; عشرة آلاف منهم اختفوا في ليلة واحدة. ما مصيرهم ؟! الأويجور «شعب» مسلم. وليسوا «أقلية» في الصين | مجلة المجتمع

العنوان عشرة آلاف منهم اختفوا في ليلة واحدة. ما مصيرهم ؟! الأويجور «شعب» مسلم. وليسوا «أقلية» في الصين

الكاتب فاطمة إبراهيم المنوفي

تاريخ النشر السبت 22-أغسطس-2009

مشاهدات 48

نشر في العدد 1866

نشر في الصفحة 46

السبت 22-أغسطس-2009

(*) باحثة دكتوراه في شؤون آسيا الوسطى

تركستان الشرقية جزء لا يتجزأ من «تركستان» «أرض الترك» التي تقاسمتها الصين وروسيا لقرون طويلة بعد أن ضعف أمر المسلمين بها فاحتل الروس قسمها الغربي الذي يضم دول كازاخستان، وأوزبكستان، وقرغيزستان، وتركمانستان وتحررت مؤخرًا، واحتلت الصين عام ١٧٦٠م «١١٧٤هـ» قسمها الشرقي، وقتلت حينها ما يقرب من مليون مسلم! وتعرف هذه المنطقة الآن بتركستان الشرقية أو «أويجورستان»، بينما يطلق عليها الصينيون «سينكيانج» «المقاطعة الجديدة» لطمس هويتها

الإسلامية.

وقد كان للأويجور حضارة قديمة، فقد ساهموا في بناء صرح الحضارة الإنسانية العالمية منذ أقدم الفترات التاريخية، ويرجع لهذا الشعب الفضل في اختراع حروف الطباعة من الخشب، علاوة على قيامهم بطبع العديد من الكتب في مختلف العلوم والمعارف.

موقع استراتيجي

وكانت تركستان الشرقية قديما تتمتع بأهمية كبيرة في التجارة العالمية؛ فكان «طريق الحرير» المشهور يمر بها، ويربط الصين ببلاد العالم القديم، والدولة البيزنطية، وظهر من هذا الشعب علماء أثروا الحضارة الإسلامية، كما ساعدت جيوشهم بصورة كبيرة في الفتوحات الإسلامية التي وصلت رومانيا وغيرها من الدول الأوروبية.

كما أن الموقع تركستان الشرقية أهمية كبرى بالنسبة للصين، فهي تقع غرب الصين، وتُعدُّ النافذة الوحيدة على دول آسيا الوسطى الغنية بالثروات النفطية والمعدنية التي توجد بها مدن عريقة شهدت العصر الذهبي للحضارة الإسلامية مثل «بخارى»، و«سمرقند».

كما تمثل تركستان الشرقية حائط صد لتدفق من تسميهم الحكومة الصينية ب الإرهابيين من أفغانستان وباكستان وآسيا الوسطى إلى الصين. وقد جعلت الصين من تركستان الشرقية كبش فداء عند اندلاع أية حرب مع جيرانها، وتتخذها حصنا لها من جهة الغرب.

وتمتلك تركستان الشرقية احتياطيًا ضخما من البترول والغاز الطبيعي، والذهب والفحم، وبها أجود أنوع اليورانيوم في العالم كما أن بأرضها معظم المعادن والمواد الخام التي تمتلكها الصين، وتتميز بإنتاجها للقطن طويل التيلة؛ لذا فهي عصب اقتصاد الصين وصناعاتها الثقيلة والعسكرية؛ إذ إن الصواريخ البالستية عابرة القارات، والصواريخ النووية الصينية تنتج في تركستان الشرقية، ولهذا فإن الصين تبذل قصارى جهدها لمحو هوية هذا الشعب.

السلطات الصينية لا تمنح أيا منهم تصريحا بالزواج إلا بعد كتابة تعهد بعدم الإنجاب لمدة خمس سنوات!

منع النساء الأويجوريات من الإنجاب وإجبارهن على إجهاض حملهن حتى في الشهر التاسع مما يتسبب في إصابتهن بالعقم!

صنوف من المعاناة

سلطت الصدامات العرقية الدامية التي هزت «أورومتشي» عاصمة تركستان الشرقية مطلع شهر يوليو الماضي بعض الضوء على معاناة هذا الشعب المسلم. فمنذ بداية الحكم الشيوعي حتى الآن، يعمل الصينيون على تذويب الشعب التركستاني في المجتمع الصيني وطمس هويته، وذلك من خلال تشجيع الزواج بين التركستانيين والصينيين وكذلك إلغاء اللغة الأويجورية من المؤسسات التعليمية والحكومية، وإحلال اللغة الصينية محلها.

ولنشر الثقافة الصينية، تم إنشاء مراكز تربوية في جميع أنحاء تركستان لنشر ثقافة التعايش بين الأعراق، وأجبرت الجميع على الذهاب إلى هذه المراكز والاستماع إلى توجيهات الحزب الشيوعي. وتخطط السلطات الصينية منذ زمن بعيد للقضاء على الشعب التركستاني بشتى الوسائل، ومن أخطرها تحديد النسل. فبخلاف ما تنشره وسائل الإعلام من أن المسلمين الأويجور مسموح لهم بإنجاب طفلين، فإن الواقع مختلف تماما؛ حيث لا تمنح السلطات تصريحا بالزواج إلا بعد كتابة تعهد بعدم الإنجاب لمدة خمس سنوات.

