; الابتزاز والتركيع.. سياسة أمريكا في المغرب العربي | مجلة المجتمع

العنوان الابتزاز والتركيع.. سياسة أمريكا في المغرب العربي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 28-أبريل-1987

مشاهدات 61

نشر في العدد 815

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 28-أبريل-1987

▪    تناقض الأنظمة التي تحكم المغرب العربي فتح لأمريكا ثغرة تنفذ من خلالها

▪    أمريكا تعتبر فك الروابط العربية هو المعيار الذي يقاس به مدى استسلام الأنظمة لها

الشمال الإفريقي في الاستراتيجية الأمريكية يضم كلاً من (مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا)، وترسم السياسة الأمريكية العليا فيه على أساس هذا الامتداد الجغرافي من قناة السويس إلى المحيط الأطلسي، غير أن الظروف التاريخية في القرن الماضي، وكون مصر كبرى دول المنطقة وأهمها كقوة إقليمية، أملت على الولايات المتحدة أن تبكر بالاهتمام بمصر لاختراقها والهيمنة عليها وجعلها منطقة نفوذ استراتيجية بالنسبة لها، وبعد أن اطمأنت إلى تحقيق أهدافها في مصر «بعد صراع مرير كانت آخر حلقاته حرب أكتوبر 1973» والذي تمثل بالخصوص في سياسة الانفتاح التي تبناها الرئيس المصري السابق السادات وفي معاهدة كامب ديفيد التي هيأت لها أمريكا وأشرفت عليها، بل كانت الطرف الرئيسي فيها.

بعد ذلك بدأ يظهر اهتمام الولايات المتحدة ببقية دول شمال إفريقيا- ما عدا المغرب الأقصى- الذي تربطها به من قبل علاقات وطيدة وقديمة، وبدأت تحرص على أن تلعب دورًا رئيسيًا في استقطاب المغرب العربي الكبير واستدراجه ليدور في فلكها، آملة أن تصبح كل المنطقة من المحيط الأطلسي إلى قناة السويس منطقة نفوذ أمريكية تخدم الاستراتيجيات الأمريكية في الاقتصاد والسياسة والحرب، ولعل هذا الاهتمام نابع كذلك من تخلي السياسة الأمريكية شيئًا فشيئًا عن مواقفها السابقة التي كانت تقضي باحترام مناطق النفوذ التقليدية لحليفاتها الأوروبيات، حيث لم تعد أمريكا تؤمن بما يسمى بمناطق النفوذ التقليدية، وحيث ظهرت على السطح الصراعات الاقتصادية وتضاءل العالم الذي لم يكن في يوم من الأيام أصغر مما هو عليه اليوم.

ولا شك أن اهتمام أمريكا المتزايد بالمغرب العربي يعود كذلك لأهمية هذه المنطقة الاستراتيجية، فهي لا تبعد سوى بضعة أمتار «من جهة المغرب الأقصى» عن أوروبا وهي تتحكم بأحد أهم المضائق العالمية وهو مضيق جبل طارق، ثم إنها تعتبر منطقة تقاطع بين ثلاث قارات هي إفريقيا بحكم كون المغرب العربي جزءًا من تلك القارة السمراء التي يحتدم الصراع على ثرواتها ومواردها الطبيعية وآسيا بحكم صلته الوثيقة بالشرق الأوسط وبالعالم الإسلامي عمومًا وأوروبا بحكم جواره لها وصلاته التاريخية معها وانفتاحه عليها.

