; الاتحاد المغاربي .. بين الأزمة الحادة وفشل المبادرة الجزائرية | مجلة المجتمع

العنوان الاتحاد المغاربي .. بين الأزمة الحادة وفشل المبادرة الجزائرية

الكاتب مصطفي الخلفي

تاريخ النشر السبت 18-أغسطس-2001

مشاهدات 64

نشر في العدد 1464

نشر في الصفحة 34

السبت 18-أغسطس-2001

٥ منطلقات دعمت انطلاق الاتحاد أبرزها عودة العلاقات المغربية الجزائرية بعد قطيعة استمرت ١٤ سنة.. لكن عودة الاحتراب بين الطرفين عطل المشروع

  • سياسة المحاور الثنائية بين تونس والجزائر لمحاربة الإسلاميين تطورت إلى تنسيق المواقف إزاء المشاريع الأوروبية الأفريقية في المنطقة
  • الاستقطاب الفرنسي الأمريكي عبر التحكم السياسي والهيمنة الاقتصادية والضبط العسكري يحول دون تمكن الدول المغاربية من بناء وحدتها
  • محاولات تنشيط الاتحاد يعترضها الاختراق الأوروبي والصهيوني وتردي الأوضاع الأمنية في الجزائر والموقف المغربي السلبي

ما تزال قضية الأزمة المغاربية عصية على الفهم والتحليل، رغم تجدد المبادرات لإحياء الاتحاد المغاربي وآخرها المبادرة الجزائرية في مارس الماضي والتي تلفظ أنفاسها الأخيرة بسبب التطورات الحادة لأزمة النظام الجزائري والتي فرضت عليه الانكفاء لاحتواء الأزمة المتعددة الأبعاد من ناحية أولى وبسبب المبادرات المضادة مغربيًا ومتوسطيًا.

فمنذ الحصيلة الهزيلة لاجتماع مجلس وزراء خارجية اتحاد المغرب العربي (18-19/2/2001م)وإلى غاية انعقاد المنتدى المتوسطي 10-11/5/2001 م بطنجة والذي يضم ۱۱ دولة متوسطية وتتم فيه مدارسة قضايا الأمن والتعاون والاستثمارات مع الاتحاد الأوروبي في غياب تنسيق مسبق للدول العربية المشاركة أو على الأقل الدول المغاربية، وقبله الإعلان عن مشروع سوق عربية مشتركة تضم المغرب وتونس ومصر والأردن في ٧/5/2001 م والذي رفضت الجزائر الانخراط فيه، فضلًا عن فشل خطوة عقد اجتماع على هامش القمة العربية الأخيرة، وانطلاق حالة من السباق نحو التسلح بين دوله، نجد أن العنوان البارز هو الأزمة العميقة للاتحاد المغاربي وفشل المبادرة الجزائرية في إحيائه الأمر الذي أدخل المنطقة في مسلسل من المبادرات الانفرادية كان منها الخطوة الخيانية لموريتانيا بإقدامها على إرسال وزير خارجيتها إلى الكيان الصهيوني في ٢٢ مايو الماضي، متعللة في ذلك بانعدام الاهتمام العربي بمشاكلها وأزماتها الاقتصادية الحادة. 

من هنا يأتي التساؤل حول مستقبل هذا الاتحاد، ومدى إرادة أعضائه في السعي الحقيقي لتجاوز أزمته الهيكلية، والتي ليست إلا نموذجًا لأزمة الأنظمة الإقليمية العربية وهو ما يتطلب منا معالجة أبعاد وخلفيات الأزمة الهيكلية للاتحاد، وتحليل أسباب إخفاق المبادرة الجزائرية. 

خلفية عامة

استيعاب أبعاد الأزمة الراهنة في الاتحاد المغاربي، يتطلب الانطلاق من فهم الإطار التاريخي لتبلور الاتحاد المغاربي والعوامل السياسية والإقليمية والدولية المتحكمة في سير العلاقات المغاربية عمومًا.

