; الاتحاد الروسي على طريق التفكك والانهيار | مجلة المجتمع

العنوان الاتحاد الروسي على طريق التفكك والانهيار

الكاتب عمر ديوب

تاريخ النشر الأحد 09-فبراير-1992

مشاهدات 53

نشر في العدد 988

نشر في الصفحة 32

الأحد 09-فبراير-1992

ترجمة عن مجلة تايم

يمكن وصف حالة الجيش السوفييتي في أعقاب تفكك الاتحاد السوفييتي بهيكل عظمي لديناصور طوى عليه الزمن، حيث يتبادر إلى ذهن كل من رآه السؤال الآتي: هل ستنهار هذه الكتلة العظمية على نفسها، أم هل ستدب فيها الحياة ثانية في يوم من الأيام؛ ليكسوها لحم ودم؟

وهذه التساؤلات جديرة بالطرح إذا عرفنا أنه عبر التاريخ الروسي قد ساعد الجيش على الحفاظ على الوحدة الوطنية؛ حيث كانت اهتمامات ونشاطات قادته مرتبطة بشكل وثيق بكل مؤسسات المجتمع الرئيسية جمعاء، وكما يحدث حاليًا؛ فإن كافة التغييرات السياسية قد واكبت اهتمام الإصلاحات داخل الجيش والبحرية، ومن ثم فإن أي تطور يحدث لأي مؤسسة عسكرية في أوراسيا خلال فترة ما بعد العهد السوفييتي من شأنه أن يكون له انعكاسات على عملية إعادة توزيع القوى بين الجمهوريات القديمة.

الكومنولث المجهض

وبغض النظر عما يدلي به الساسة، وما تنقله وسائل الإعلام عن قيام كومنولث للدول المستقلة فيما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي؛ فإن رابطة كهذه لم تر النور بعد على الرغم من إعلان قيامها، غير أنه في الوقت الذي شاهدنا فيه كومنولث مجهضًا؛ فإننا فوجئنا بولادة روسيا للمرة الثانية، وهذا المولود من شأنه أن يكون الخليفة الوحيد للاتحاد السوفييتي، ذلك أنه ورث معظم البنية التحتية للجيش إلى جانب المنشآت العسكرية والصناعية العديدة، فضلًا عن أنه يمثل أهم رموز الاتحاد السوفييتي سابقًا التي قد أكسبه مكانته الدولية بعد، وذلك بدءًا من مقعده لدى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إلى المركز النووي.

* هل ستغزو روسيا الجمهوريات الأخرى لإنشاء روسيا العظمى؟

الجيش الروسي

وهكذا فإن الجيش السوفييتي سيتحول إلى جيش روسي، بيد أن ذلك لن يتم بالطبع بين عشية وضحاها، ذلك أن هذا التحول سيسلك مجرى كل شيء آخر في هذا البلد؛ حيث إن الواقع الاقتصادي لا يساهم في تذليل العقبات، بل سيزيد من تعقيد الأمور، فقد كان الاتحاد القديم معتمدًا على المجندين إلزاميًا لتكوين جيشه، بينما تحث روسيا الجديدة الخطى نحو تكوين جيش مؤلف من جنود متطوعين، غير أن الإصلاحات الاقتصادية تتطلب تخفيضات شاملة في النفقات الحكومية، مما يعني أنه سيتم فرض قيود صعبة على الميزانية العسكرية، عندما يصبح الجيش مؤلفًا من متطوعين سيطالبون حتمًا برواتب أكثر بعكس المجندين، ولا غرو في أن ثمة من يحن إلى النظام العسكري القديم، وإلى المنشآت العسكرية والصناعية الكثيرة، والتي كانت تتلقى دعمًا كبيرًا من الدولة لكونها جزءًا لا يتجزأ منها.

وهناك مشكلة أخرى أكثر تعقيدًا، ألا وهي انتشار معظم الجيش في أنحاء الجمهوريات وبالتأكيد ستظل روسيا قوة عسكرية شبه عظمى في منطقة أوراسيا، مما يعني أنها سوف تبقي عددًا كبيرًا من جنودها خارج الحدود الروسية، مع الحفاظ على قدر من سيطرتها على قوات أكثر أعضاء الكومنولث استقلالًا، وقد وافق عدد من هذه الجمهوريات على بقاء وحدات الجيش الروسي على أراضيها تحت سيطرة روسية كاملة أو مشتركة.