وقد يبدو للوهلة الأولى أن عدم وجود وحدة سياسية في المغرب العربي الذي تتقاسمه أنظمة أقل ما يقال فيها إنها غير متجانسة لا يسهل تنفيذ السياسة الأمريكية، ولكن مجمل الأحداث الأخيرة في المنطقة برهنت على أن أمريكا تجد في تناقض الأنظمة التي تحكم المغرب العربي أفضل ثغرات لاختراقه وإشعال الحرائق فيه وتفجيره بعدما أجهزت على الشرق العربي بالحروب والصراعات التي لا يزال بعضها قائمًا حتى الآن واضعة في اعتبارها خصوصيات كل قطر من أقطاره ونوعية العلاقات التي تربطه بجيرانه، وعليه فإنه لا يمكن فهم السياسة الأمريكية في المغرب العربي إلا من خلال تعاملها مع الأنظمة القائمة فيه ومما يلاحظ أن الاهتمام الأمريكي قد انصب على المغرب وتونس في الستينيات وعلى الجزائر في السبعينيات وعلى ليبيا في الثمانينيات، وقد اجتمعت لدى الإدارة الأمريكية الآن الخيوط الرئيسية لوضع ترتيب شامل وموحد لمستقبل شمال إفريقيا العربي.

▪    موقع المغرب في الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة

مما يدل على عراقة العلاقات المغربية الأمريكية أن أول مبنى دبلوماسي للولايات المتحدة الأمريكية أقيم في طنجة منذ مئتي سنة وهو قنصليتها هناك، وقد احتفل البلدان في نوفمبر 1986 بمناسبة مرور قرنين من الزمن على صداقتهما المتميزة وبالرغم من الماضي الاستعماري الفرنسي وصداقة المغرب التقليدية مع فرنسا، فقد توطدت العلاقات المغربية الأمريكية على مر السنين ولم يعتريها أي ضعف حتى سنة 1984  تاريخ توقيع معاهدة وجدة بين المغرب وليبيا، وأهم عامل ساعد على تعزيز تلك العلاقات خيار النظام الملكي المغربي في الاندماج في الاستراتيجية الأمريكية والغربية عمومًا، وتمثل ذلك في معظم السياسات الإقليمية والعالمية التي تبناها النظام المغربي خلال فترة ما بعد الاستقلال، وأبرزها إرسال قوات مغربية لزائير حماية لنظام موبوتو الموالي للغرب والتمهيد لزيارة السادات للقدس سنة 1977، وإعطاء تسهيلات عسكرية للقوات الأمريكية ولا تزال تلك التسهيلات سارية المفعول حتى الآن.

وفي عام 1984 وقعت المغرب مع ليبيا اتفاقية وجدة التي تنص على إنشاء «الاتحاد العربي الإفريقي» ولم تدم هذه الاتفاقية سوى سنتين حيث انسحبت منهما المغرب في الصائفة الماضية إثر قمة إيفرن التي جمعت الملك الحسن الثاني ورئيس وزراء العدو الصهيوني آنذاك شمعون بيريز، وخلال هاتين السنتين من عمر الاتفاقية شهدت العلاقات المغربية الأمريكية أول أزمة حادة بين البلدين رغم مساعي المغرب لشرح الدواعي والظروف التي حدت به لتوقيع اتفاقية وجدة ومن مظاهر تلك الأزمة:

1- اعتذار الولايات المتحدة ثلاث مرات عن استقبال الملك الحسن الثاني في واشنطن والذي كان يريد أن يبين للإدارة الأمريكية شكلية ذلك «الاتحاد العربي الإفريقي» ومحدودية آثاره قياسًا مع علاقات المغرب المتينة مع أمريكا.

2- في عام 1985 فاجأت أمريكا المغرب بقرارها بالامتناع عن بيع القمح له مما تسبب في أزمة طحين بالبلاد.

3- هدد الكونجرس بقطع المعونات الاقتصادية والعسكرية، وهددت المؤسسات المالية الدولية والأمريكية قاسية منها المطالبة بتسديد ديون المغرب «14 مليار دولار» ورفض إعادة جدولة تلك الديون.

4- في نفس العام 1985 استقبلت الإدارة الأمريكية بحفاوة وترحاب منقطعي النظير الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد، وكانت تلك الزيارة أول زيارة لرئيس جزائري للولايات المتحدة الأمريكية.

