; الابتلاء في الدعوات | مجلة المجتمع

العنوان الابتلاء في الدعوات

الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 22-ديسمبر-1981

مشاهدات 97

نشر في العدد 553

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 22-ديسمبر-1981

لا يعرف المسلم قيمة دعوته، ولا يذوق حلاوة معتقده، إلا بعد أن تتعرض نفسه ومشاعره وجوارحه وأحاسيسه وغرائزه، للامتحان والابتلاء، فيثبت أو ينهزم، ينجح أو يرسب.

إن هذا الدين صلب في مقاومة الباطل وأهله، ومواجهة زيفهم ومبادئهم بالهدي الناصع، والحجة البينة، ولذا احتاج هذا الدين إلى نوع من الناس يستطيع أن يحمل ذلك الهدي الناصع ويدلي بالحجة البينة، فيؤخذ هذا الدين أو هذا الكتاب بقوة، بعد أن تتشربه نفسه وتعيشه جوارحه فيتحرك به وينطق به ...

• إن بلاء المسلم وصبره وثباته أمام الفتن، وهو الذي يجعل هذا الدين عزيزًا في نفس المسلم، وبقدر عزته يكون تمسكه به، كتمسك الإنسان بما يملكه يتفاوت بين الرخيص والثمين، وهذا الدين، من يطلبه يطلب الجنة وينجو بنفسه من عذاب النار، فهل لهذا المطلب أثمان يقدر بها؟

• وكل تلك الأفكار والمبادئ الرخيصة، بل وما يسمى بالعقائد الأرضية المبتكرة الهزيلة نجدها بلا ريب رخيصة في نفوس أصحابها، لا يتردد صاحبها من التخلي عنها إذا عارضت أهواءه ورغباته ومصالحه الخاصة، وهو إن تمسك بها رغم ذلك إنما يتمسك خوفًا أو طمعًا، خوفًا من عقوبة حزب الدولة في الخروج على فكرها ومبادئها، أو طمعًا في سنوح فرصة يقفز من خلالها على ظهور الآخرين لجني ما يقتات به ويتمتع به باسم ذلك المبدأ أو الحزب أو الدولة أو أيًا كان ...

• ولذا فإن الإسلام يتخطى هذه المصالح والرغائب في تربيته الإيمانية للمسلم، فيوضح له منذ ابتداء الطريق، أن عمله وجهده وبذله وعطاءه وبلاءه لله لا ينتظر من ورائه مغنمًا عاجلًا، أو مصلحة وقتية، وإنما أجره مدخر مؤجل عند الله وهو الجنة، وإن عجل الله له المغنم مادة أو رئاسة أو سيادة فإنما ذلك بتفضل من الله، وليس داخلًا في بيعته تبارك وتعالى.

• ومن هنا فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان واضحًا مع الصحابة رضوان الله عليهم من أول يوم لبيعتهم، فحينما اجتمع نقباء الأوس والخزرج ليلة العقبة، فقال عبد الله بن رواحة، يا رسول الله، اشترط لربك أو لنفسك ما شئت، فقال: «أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون من أنفسكم وأموالكم وأهليكم»، فقالوا: وما لنا -أي مقابل ذلك كله-؟ قال: «الجنة» وسكت، وأدرك الصحابة قيمة هذه الصفقة وأهميتها وأدركوا في ذاك الوقت ما سيؤدونه في سبيلها وما يبايعون عليه رسول الله صلي الله علية وسلم، أنهم إنما يبايعون على الموت ... ومن هنا قالوا بوعي وحرية اختيار، ربح البيع ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل، وبدؤوا صفحة المحن ... 

• ومن خلال الفتن والابتلاءات يكسب الأفراد عمليًا مفاهيم ومبادئ ما كانوا ليخلصوا إليها ويحصلوا عليها من قراءة مجلدات الكتب أو سماع الخطب والمحاضرات. إن كلمة واحدة في هذا الدين لها ميزانها، تحتاج إلى ترجمة عملية في داخل النفس والناس، فهذا الدين عقد بالقلب ثم قول وعمل، إن لم يكن عملًا وقولًا، فليس العلم وحده كافيًا في الترقي إلى مراتب الإيمان، وحيازة أعلاها.

ومن هنا فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يتعلمون القليل، لكنهم يتحملون في سبيله الكثير، فقليل يؤدون شكره خير من كثير لا يطيقونه، فكانوا يدركون أن انفصال القول عن الفعل يكلفهم الشيء الكثير، ويكلفهم ما لا يطيقونه، يكلفهم مقت الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف: 2-3).

• وطبيعي أنه ليس كل أحد يتعرض للبلاء والفتن، يحقق الثبات والنجاح ويقطف ثمار الصبر عمرانًا لقلبه، وحلاوة تعيشها جوارحه ومشاعره، بل قد يكون هذا البلاء نهاية سيرة، ومحطة وقوفه، وغاية أدائه، ومن هنا فإن هذا البلاء يتفاوت المنهزمون فيه، وهي نتيجة ما يتوخاه هذا الدين من ذلك الأسلوب التربوي، ونستطيع أن نعاين محصلة هذا الأسلوب فيما يأتي.

