق قانون أو حسب سنة كونية، وبمقدار إدراكنا لهذه السنن نستطيع
الاستفادة منها وتحقيق مقاصدنا من خلالها، أو تسخيرها -بالتعبير القرآني- لأهدافنا
ومصالحنا.
محاولة القفز
لو نظرنا
إلى الهدف الجليل، الذي يضعه كل مسلم نصب عينه بإقامة مجتمع مسلم يحقق التكافل،
ويسود فيه العدل، وتنتشر الفضائل، وتحجم الرذيلة، ويضيق عليها الخناق، ثم أجال
نظره فيما حوله لأصابه الدوار لهول المسافة الفاصلة بين الواقع وبين الهدف الذي
يعمل من أجله، ويسعى إليه؛ ذلك أنه يتصور الصعوبة والمشقة التي عليه أن يعانيها
للوصول إلى مراده، فالتفكير القاصر هو الذي يستخدم القفز لتجاوز الهوة العميقة،
ويتملكه الرعب لأن عدم تمكنه من الوصول إلى الطرف الآخر من الهوة معناه السقوط
فيها، ولو أنه أجرى بعض الحسابات الأولية لعلم أن قدراته لا تستطيع تحقيق هذه
القفزة النوعية التي توصل للغاية بمغامرة مرتجلة لا تخضع للحسابات، أو بطريقة
سحرية تولع بالمجهول، وتغفل دور المعلومات.
إن محاولة
القفز هذه تهمل الشروط الضرورية لتحقيق أي هدف، وتجهل أو تتجاهل سنة من سنن البناء
وتغيير المجتمعات.
إن القضية
ليست مجرد الوصول إلى هدف معين، ولكنها في إمكانية الارتفاع إلى مستواه، ومن ثم
المحافظة على الإنجاز الذي حققناه، وحمايته من التصدع نتيجة العوامل التي تكتنفه
وتحاول دفعه للانحراف أو الانهيار.
ولأننا
نجهل هذه العوامل، ولا نعرف كيف نتعامل معها؛ لا نستطيع بالتالي تثبيت الهدف
وإقرار الغاية وإحقاق الحق، ولأن مجرد إيماننا به لا يحميه إذا كنا نجهل كيفية
المحافظة عليه.
المرحلية
لعل
الطريقة التي تعصمنا من عواقب الفقر وآثاره المدمرة أن يكون الهدف واضحًا في
أذهاننا وضوحًا لا يخالطه لبس ولا شك، وأن نجزئ طريق الوصول إلى مراحل نضع على رأس
كل مرحلة هدفًا أوليًا يكون بمثابة المعلم في الطريق الطويل، أو المنارة في
المتاهة المجهولة، ثم نحكم خطتنا، ونضع سلم الأوليات، ونحدد دور كل مرحلة، ونربط
بين الأهداف المرحلية ربطًا وثيقًا بحيث ينتهي الهدف الأول مع بداية الثاني، وهكذا
في علاقة جدلية ترتب النتائج على المقدمات، فكل هدف مرحلي تسبقه شروط فنية، وتنتج
عنه نتائج حتمية، ورغم حتميتها فهي تحت السيطرة لا تخرج عن إرادة الإنسان.
وفي هذه
الحالة يعرف السائر أين هو من الطريق، وفي أي منعطف، وعند أي مرحلة، وتسهل عليه
عملية المراجعة لتصويب العمل ومعالجته، وإذا أخفق في مرحلة ما فإنه يعيد المرحلة
ثانية حتى ينجح في تجاوزها من غير أن يرجع إلى البداية الأولية إلى نقطة الصفر.