5- هددت أمريكا بتغيير موقفها من نزاع الصحراء الغربية، وهذا الموقف يقوم حتى الآن على عدم الاعتراف الرسمي بمغربية الصحراء الغربية وعدم الاعتراف كذلك بالبوليساريو وبالجمهورية الصحراوية.

وفي الحقيقة كانت أمريكا تعرف أن اتفاقية وجدة بين المغرب وليبيا إنما هي اتفاقية ظرفية لا تندمج بأي حال من الأحوال ضمن خط السياسة المغربية، وإنما أرادت اغتنام الفرصة المتاحة لابتزاز المغرب أكثر.

وقد تم لها ذلك، وعندئذ عادت المياه إلى مجاريها بين البلدين، وتقررت زيارة الملك الحسن الثاني إلى الولايات المتحدة في العام الحالي 1987.

إن أمريكا تعتقد أن بقية دول المغرب العربي محاصرة الآن بين قلعتين من قلاعها: المغرب من أعلى ومصر من أسفل.

▪    أمريكا تفشل في إغراءاتها للجزائريين:

رغم اتجاهات الرئيس الجزائري السابق هواري بومدين اليسارية لم تكن العلاقات الجزائرية الأمريكية محدودة أو ثانوية، وقد تعززت تلك العلاقات في صمت بعد ظهور النفط والغاز الطبيعي في الجزائر في الستينيات بكميات كبيرة، مما استدعى الاستعانة بالتكنولوجيا الأمريكية لاستغلال الثروة الجديدة، وقد نشأ عن هذا الوضع وعن خطة بومدين بإنشاء قاعدة صناعية عريضة طبقة جديدة من التكنوقراطيين الأغنياء الذين توطدت علاقاتهم بالمؤسسات الأمريكية بحكم معاملاتهم التجارية معها، حتى لو كانت هذه المعاملات لا تتجاوز 30% من كل معاملات الجزائر مع الخارج، وبعد وفاة بومدين ومجيء الشاذلي بن جديد تمخض الصراع في الجزائر عن بروز تيارين: الأول يمثله أولئك التكنوقراطيين الذين ينادون بتعزيز العلاقات الجزائرية الأمريكية والتحالف معها، والثاني يمثله الفرنكوفونيون ويمثله ضباط عسكريون كبار، وفي وقت من الأوقات رجحت كفة التكنوقراطيين، وتوافق ذلك مع تأزم العلاقات الأمريكية المغربية، فدعي الرئيس بن جديد لزيارة واشنطن، وكانت الزيارة الأولى لرئيس جزائري للولايات المتحدة الأمريكية، وذلك في ربيع عام 1985، وقد فوجئ الجزائريون أثناء هذه الزيارة بعروض سخية جدًا لم تعرض على أحد من قبل تمثلت بالخصوص في عرض استثمار 20 مليار دولار في الجزائر، وهو رقم فلكي بكل المقاييس، وقد بدأ هذا العرض وكأنه مشروع مارشال خاص بالجزائر.

وأعربت الإدارة الأمريكية عن استعدادها لتلبية كل طلبات الجيش الجزائري حتى قبل أن يعرب الجزائريون عن رغبتهم في الحصول على أسلحة أمريكية، كما وعد الأمريكيون بتحويل الصحراء الجزائرية المشابهة لصحراء كاليفورنيا إلى جنة خضراء، ووعدت شركة جنرال موتورز الشهيرة بتبني الصناعة الجزائرية وترميمها وإقامة صناعات جديدة في البلاد، وإذا لم يذكر المقابل لهذه العروض السخية فقد كان واضحًا أن أمريكا تسعى لاختراق الجزائر التي ظلت بعيدة عن النفوذ الأمريكي المباشر في عهد بومدين، وكانت تريد بالخصوص اختراق بنية الجيش الجزائري من خلال تغيير سلاحه مثلما فعلت مع الجيش المصري، لكن سرعان ما ظهرت النيات الأمريكية على السطح، وتفطن الجزائريون لها، وأول الأحداث التي كشفت الأمريكيين على حقيقتهم وأخافت الجزائريين، الغارة الإسرائيلية على مقر منظمة التحرير الفلسطينية في تونس بدعم وتخطيط أمريكي، وفي خريف 1985 توترت العلاقات توترًا شديدًا بين ليبيا وتونس وسعت أمريكا إلى تأجيج الصراع بين البلدين والوصول به إلى حالة الحرب واعدة تونس بشتى المعونات العسكرية والمالية، حيث كانت أمريكا تبحث عن ذريعة للتدخل العسكري في المنطقة من أجل ضرب ليبيا، وقد تفطنت الجزائر للدور الأمريكي وفوتت عليه الفرصة بالتعاون مع التونسيين في تحقيق أهدافه الجهنمية.