لقد شكل تأسيس الاتحاد المغاربي في ١٧ فبراير ۱۹۸۷م خطوة نوعية في مسار الوحدة المغاربية، وعقدت أمال عدة على ذلك، أقلها إيقاف الاستنزاف المتبادل بين أطراف المجال المغاربي، خصوصًا وأنه جاء بعد معاناة شعوبه ودوله من سياسات المحاور الثنائية المتصارعة على الزعامة طيلة عقدي السبعينات والثمانينات. وجاء تبلور هذا المشروع إفرازًا لسلسلة تطورات نوعية في المنطقة، نجملها في خمس عناصر:

 أولًا: عودة العلاقات الديبلوماسية المغربية الجزائرية بعد قطيعة دامت ١٤ سنة وذلك على إثر لقاء 10/6/1988م بين الملك الراحل الحسن الثاني والرئيس الجزائري الأسبق الشاذلي بن

جديد وهذا التقارب أشر لتراخي قبضة المؤسسة العسكرية الجزائرية في توجيه السياسة الخارجية للجزائر.

 ثانيًا: التفاهم على تسوية نزاع الصحراء ضمن خطة استفتاء بإشراف أممي وجرى التفاوض على هذه الخطة طيلة ١٩٨٨م – ١٩٩٠م. 

ثالثًا: تراجع حدة الضغط الأجنبي على المنطقة الناجم عن التقاطب الدولي بين المعسكرين الشرقي والغربي بسبب بداية تفكك المعسكر الشرقي. 

رابعًا: بروز تحدي التكتل الأوربي في مواجهة دول الشمال الإفريقي. 

خامسًا: فشل سياسات المحاور الثنائية وخصوصًا بعد التجربة المرة المحور «المغرب- ليبيا» في مقابل محور «الجزائر  - تونس - موريتانيا»، والتي أدت الإضعاف كافة الأطراف. 

وقد استمرت هذه العناصر تحكم مسيرة الاتحاد المغاربي إلى غاية اللحظة، مع تغير في العنصر الثالث حيث استبدل عامل التقاطب الدولي شرق – غرب بالتقاطب الفرنسي الأمريكي، بحيث إن الوضعية العامة للاتحاد المغاربي تتغير كلما عرفت هذه العناصر تغيرات. ولهذا ستجد عند تحليلها كيف أن جمود الاتحاد كان نتاجا لتحول هذه العناصر إلى عناصر مضادة وسلبية في مشروع الوحدة المغاربية وهو ما سنبينه لاحقًا، وذلك بعد بسط حيثيات المشروع المغاربي. 

معاهدة مراكش التأسيسية

 بالعودة إلى معاهدة مراكش التأسيسية نجدها تنص على أهداف وحدوية من «قبيل تقوية العلاقات الأخوية الموجودة»، و«تحقيق التنمية» و«إقامة السلم المؤسس على العدل والمساواة». و «تبني سياسة موحدة في مختلف القطاعات وه التحقيق التدريجي لحرية تنقل الأشخاص والممتلكات والأموال». 

والنفس العام الذي حكم انطلاق المشروع المغاربي هو الدفع في مشروع وحدة اقتصادية تشكل أرضية الوحدة سياسية مستقبلية، إلا أن هذا المشروع سرعان ما اهتز بحدة عند أول امتحان له تعلق بسبل التعامل مع المد الإسلامي المتصاعد بالمنطقة منذ بداية التسعينيات، وذلك بعد اكتساح الجبهة الإسلامية للإنقاذ للانتخابات البلدية في الجزائر في يونيو ۱۹۹٠م، وبروز تباین حاد في مواقف الدول الأعضاء إزاء الانفتاح الجزائري على الإسلاميين أنذاك، وهو تباين نجم عن تخوف دول الجوار الجزائري من انتقال ما تسميه بـ «عدوى الخطر الإسلامي» ثم جاءت حرب الخليج الثانية لتضيف إسفينًا ثانياً في جدار الاتحاد المغاربي، ومنذ ذلك الحين تراكمت أسباب الأزمة التي انت لتجميد الاتحاد وتعطيل مشروعه خصوصًا بين ۱۹۹۲ م - ١٩٩٥م. 

الخلفيات العميقة لأزمة الاتحاد

إن الحصيلة الضعيفة للاجتماع الأخير المجلس وزراء خارجية الدول المغاربية من جهة وضعف احتمالات انعقاد القمة المغاربية – والتي كان من المفترض عقدها منذ ست سنوات – من جهة أخرى، هي نتاج طبيعي للأزمة العميقة الراهنة والتي تشهد عليها مظاهر متعددة أبرزها:

 – الاحتفالية والوعود العامة كما تبرز في كثرة الاتفاقيات المعلنة في غياب التزام كافة الأقطار بها فمن اصل ۳۷ اتفاقية اتحادية هناك خمس اتفاقيات فقط صدقت عليها جميع البلدان المغاربية وأقل الدول تصديقا على الاتفاقيات هي المغرب. 