• إن هذا الابتلاء سيميز درجات المؤمنين ويعرف كل درجة في إطارين، داخل الصف المسلم أو خارجه، ومن هم في داخل الصف المسلم يتعاونون في درجاتهم، فليس ثباتهم واحدًا، وبالتالي فإن أماكنهم حسب ثباتهم وعطائهم، ومن رحمة الله أنه لا يطالب الناس إلا بما يطبقون، حتى الانهزام أمام الفتن قد يعذر المسلم فيه إذا لم يتعد الحدود التي حدها الله، ولم يقطع صلته بالله، بل أرى غاية ما يستطيع ووقف عند نفاذ عطائه، فهذا حسابه ومنزلته تخلت عن غيره، أما أولئك الذين ذابوا في بوتقة وساندوها وآزروها، ورضوا أن يكونوا في صفها، فإنهم موكولون إليها وقودًا لها، لا يمكن أن يقبلهم الصف المسلم في أي جنب من جنباته أو أي مرتبة من مراتبه، إنهم لا يحملون ما يحمله أولئك، فلا بد أن يتميز الصف، فإن كلمة الإيمان لا بد لها من شاهد ودليل وهو المرور عبر هذه الابتلاءات والفتن.

﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت: 1-3).

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (10) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ (العنكبوت: 10-11)، هؤلاء الذين كذبوا على الله فقد كذبوا على أنفسهم، وخسروا الدنيا والآخرة وأولئك الذين أظهروا خلاف ما أبطنوا، كشفهم الله بتلك المواقف والابتلاءات وعرفهم المجتمع المسلم، وحدد العلاقة معهم وعرف موقفهم منه.

 حتى ذلك الذي يحاول اللعب على الطرفين وجني المصلحتين، على حساب عقيدته ودينه يبيع به ويشتري، فإن أصاب ربحًا مع المؤمنين أنس لهم وتصدر مجالسهم، ونافح عن قضاياهم، وكأنه رأسهم، وإذا خسر مادة أو مصلحة في وقوفه في صف المؤمنين، انقلب عليهم، وسفههم، وأكثر الكلام عليهم، وساند أعداءهم، فهذا الآخر يكشفه للمؤمنين البلاء، ويعرفون حقيقة عبادته المصلحية المشرفة على السقوط والانحراف لأدنى هزة.

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ  يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ (الحج: 11-13).

* وإن هذا الابتلاء يكشف للمؤمنين حقيقة نفسه، فإن وقوف المسلم على حقيقة ذاته أمر غاية في الأهمية، فقد يتخيل إليه أنه شجاع مغوار، مكانه أوائل الصفوف الجهادية، فإذا هو عند الاختبار خوار جبان ... فيعرف حينئذ مكانه ووزنه، وفي أي الدرجات هو، وقد يتخيل أنه جواد كريم، لن يبخل بما في يده، فإذا نودي للبذل صعب عليه البذل وود لو لم يدعَ لهذا، وهكذا ... كل ميدان وما ينطلق، إنما يكشف الابتلاء للمسلم قدرته ومكانته، فإن وجد من نفسه مواكبة واستجابة تلقائية فليحمد الله، وإن رأى خلال ذلك، فإنه يحتاج إلى صقل ومران، فليحاول حسبما تقتضيه الظروف ومراحل الدعوة، ومع هذا كله فإن المسلم لا يتمنى هذا البلاء، ولكنه يروض نفسه إن جاء ليتبين فإن جاء تبين الظن من اليقين.

* وإن هذا البلاء محوره واحد وإن تعددت صوره، إن محور الصحة والمرض والشدة والرجاء والخير والشر، والجهاد والدعة، والبذل والإقتار، والسعي والقعود، أو الحركة والجمود وهذه المتقابلات كلها وجهان لعملة واحدة، وكلا الوجهين امتحان، ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾، وقد يكون ابتلاء الخير وما يماثله أشق من ابتلاء الشر وما يماثله، والمسلم يبتلى بالوجهين، والفائز من ثبت في الحالين، وهو حينئذ يتمحص قلبه، ويصفو معدنه ويتأهل لمراتب العلاء يرتادها وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ (آل عمران: 141) وهكذا يطلق القرآن الكريم التمحيص ليشمل كل مصر وعصر ما دام هناك من يقول آمنت بالله ربًا ...

وقبل هذا كله وبعده، فإن الابتلاء والفتن، ليس غاية لله -تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا-ولكنها سنة الله  في صنع الدعاة إلى دينه ونهجه ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت: 3) وإذا لم يتميز الصف المسلم الصادق ويتخفف من أثقال المنافقين والضعفاء والكاذبين، فإنه لا يحقق العبودية الخالصة وخلافة الله في أرضه، وهذا الابتلاء حينئذ لصالح المؤمنين أنفسهم ولصالح مجتمع الإسلام الخالص، وما بالله حاجة لعذاب أحبائه وعباده، ولكنها الأمانة الثقيلة والمهمة الجسيمة التي تحتاج إلى نوع من المؤمنين صلب العود والمراس، قوي الشكيمة وعزيز النفس فيه الرقة والشدة، فيه الروحانية العالية، والتواضع الجم، وفيه كل ما يحتاجه من رام الخلق العظيم.

وبداية الطريق إخلاص النية وتوطين النفس على طريق البلاء والفتن دون تمني ذلك، وما زال حديث النبي صلى الله عليه وسلم يشحذ همم الدعاة ويعلي قدرتهم إلى المرتبة العالية إلى المنزلة العجيبة منزلة المؤمن «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له».

الرابط المختصر :