وقد استاء الأمريكيون من الدور الجزائري وازداد استياؤهم عندما طلبوا من الجزائر فيما بعد بأن تسلمهم «أبا العباس» الذي خطط لعملية «أكيل لورو» فرفضت الجزائر ذلك، وقد كان الرد الأمريكي على رفض الجزائر تنفيذ طلبها باتهامها بطريقة غير مباشرة بحماية الإرهاب، بل عمد ريغان إلى إرسال رسالة توبيخ إلى القادة الجزائريين، وهكذا انتهى بسرعة شهر العسل الجزائري الأمريكي، ومما عجل بنهايته أيضًا غارة فاشلة على ميناء عنابة قامت بها البحرية الإسرائيلية بالتعاون الأكيد مع البحرية الأمريكية وتصدت لها البحرية الجزائرية وأوقعت بالمغيرين عدة إصابات وأسرت بعضهم، كما ذكرت مجلة الشراع.

وفضلت الجزائر أن يكون ردها على هذه الغارة بالصمت عنها وانتهى شهر العسل الأمريكي الجزائري وبقيت وعود استثمار عشرين مليار دولار في الجزائر مجرد وعود، ولم تحصل الجزائر على مليار واحد من تلك المليارات، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن العروض الأمريكية لم تكن سوى طعم وضع للجزائريين، وحتى لو نفذت تلك الوعود فلن تكن دون مقابل، والكل يعرف ماذا تطلب أمريكا كمقابل.

إلا أن هذا لا يعني انهيار الصداقة الأمريكية الجزائرية، فالتبادل التجاري ما زال يحتفظ بمستواه وما زالت أمريكا تراهن على التغييرات الاقتصادية في الجزائر معتقدة أن تلك التغييرات لا بد أن تصب في مصلحتها في النهاية حيث سيصبح الاقتصاد الجزائري في رأيها أكثر تبعية واعتمادًا على تكنولوجيا الغرب واقتصادياته.

▪    أمريكا تبحث عن توريط تونس في حرب مع ليبيا

بداية السبعينيات محطة رئيسية في تاريخ تونس الحديث، فقد قامت الثورة الليبية التي كانت أصداؤها مسموعة في تونس، كما بدأ النزاع الإقليمي بين الجزائر والمغرب والذي سيلقي بظلاله على الجارة تونس، وفي تلك الفترة لم تعد فرنسا تستجيب بالقدر الكافي لمتطلبات الاقتصاد التونسي النامي، فاضطر النظام التونسي للاعتماد على جهات أخرى لتأمين تلك المتطلبات وولى وجهه نحو المشرق العربي «السعودية والخليج» للحصول على الأموال، وكذلك أصبح يراهن اقتصاديًا على الأقل على الدور الأمريكي من خلال دعم البنوك الدولية، وفي هذه الفترة تنامت المعارضة التونسية وظهر شباب ينادي بالتخلص من التغريب والعودة إلى أصوله وجذوره العربية الإسلامية، وفي بداية السبعينيات جاء ريغان إلى الحكم حاملًا لواء سياسة خارجية هجومية جديدة، كل هذه العوامل جعلت تونس مرشحة لتكون قلب إعصار في الشمال الإفريقي.