–المشكل المالي كعائق أمام سير الاتحاد سواء على صعيد برمجة الأنشطة، أو سير الأمانة العامة، أو على صعيد عموم المؤسسات وهو ما كشفه تقرير الأمين العام للاتحاد بوضوح. 

  • تعثر انعقاد المؤسسات مثل مجلس الشورى الذي لم يتمكن بعد من عقد دورته الثالثة وهناك مؤسسات وردت في المعاهدة التأسيسية للاتحاد لم تر النور بعد كالمجلس القانوني والجامعة المغاربية وأكاديمية العلوم. 

– هلامية التنسيق السياسي وركونه للقضايا العامة من مثل تأييد ليبيا في قضية لوكربي والمطالبة بالرفع الفوري والتام للحظر المفروض عليها، وكذا من خلال الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني في نضاله من أجل إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس طبقا القرارات الشرعية الدولية، وهي المواقف التي استشهد بها التقرير السياسي للأمين العام للتدليل على التنسيق السياسي. 

–ضعف وتراجع وتدهور العلاقات الاقتصادية على علاتها ونأخذ كنموذج صارخ علاقات المغرب الاقتصادية مع الدول المغاربية حيث سجلت في السنوات الثلاث الماضية أقل من ٣ سواء على صعيد الواردات المغاربية للمغرب أو صادرات المغرب إليها: ففي سنة ۱۹۹۹م كانت نسبة الواردات المغاربية هي ٢% في مقابل ٦٠٫٥% نسبة واردات المغرب من دول الاتحاد الأوروبي وذلك من مجموع وارداته التي تقدر بـ ١٠ مليارات ونصف المليار دولار، وفي سنة ٢٠٠٠م كانت نسبة الواردات المغاربية هي ٢,٥% في مقابل ٥٧,٩% من دول الاتحاد الأوروبي، والملاحظة نفسها تصدق على الصادرات المغربية لدول المغرب العربي والتي احتلت نسبتي ٢٫٣% و ٢ % في سنتي ١٩٩٩م و  ٢٠٠٠م على التوالي هذا في الوقت الذي كانت صادرات المغرب لدول الاتحاد الأوروبي قد سجلت نسبتي ٧٢,٩% و 74،8% في سنتي ۱۹۹۹ م و ۲۰۰۰ م على التوالي من مجموع الصادرات المغربية للخارج والتي تقدر بما يناهز ثمانية مليارات دولار. 

وتكشف هذه الأرقام أن أزمة الاتحاد المغاربي حادة، وناتجة عن أسباب عميقة نجملها في: 

–انهيار الوضع الأمني الجزائري

– تأزم المسلسل الأممي لإجراء استفتاء بالصحراء المغربية، وهي أزمة تفجرت بحدة مع فشل عملية تحديد الهوية في نوفمبر ١٩٩٤م، وما تزال الأزمة مستمرة، مما أدى لاندلاع حرب دبلوماسية بين الأطراف يحمل فيها البعض مسؤولية الأزمة للآخر، ولم تستطع اتفاقيات هیوستن ۱۹۹۷ م معالجتها، كما أن طرح مشروع حل سياسي وسط القضية الصحراء ومعارضة الجزائر له ساهم في توتير العلاقة بين عموم أطراف النزاع. 