وفرضت الصين إجراءات صارمة لمراقبة النساء ومنعهن من الإنجاب، فأدرجت السلطات الأسر الأويجورية في مجموعات تتكون كل مجموعة من عشر أسر، وكل أسرة تراقب الأسر الأخرى، وعلى كل امرأة مراقبة النساء الأخريات وإخبار السلطات الصينية في حال حدوث حمل لإحداهن وإذا لم يتم إبلاغ السلطات الصينية تعاقب الأسر جميعها. وإذا حدث حمل قبل الفترة المحددة تجبر النساء على الإجهاض، حتى إذا كان الحمل في الشهر التاسع، فلابد أن يولد الطفل ميتا حتى لو أودي ذلك بحياة الأم، وكثيرا ما تفقد النساء حياتهن بسبب هذه العملية، أو يصبن بالعقم!

وقد أعلنت وسائل إعلام رسمية مؤخرًا أن نحو ۱۳ مليون حالة إجهاض تجرى في الصين سنويا، بسبب سياستها القمعية التي تحدد عدد الأطفال للزوجين، وهذه النسبة تفوق مثيلتها في الولايات المتحدة الأمريكية.

التعليم الإسلامي. ممنوع!

يقول أحد المثقفين الأويجور: «إن الدستور الصيني يسمح بحرية ممارسة الشعائر الدينية، كما أن هناك مناطق صينية ذات أكثرية مسلمة، وأبناء الصينيين المسلمين يدرسون في المدارس الإسلامية ويذهبون إلى المساجد، كما تذهب المسلمات الصينيات أيضا إلى المساجد. وفي العاصمة «بكين» يستطيع كل مسلم ومسلمة الذهاب إلى مسجد «نيوجيه» والصلاة فيه بحرية كاملة».

ويستطرد قائلًا: «لكن الوضع في تركستان الشرقية مختلف تماما؛ فالسلطات الصينية تمنع من هم دون الثامنة عشرة من دخول المساجد، ولا يسمح للنساء كذلك. كما أن التعليم ممنوع نهائيا بالنسبة للأويجور؛ حيث قامت السلطات الصينية خلال العام الماضي بحملة اعتقالات واسعة للمدارس الدينية السرية في تركستان الشرقية، واعتقلت في العاصمة «أورومتشي» أكثر من مائتي طفل بين الثامنة والرابعة عشرة من العمر وتم سجنهم أكثر من ستة أشهر، وبعدها تم الإفراج عنهم بكفالة مالية، بعد تعهد الآباء بعدم إرسال أبنائهم للدراسة مرة أخرى، وهو ما يدل على استهداف الشعب الأويجوري بعينه».

إبادة جماعية

وتشير التقارير الواردة من تركستان الشرقية إلى أن السلطات الصينية اتخذت من الأحداث الدامية التي وقعت مطلع شهر يوليو الماضي ذريعة لإبادة الشعب الأويجوري، فقد أكدت مصادر أويجورية موثوق بها مؤخرًا أن السلطات الصينية أحرقت عمدا ١٩٦شابا أو يجوريا داخل سجن «أولان باتور» الذي يقع في منطقة قريبة من العاصمة التركستانية «أورومتشي»؛ حيث تم جمعهم في أحد عنابر السجن، وأحرقتهم قوات الأمن لطمس آثار الجريمة البشعة.

وقطعت السلطات الصينية كل وسائل الاتصال بين تركستان الشرقية والعالم الخارجي، وحجبت عشرات المواقع والمنتديات التركستانية، وفرضت حظر تجول شاملًا على مختلف المدن والقرى ومنعت التنقل بينها.

يجبرون على تعلم الإلحاد والثقافة الصينية. والتعليم الإسلامي محظور تماما عليهم!

أية توصيات بشأنهم ستظل حبرًا على ورق ما لم يهتم العالم الإسلامي بأمرهم

آلاف الضحايا: تذكر الجهات الرسمية الصينية أن الاضطرابات أوقعت ۱۹۷ قتيلًا فيما تشير المعارضة الأويجورية في الخارج إلى آلاف القتلى من المسلمين الأويجور.

وكشفت «ربيعة قدير» رئيسة المؤتمر العالمي للأويجور أثناء زيارتها للعاصمة اليابانية «طوكيو» مؤخرًا أن نحو عشرة آلاف أو يجوري اختفوا في ليلة واحدة خلال الاضطرابات الدامية التي وقعت في «أورومتشي»، وتساءلت: «أين ذهبوا؟ وإذا كانوا قتلوا فأين جثثهم؟».

ودعت المناضلة الأويجورية المجتمع الدولي إلى إرسال بعثة مستقلة للتحقيق في المذابح التي شهدتها تركستان الشرقية قائلة: «إذا كانت الصين تقول: إن كل ما حدث يتحمل مسؤوليته الأويجور فلتفتح المنطقة ولتقل للجنة التحقيق ما حدث فعلًا».

إن الحديث عن تركستان الشرقية من منظور قضايا حقوق الإنسان أو بوصفهم کـ «أقلية مسلمة» في الصين يقودنا إلى خطأ فادح، وهو أننا بهذا نتناسى قضية شعب وتاريخ أمة. فلابد أن تكون هناك إستراتيجية أساسية لحماية هوية المسلمين الأويجور ولغتهم، والحفاظ على ثقافتهم الغنية للأجيال القادمة، ونشرها على مستوى العالم؛ حيث إن حماية اللغة والدين عنصر أساسي للتصدي للسياسات القمعية في أي مكان.

وستظل آية توقعات المستقبل المسلمين في تركستان الشرقية مجرد حبر على ورق ما لم يهتم العالم الإسلامي كافة بأمرهم!

الرابط المختصر :