والذين يبحثون عن قيام هذا الإعصار هم الأمريكيون: لقد حاولوا دفع تونس إلى حرب مع ليبيا بعد أن فشل السادات في القضاء على النظام الليبي عسكريًا، وقد استغلت أمريكا مرة حادثة قفصة سنة 1980 ومرة الخلاف الليبي التونسي في خريف 1985 لإشعال المنطقة، وعرضت على تونس دعمًا عسكريًا كبيرًا كما عرضت عليها إرسال طائرات أواكس أمريكية لمراقبة الحدود وحثتها بكل الطرق على الدخول في حرب ضد ليبيا حتى تتاح الفرصة لتدخل أمريكي مباشر، ولكن التونسيين ارتاعوا مما تطالبهم به أمريكا وفضلوا المراوغة والتحجج بعدة أعذار وقد ساعدتهم على ذلك الجزائر التي تفطنت للأهداف الأمريكية الشريرة، فلجأت أمريكا إلى الضغوط الاقتصادية والعسكرية، إذ امتنعت الإدارة الأمريكية عن تسليم كل المساعدة المالية والاقتصادية التي أقرها الكونجرس عام 1984 «لم تسلم إلى تونس من أصل 90 مليون دولار سوى 30 مليون دولار»، كما طالبت من خلال البنك العالمي- صندوق النقد الدولي- بتخفيض الدينار التونسي، «خفض آخر مرة في الصيف الماضي بنسبة 1%» وبرفع الدعم عن بعض المواد الاستهلاكية وتخفيض الأداءات الجمركية بشروط للحصول على قروض جديدة، أما الضغط العسكري فتمثل في دعم الطائرات العسكرية الإسرائيلية التي قصفت حمام الشط بتونس.

▪    أهداف أمريكا في المنطقة:

1- نزع الروح القومية العربية.

2- تكريس التجزئة وضرب أي توجه وحدوي.

3- زعزعة الاستقرار وإشعال الحرائق.

4- إثارة النزعات العرفية والعنصرية.

إن استقراء الأحداث في الشمال الإفريقي تؤكد وجود أهداف غربية مشبوهة من ضمنها نقل التمزق والتفتت الوطني من المشرق العربي إلى مغربه، فهذه قضية الصحراء الغربية قد أصبحت لعبة في يد الأطراف الأجنبية يستغلها كنواة لخلق كيانات هزيلة تعمل على التقسيم الجغرافي والديمغرافي للمغرب العربي.

اللافت للنظر، أن المغرب الأقصى رغم انخراطه في الاستراتيجية الغربية وتقديم نفسه على أنه قلعة الغرب المتقدمة «صرح مستشار الملك الحسن الثاني أحمد رضا قديرة مرة قائلًا: «إن المغرب عضو أساسي في التحالف الغربي بزعامة الولايات المتحدة، وقلعة متقدمة لهذا التحالف في منظمة إفريقيا والشرق الأوسط».

رغم ذلك لم يساعده الغرب في استكمال وحدته الترابية، إن في موريتانيا سابقًا أو في الصحراء الغربية فيما بعد، وفي سبتة ومليلة حاليًا، كما لم يساند هذا الغرب الطرف الآخر وهو الجزائر وراح يبتز الجارين نظرًا لحاجتهما للسلاح جاعلًا من مشكلة الصحراء قنبلة يمكن أن يفجرها في المنطقة إذا ما دعت حاجته إلى ذلك.