ومن المستبعد أن يقوم هناك حلف أوراسي على غرار حلف الشمال الأطلسي «الناتو» كما يتوقع البعض، فمن الناحية النظرية فإن كل أعضاء الكومنولث متساوية غير أنه يبدو أنه ليس هناك تساوٍ بين روسيا وغيرها، وعلاوة على ذلك فإن أکبر وأقوى الجمهوريات غير الروسية ليست مهيأة لتحمل، ناهيك عن دفع ثمن وجود جيش روسي كبير بشكل دائم على أراضيها، وبالتالي سيتم تقليل عدد الجنود والمعدات في كبرى الجمهوريات غير الروسية، وذلك عن طريق إجراء مفاوضات للتوصل إلى إيجاد نظام أمني جديد.

وقد ينجم عن ذلك تحول روسيا من كونها القوة الوحيدة في الكومنولث إلى مركز يحتضن مجموعة دول وليدة لا تجمعها روابط وثيقة، وإذا حدث ذلك سيكون الجيش الروسي قويًا بما فيه الكفاية لضمان أمن روسيا وأمن شريكاتها في الكومنولث، ولكنه لن يتمكن من تشكيل أي تهديد لبقية العالم، كما أنه ليس بإمكان روسيا أن تبلغ ما وصل إليه الاتحاد السوفييتي من القوة في أوج الحرب الباردة، بالإضافة إلى أن مثل تلك القوة التي تطمح الوصول إليها- على الرغم من أن الغرب لا يتمنى ذلك- تتطلب مزيدًا من الوقت والمكانة الدولية.

التحدي الأوكراني

وفي الوقت الراهن فإن أوكرانيا مهتمة باستعادة ما تدعي أنه حقها في القوات المسلحة التي كانت تابعة للاتحاد السوفييتي القديم، ثم إن أوكرانيا هي العضو الوحيد من بين أعضاء الكومنولث القادر على تحدي السيطرة الروسية وزعزعتها.

ومع ذلك فمهما يقول زعماؤها اليوم، فإنها لا تملك موارد كافية تمكنها من تحويل البنية التحتية للجيش السوفييتي الكبير- الذي كان منتشرًا في الجزء الغربي من الاتحاد القديم- إلى نظام دفاعي لدولة مستقلة. والأهم من ذلك هو أن أوكرانيا لم تتلق أي تجاوب من جانب الغرب في هذا الصدد إذا ما حاولت الاحتفاظ بالجيش الكبير أو التحكم في أكبر جزء من أسطول البحر الأسود، غير أنها بحاجة إلى دعم سياسي ومساعدة اقتصادية من الغرب لتأكيد استقلالها عن موسكو، غير أن الغرب غير متحمس لفكرة ظهور قوة عسكرية جديدة في أوروبا.

وإذا أصرت أوكرانيا على محاولة وضع نفسها كند لروسيا فلن يحدث هناك نزاع خطير بين كييف وموسكو، ولكن قد ينشأ هناك توتر حاد في العلاقات بين الأوكرانيين والأقليات الروسية في أوكرانيا، وقد ينتهي الأمر إلى اندلاع حرب أهلية مثل التي تجتاح حاليًا يوغسلافيا.

النوازع التوسعية الروسية

إن حوالي ۳۰ مليون روسيًا يعيشون خارج الأراضي الروسية وكلما كانت الجمهوريات غير الروسية تكن عداوة لموسكو ولمطامعها العسكرية زادت رغبة هذه الأخيرة في التدخل في هذه الجمهوريات لإنقاذ المناطق الروسية المحصورة داخل أراضي هذه الجمهوريات، وربما أيضًا لإنشاء روسيا العظمى عن طريق الغزو.

وإلى الوقت الراهن فإن الرئيس بوريس يلتسين- وكثير من بقية قادة روسيا- لا يرغبون في القيام بدور يشابه دور الصرب في تأجيج نيران الفتنة المأساوية في يوغسلافيا، لما قاموا به من عمليات قمع ونشاطات توسعية، بيد أن التقاليد التوسعية الروسية القديمة لم تندثر بعد، وأن مسألة كبتها تحتاج إلى ضبط الأعصاب وبعد النظر، وكذلك التوصل إلى حل وسط من جانب الجمهوريات المجاورة.

الرابط المختصر :