عودة الاحتراب المغربي – الجزائري، والذي جاء محصلة طبيعية للتطورات التي عرفها النظام السياسي الجزائري، واستفحال أزمة الاستفتاء بالصحراء، وقد ظهرت إرهاصات تجدد النزاع البارد بين البلدين وانعكاسه على مسيرة الاتحاد المغاربي في ربيع ١٩٩٤م عندما دعا وزير الخارجية المغربي عبد اللطيف الفيلالي أنداك، إلى وقفة مراجعة للاتحاد المغاربي بسبب مواقف الجزائر في قضية الصحراء، وجاءت أحداث فندق أطلس أسني بمراكش في أغسطس ١٩٩٤م، والتي تورط فيها فرنسيون من أصل جزائري قاموا بإدخال السلاح للمغرب بغية القيام بتفجيرات تقدم الدليل على إصابة المنطقة المغاربية ككل بعدوى العنف، وتدفع المغرب بالتالي للقبول بالمشاريع الإقليمية الرامية المواجهة الإسلاميين بدعم من دول جنوب أوروبا، إلا أن العكس هو الذي حصل حيث سارع المغرب في بیان رسمي (16/9/1994م) إلى اتهام الأمن العسكري الجزائري بالوقوف وراء مخطط لزعزعة استقرار المغرب، ما أدى إلى فرض التأشيرة على الجزائريين بما فيهم حاملو الجنسية الفرنسية، وإغلاق الحدود مع الجزائر وقد أصيف لذلك الموقف السلبي للجزائر إزاء تقرير المجلس الأمن حول قضية الصحراء في خريف ١٩٩٥م، وهوما اتخذه المغرب مبررا التوجيه رسالة رسمية للجزائر بصفتها تتحمل الرئاسة الدورية للاتحاد وذلك في ٢٠ نوفمبر ١٩٩٥م، يدعو فيها إلى إيقاف نشاطات ومؤسسات الاتحاد مؤقتًا. 

سياسة المحاور

–عادت سياسة المحاور الثنائية في المنطقة والتي ارتكزت على حاجة كل من تونس والجزائر التنسيق جهودهما في مواجهة الإسلاميين في البداية ليتطور الأمر فيما بعد إلى محاولة تنسيق المواقف إزاء المشاريع الأوروبية والأمريكية المطروحة على المنطقة. 

–إعادة هيكلة التنافس الدولي حول المنطقة ويروز الاستقطاب الفرنسي – الأمريكي عبر طرح عدة مشاريع لإدماجها في خطط التحكم السياسي والهيمنة الاقتصادية والضبط العسكري بما يحول دون تمكن الدول المغاربية من بناء وحدة حقيقية بينها، وتذكر هنا ثلاثة مشاريع كبرى برزت فيها هذه التوجهات بوضوح، حيث طرح مشروع الشراكة الأورو متوسطية المعروف بمسار برشلونة ١٩٩٦م، وعمل الاتحاد الأوربي على توقيع اتفاقيات شراكة ثنائية مع كل بلد مغاربي على حدة، وطرح بعد ذلك مشروع حلف الناتو المسمى بالشراكة من أجل السلام ١٩٩٥م والهادف الإدماج الدول المغاربية في مشروع أمني . عسكري يهدف إلى التحكم في المنطقة بما يضمن عدم تأثر دول جنوب أوروبا بالاضطرابات الاجتماعية والسياسية الشمال إفريقيا، ثم جاء المشروع الأمريكي المسمى بمبادرة إيزنستا للشراكة المغربية الأمريكية ١٩٩٨م. وهو مشروع يدعو إلى إقامة شراكة اقتصادية بين أمريكا وكل من المغرب والجزائر وتونس مع استثناء ليبيا وموريتانيا الأولى بدعوى قضية لوكيربي والثانية لوجودها ضمن مشروع أمريكي آخر للشراكة مع إفريقيا مع الإشارة إلى أن مشروع الناتو لم يستثن موريتانيا منه. ويمكن أن نضيف لهذه الحيثيات الهجوم الصهيوني التطبيعي بعد توقيع اتفاق أوسلو ۱۹۹۳م والذي تجلى في فتح مكتبي اتصال بكل من المغرب وتونس سنة ١٩٩٤م، وفتح سفارة صهيونية في موريتانيا ١٩٩٥م. 

تدخل الدول الكبرى

هذه التطورات أدت إلى تعميق الخلافات بين الدول المغاربية وبروز قوي الرغبة القوى الكبرى في التدخل والهيمنة وهوما يتعارض مع كل مشروع وحدوي. 

–وضعية الحصار المفروض على ليبيا والذي كشف مشاشة الاتحاد وضرب مصداقية الطروحات الوحدوية بسبب خضوع مواقف كافة الدول للموقف الأمريكي. 

مجمل هذه العناصر يفضي إلى اعتبار الأزمة ليست أزمة عادية أو عابرة بل هي أزمة هيكلية عميقة، وهوما يثير التساؤل حول قدرة الخطوة الجزائرية على تجاوز هذه الأسباب والرهانات التي حكمتها في ذلك. 

المبادرة الجزائرية

بعد مجيء بوتفليقة برز المسعى الجزائري لاستعادة المكانة التاريخية للجزائر في النشاط الديبلوماسي، خصوصًا بعد تسلمها رئاسة منظمة الوحدة الإفريقية ورحيل الملك الحسن الثاني الذي كان يمثل زعامة تاريخية ذات قدرات في مواجهة الفعالية الدبلوماسية الجزائرية وإفشال بعض مبادراتها، ولهذا سعت الجزائر إلى طرح مشروع إحياء الاتحاد المغاربي وإنضاج الظروف تدريجيًا لذلك وأثمر انعقاد اجتماع مجلس وزراء خارجية الاتحاد، فكيف نفسر هذا التطور رغم أن الأزمة من حيث مسبباتها العميقة ما تزال قائمة. 

لتفسير ذلك يمكن العودة إلى عدة حيثيات: 

–تبلور رضی فرنسي ظاهري على هذه الخطوة، والتي تم وضع لمساتها على هامش القمة الفرنسية – الإفريقية بياوندي في أواسط يناير ۲۰۰۱ والتي حضرتها الجزائر لأول مرة بعد أن قاطعتها منذ بداية السبعينيات. – تزامن ذلك مع فترة الانتقال الرئاسي الأمريكي والضعف الذي اعترى مبادرة إيزنستات للشراكة المغاربية – الأمريكية باعتبارها مبادرة خاصة بالإدارة الأمريكية السابقة ويضاف لذلك ارتفاع حدة النقد المسار برشلونة. 

  • بروز تفاهم ليبي جزائري بعد الدعم الذي قدمته الجزائر للمبادرة الليبية المتعلقة بالاتحاد الإفريقي التي أعلن عنها في إطار القمة الإفريقية الاستثنائية «سرت ٢»وهو تفاهم كان من اثاره حضور البوليزاريو في قمة سوت الثانية. 
  • تطورات الوضعية الداخلية للجزائر والتي ما زالت تتسم بالعجز عن حسم الأزمة الأمنية ما فرض الحاجة لخلق عامل موحد للنظام الجزائري وهو ما يجسده بامتياز القدرة على إحياء الاتحاد المغاربي برعامة جزائرية. 
  • ويضاف لذلك التغيرات الحاصلة في المشهد المغاربي لاسيما بعد وفاة الملك المغربي الحسن الثاني ثم الاتجاه نحو تخفيف الحصار على ليبيا ما قلص من المواقع التي تقف في وجه الرغبة الجزائرية في استثمار إحياء الاتحاد لصالح مشروع الزعامة المغاربية لها، وما عزر من هذا المعطى: هو سباق التسلح الذي انخرطت فيه الجزائر من السنة الماضية عندما أقدمت على اقتناء أسلحة بريطانية بتغطية قطرية بقيمة ٧٥ مليار دولار، ثم تلتها هذه السنة الصفقة العسكرية الضخمة من روسيا بقيمة ٢.٥ مليار دولار أثناء زيارة بوتفليقة لروسيا في أبريل الماضي.

محاولة اعادة إحياء الاتحاد

وقد مهدت الجزائر لمبادرتها بعدة مواقف ابرزها ما أعلن في افتتاح الندوة المتوسطية – الأوروبية التي انعقدت بالجزائر في ١٠ مارس الماضي حيث عبر بوتفليقة، عن استعداد الجزائر التام لاتخاذ المبادرات المناسبة لإعادة إحياء اتحاد المغرب العربي. 

الخلفيات المثارة أنفا نستشفها من متابعة تصريحات المسؤولين الجزائريين تجاه المغرب وقضاياه، حيث لا تجد البتة موقفًا يدعو لتجاوز الخلافات الظرفية، بل بالعكس، هناك الحفر في الماضي لإحياء هذه الخلافات «انظر مثلا كلمة وزير المجاهدين الجزائريين في الذكرى ٢٥ لتأسيس البوليزاريو»، وهو ما يجعلنا ترجح وجود سياسة جزائرية تهدف لتطويق المغرب مغاربياً ابتدأت بدفعه لاتخاذ موقف سلبي من اجتماع وزراء الخارجية ثم تواصلت بشكل غير مباشر في القمة العربية الأخيرة بعمان عندما تمكنت الجزائر من تمرير توصية تقضي بعقد اجتماع اللجنة الدائمة للتعاون العربي الإفريقي وهي اللجنة التي لم تجتمع منذ ١٩٨٥م بسبب انسحاب المغرب من منظمة الوحدة الإفريقية بعد. اعتراف هذه الأخيرة بجمهورية البوليزاريو، وقد تحفظ المغرب على هذا القرار الداعي الاجتماع اللجنة لكونه يشكل مدخلا لاعتراف عربي بالبوليزاريو وهو ما سبق أن تعامل معه المغرب بصرامة مهددا بالانسحاب من الجامعة العربية كما كان هناك رهان جزائري لعقد القمة المغاربية قبل نهاية السنة الجارية، وشكل اجتماع مجلس وزراء الخارجية المغاربيين في مارس . اذار ۲۰۰۱م الخطوة الأولى في هذا المسار خصوصًا بعد أن أعلنت الجزائر عن دعوتها إلى تليين مسار اتخاذ القرار في الاتحاد وأنه من الأفضل المبادرة «تدريجيًا» إلى اتخاذ القرارات داخل الاتحاد بمبدأ الأغلبية وليس بالإجماع. 

الموقف المغربي السلبي ودلالاته

الواضح أن قرار المغرب بالمشاركة المحدودة في مجلس وزراء خارجية دول المغرب العربي تمثل وسيلة لقطع الطريق على اتهامه بعرقلة الوحدة المغاربية خصوصًا في ظل مشاركة بقية دول الاتحاد في الاجتماع، إلا أنه في الوقت نفسه يحمل أكثر من دلالة بالنسبة للسياسة المغاربية للمغرب، والتي يظهر أنها تعبت من تحمل حالة الارتباك الحاصلة في الموقف الجزائري من المغرب وعدم استقراره على خط محدد وواضح فبرغم الزيارات المستمرة للمسؤولين من البلدين، فإن الواقع يكشف وجود ما يشبه حربًا باردة بينهما، تعصف بنتائج أي اجتماع ثنائي وتعيد العلاقات إلى حالة الصفر..

تبدد أمال تجاوز الأزمة

مرت أربعة أشهر على المبادرة الجزائرية ونستطيع الآن تقويم حصيلتها ومدى قدرتها على استعادة قوة المشروع المغاربي. 

بمتابعة مجمل التطورات التي تتالت طيلة الأشهر الماضية نخلص إلى أن المسار العام يسير في اتجاه تعميق الأزمة المغاربية وإجهاض المبادرة الجزائرية وهو ما تؤكده أربع عناصر:

–الخطوة المغربية في طرح مشروع سوق عربية مشتركة تتكون من مصر والأردن وتونس إضافة إلى المغرب والتي تؤدي إلى إدماج مصر في المجال الإقليمي المغاربي مما يخلق معادلًا للقوة الجزائرية فيه، وقد صدر إعلان أكادير الخاص بالسوق في مايوالماضي، كما ارتكز الموقف المغربي على ضرورة الضغط على الجزائر لدفعها إلى تليين موقفها من مشروع التسوية السياسية لقضية الصحراء، لاسيما وأن الجزائر ذهبت بعيدا في دعمها للبوليزاريو بإقدامها على فرض الجمهورية الصحراوية في الاتحاد الإفريقي الذي ترعاه ليبيا، حيث تم الضغط على هذه الأخيرة لقبول عضوية البوليزاريو وهو ما ثم في ٢٦ مايو الماضي بعد أن صادقت ٣٦ دولة إفريقية على الميثاق التأسيسي للاتحاد وقد أدى هذا إلى توتر حفي في علاقات المغرب بليبيا.

– نجاح الاتحاد الأوروبي في عقد المنتدى المتوسطي ١٠-١١ مايو الماضي رغم اشتداد النقد المسلسل الشراكة المتوسطية والمسمى بار برشلونة للشراكة الأوروبية المتوسطية والذي يضم ۲۷ دولة« ١٥   دولة أوربية و ١٣ دولة متوسطية ضمنها الكيان الصهيوني ، ١٩٩٥م» وهو ما أدى لتعميق الشرح المغاربي، حيث ترتبط كل دولة مغاربية على حدة بالخيار الأوروبي والمتمثل في إقامة منطقة للتبادل الحر في الفضاء الأوروبي المتوسطي في سنة ٢٠١٠م، وهذا الارتهان بمشروع أوروبي وحدوي هو أول ما يكرس حسابات دولة التجزئة، فالاتحاد الأوروبي يتعامل مع الدول العربية بمنطق انفرادي يتم فيه توقيع اتفاقيات الشراكة بشكل منفرد مع كل دولة على حدة وبمعزل عن الإطارات الإقليمية الموجودة كما أن مسار برشلونة منذ إنشائه في (١٩٩٥م) يعيش أزمة عميقة، بالرغم من الإمكانات المالية والموارد البشرية والأجهزة المؤسساتية الموجودة، وقبل هذا وذلك فإن الاتحاد الأوروبي يفتقد السياسة خارجية واضحة كما برز في تقرير المفوض الأوروبي للأمن والسياسية الخارجية خافيير سولانا والمقدم في نهاية سنة ٢٠٠٠ م إلى المجلس الأوروبي، حيث ورد في التقرير «أن استراتيجية الاتحاد الأوروبي للسياسة الخارجية تفتقر للصدقية والمرونة، وستتسع الفجوة بين قلة نجاح هذه السياسة والآمال المعقودة عليها إذا استمر هذا الوضع بمرور الوقت»، ولعل هذا ما يفسر تردد بعض الدول في توقيع اتفاقيات شراكة مع الاتحاد الأوروبي كالجزائر، كما يفسر أيضًا اتجاه بعض الدول للانخراط في مشاريع شراكة أخرى كالشراكة المغاربية . الأمريكية المعروفة بمبادرة إيزنستات، والتي هي الأخرى تعيش حالة مراوحة وضعف. 

–الاختراق الصهيوني للمنطقة بعد التمكن من استدراج النظام الموريتاني الإرسال وزير خارجيته إلى العدو الصهيوني، وكان من المنتظر صدور موقف مغاربي موحد صدها خصوصا وان قرار لجنة المتابعة العربية كان صارمًا في اتجاه قطع كل الاتصالات مع الكيان الصهيوني إلا أن العكس هو ما حصل فقد تم استقبال نفس الوزير الموريتاني من طرف كل من العامل المغربي في ٦يونيو الماضي وبعده الرئيس التونسي، أما الجزائر فلم يصدر عنها أي موقف قوي كما حصل عند تبادل السفراء بين موريتانيا والعدو الصهيوني في خريف ١٩٩٩م. 

تطورات الأزمة الداخلية الجزائرية

انهكت الأزمة النظام الجزائري وطرحت عليه تحديات جديدة لم تكن مطروحة عنده بنفس الحدة في السابق، حيث إن الأزمة القبلية استهدفت أسس النظام القائم، كما دفعت في كهربة العلاقة بين الجزائر وفرنسا بعد تلميح بوتفليقة لها بالضلوع في الأحداث، فضلا عن اتخاذ الاتحاد الأوروبي لذلك ذريعة للتدخل من جديد في الشأن الجزائري الداخلي كلها تطورات تدفع الجزائر لتركيز جهودها على الواجهة الداخلية، خصوصا وأنها حاولت اللعب على النجاحات الخارجية لامتصاص الأزمة الداخلية، إلا أن هذه الأخيرة تجاوزت حدود الضبط مما حتم توجيه الجهود المرصودة للعمل الخارجي إلى الداخل. 

تبعا لما سبق، يمكن القول إن المبادرة الجزائرية اعترضها الموقف المغربي السلبي وأعاق تطورها الاختراق الأوروبي وبعده الصهيوني عبر موريتانيا، لتنضاف الأزمة القبائلية الجزائرية وتؤدي إلى انسداد افاق المبادرة الجزائرية في إحياء الاتحاد المغاربي ولهذا أصبح من المستبعد عقد الدورة ال١٩ المجلس وزراء الشؤون الخارجية لاتحاد المغرب العربي المبرمجة بعد الصيف الحالي. 

إن مستقبل الاتحاد المغاربي رهين بتجاوز التوتر الحاد بين كل من المغرب والجزائر من جهة أولى وبلورة حصانة مغاربية تجاه القوى الأجنبية من جهة ثانية، وأخيرًا ضبط للموقف الموريتاني، والذي ما يزال يعيش حالة جذب بين كل من المغرب والجزائر ويمكن في آخر لحظة أن ترجح كفة هذا الطرف أوذاك .

الرابط المختصر :