▪    خلق مشكلة بربر- عرب

تقول تقارير صحفية جاءت من الجزائر عام 1985 إن بحوزة السلطات الجزائرية معلومات أكيدة عن وجود عوامل خارجية في تجمعات  «الأمازيغ» وتحركاتهم في السنوات الأخيرة، ومشكلة  الأمازيغ موجودة كذلك بدرجة أقل حدة بالمغرب وليبيا، والأمازيغ هم السكان الأصليون لشمال إفريقيا قبل الفتح الإسلامي وليسوا أقل تمسكًا بوطنيتهم ودينهم الإسلامي، وقد ظهر منهم العديد من المناضلين الأبطال خلال العهد الاستعماري، لكن فرنسا عملت على تغذية النعرة العنصرية القبلية فيهم وعملت جهدها على خلق مشكلة  «أمازيغ- عرب» وقد لعبت القوى الغربية على هذا النعرة العنصرية لضرب الفئات بعضها ببعض، بل والأخطر من ذلك لنزع الروح العربية وحل الروابط القومية بين أبناء المغرب وأبناء المشرق وجاءت أمريكا لتواصل على النهج الفرنسي نفسه من هذه الناحية وتزيد عليه في إطار ما تهدف إليه من خلق دويلات ضعيفة متناحرة متنابذة بعيدة عن التوجه القومي العربي لتصبح شبيهة بدول أمريكا اللاتينية التي تتفق في اللغة وتختلف في كل شيء «هندوراس- السلفادور- كولومبيا» ولكن الخلاف بين التعامل الأمريكي والتعامل الفرنسي مع هذه المنطقة هو أن فرنسا تركت لهذه الدول هامشًا من الحرية في معالجة القضايا الوطنية والإقليمية في حين أن أمريكا لا تقبل بنصف صداقة وتريد ممن يقبل بصداقتها ومعوناتها أن يخضع بالكامل لاستراتيجيتها وألا يتخذ أي موقف من المواقف يتعارض مع سياستها تحت أي ظرف من الظروف أن أمريكا تريد أن تجري مياهها في كامل المنطقة دون عوائق صغيرة أو كبيرة، وإذا كانت ليبيا هي العائق الأكبر أمامها فإنها سعت وما زالت تسعى لإزالته، وفي هذا الإطار كان مخططها يهدف فيما لو نجحت غارتها على طرابلس في 15/ 4/ 86 إلى إنزال جنودها إلى ليبيا وتقسيمها إلى ثلاث دويلات على أسس جغرافية وقبلية مدروسة، ولكن لماذا تسعى أمريكا لزعزعة الاستقرار في بعض الدول الموالية لها مثل مصر وتونس والمغرب؟ ألا تخشى سقوط أنظمة تلك الدول الموالية لها؟

يبدو أن أمريكا قد جعلت ضمن أهدافها زعزعة الاستقرار ليس فقط في الدول المناوئة لها بل كذلك في الدول الموالية لها وذلك من أجل الابتزاز والتركيع الكامل لحلفائها، وكأنها تأكدت من تغلغلها بالقدر الكافي في مجتمعات تلك الدول وجيوشها واخترقتها بحيث لم تعد تخشى من انقلاب الوضع عليها بزوال رموز الأنظمة، وبالتالي لا يبقى أمام حكام تلك الدول التي تزعزع استقرارها سوى المزيد من التسليم لها والقبول بشروطها المهينة، ويدخل ضمن هذا التسليح بالنسبة لدول شمال إفريقيا الاعتراف بما يسمى «إسرائيل» وتطبيع العلاقات معها، إذ تعتبر أمريكا أن فك الروابط العربية وإقامة علاقات مع الكيان الصهيوني هو المعيار الذي يقاس به مدى استسلام الأنظمة لها والخضوع لاستراتيجيتها.

وتؤكد الوقائع أن إكراه المغرب على فتح الحوار مع الكيان الصهيوني بعد مصر ليس سببه أهمية المغرب من حيث الصراع العربي الإسرائيلي، إذ المغرب أبعد الدول العربية على التأثير في مجريات ذلك الصراع، بل اختبار مدى طواعية المغرب وولائه لأمريكا وانخراطه في استراتيجيتها بالكامل، ولقد مارست أمريكا من قبل نفس الأسلوب عندما ضغطت على النميري لتمرير فلاشا أثيوبيا إلى فلسطين العربية والإسلامية وتحويلها إلى حديقة أمامية لها ولأوروبا مثلما تحاول أن تجعل من دول أمريكا اللاتينية حديقة خلفية لها؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل