; الاحتفال بالهزائم.. والقابلية للاستعمار | مجلة المجتمع

العنوان الاحتفال بالهزائم.. والقابلية للاستعمار

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 28-أبريل-1998

مشاهدات 74

نشر في العدد 1297

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 28-أبريل-1998

الاحتفال بالهزائم كارثة جديدة من كوارث الأمة التي تتعرض لها اليوم، فلم يكتف دعاة الضياع بهزائم الأمة الحربية والقومية والاقتصادية والعلمية والتكنولوجية والاجتماعية، فعزموا على أن يستكملوا تلك الهزائم، ويستفرغوا قاموس الانكسار القومي بالهزيمة النفسية للأمة، وبالتدمير الشعوري لعزائم الشعوب المسلمة، حتى لا تقوم للأمة قائمة، أو ينتصب لجسدها عود، أو ترفع لبنيتها رأس.
ومعروف أن هزيمة الجيوش تسهل أمام الهزيمة النفسية والروحية للأمم، واحتلال الجيوش المعادية للأرض يسهل أمام احتلال الإرادات والعزائم، وظاهرة التخاذل العربي اليوم لم يكن سببها الأساسي ضعف الإمكانات أو نقص العدد والعدة، بقدر ما كان المرض وخبل وضياع في النفوس، وعجز في الإرادات، ووهن في العزائم، وكان لا بد للمصلحين في الأمة من أن يلتفتوا إلى هذا الخلل فيصلحوه، ويعملوا على برئه فيداووه بالعقيدة المكينة، والعزيمة الصادقة، والنفوس القوية، فالعقيدة المكينة معين لا ينضب للنشاط الموصول، والحماسة المذخورة، واحتمال الصعاب، ومواجهة الأخطار، بل هي سائق حثيث يدفع إلى المجد وإلى لقاء العقبات دون تهيب، إن لم يكن لقاء البطل المشتاق إلى الموت في سبيل هدفه.
وتلك طبيعة العزائم الفتية التي تضفي على صاحبها قوة تنطبع في سلوكه كله، فإذا تكلم كان واثقًا من قوله، وإذا فعل كان راسخًا في عمله، وإذا اتجه كان واضحًا في هدفه، وما دام مطمئنًا إلى الفكرة التي تملأ عقله، وإلى العاطفة التي تعمر قلبه، فقلما يعرف التردد سبيلًا إلى نفسه، وقلما تزحزحه العواصف العاتية عن موقفه، لأنه ينطلق من إيمانه وذاتيته وعزيمته وتعاليمه، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا يكن أحدكم إمعة، يقول أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساءوا أسات، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم».
وأعداء الإسلام اليوم يعلمون أن المسلمين عندهم من القوة الروحية والنفسية والعقدية ما يدفعهم إلى تجاوز انهزاماتهم التي أزكمت الأنوف، وقطعت نياط القلوب، وأصابت الأمة بالوهن، ولا ينقصهم إلا أن يتصلوا بمجدهم، ويستلهموا رسالتهم، ولهذا اجتهد هؤلاء الأعداء وبكل قوة وبأي أسلوب أن يحولوا بين الأمة وبين اتصالها بهذا المجد أو استلهامها لهذه الرسالة الخالدة رسالة الإسلام، فعملوا من زمن على تغريبها، وتهميش حضارتها، ومحو ذاكرتها، وذم تراثها الثقافي والحضاري، واعتبار النموذج الحضاري الثقافي الأوروبي المعاصر بشكله الحاضر البديل الذي يجب أن يسود المجتمع المسلم، وانطلاقًا من هذا يجب أن يعمل دعاة التغريب على تزيين الوجه الاستعماري البغيض بالألوان والمساحيق حتى يظهر إبليس والشياطين من حوله بصورة مقبولة، إذا لم يستطيعوا أن تكون مغرية، وأن يعملوا على تبرير كوارثه وأفعاله الفاضحة، وتجميلها إن أمكن، وإضفاء الروح الملائكية عليها إن استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.
واليوم يوعز الاستعمار إلى تلامذته الذين أفسد فطرتهم، وبدل سحنتهم أن يقوموا بالدور المطلوب بسلخ الأمة من تاريخها واعتزازاتها وحضارتها، وجرها إلى تبعية المستعمر لتكون ذيلًا له، وتابعًا لتراثه، وخادمًا ذليلًا لتوجهاته.
ولكن كان دور صعاليك الاستعمار في هذه المرة، وتلك الحقبة، كئيبًا حقًّا، ومفضوحًا بما لا يدع مجالًا للشك، وغير مسبوق في سوق العمالات والنخاسات، ومجللًا بزخم من العار لم يسبق له مثيل، إذ طلع علينا هؤلاء الشراذم بفكرة الاحتفال بالغزو الفرنسي لمصر، الذي قاده القائد الدموي نابليون بونابرت، الذي فعل بالأمة المصرية ما تقشعر له الأبدان، حتى قتل في هذه الغزوة اللعينة على يد الفرنسيين سدس الشعب المصري، ودخلت خيوله الأزهر الشريف، وثار ضده الشعب المصري كله، بما فيهم العميان في الأزهر الشريف، وتكونت مقاومة ضد الغزو الفرنسي كانت مفخرة للمصريين، استطاعت هذه المقاومة أن تجبر نابليون على الفرار، وترك قائده كليبر ليلاقي قدره المحتوم قتلًا في مصر.
لقد جاء نابليون إلى مصر، لا ليحضِّرها كما يدعي هؤلاء العملاء، ولكن ليستعمرها ويزحف بعدها على القدس ويحقق حلم أجداده الصليبيين الذين طردهم صلاح الدين، وهزمهم من بعده الصالح أيوب: وأسر ملكهم لويس التاسع في المنصورة، وجاء نابليون إلى مصر لتمزيقها وإقرار المشروع الصهيوني في الشرق الأوسط.
فنابليون كان الرائد الصهيوني الحديث، الذي وظفت الصهيونية أفكاره هذه الأيام، وأقامت دولتها الصهيونية على منواله، فهل تشك معي في أن أتباع نابليون اليوم هم دعاة إسرائيل في أمتنا العربية، وإن لم تظهر عليهم تلك الأعراض واضحة جلية هذي الأيام؟ وقد لا يكون قد حان وقتها بعد، والذي يحير الفكر في عمل هؤلاء الناس وفي احتفالاتهم بالمستعمرين في هذا الوقت بالذات، ونحن مهزومون نفسيًّا وعمليًّا وحركيًّا، ويدعونا إلى التساؤل: لحساب من هذا؟ ومن الذي يقف وراءه من السلطات؟ وما الذي يُراد بالأمة وبشبابها من تمجيد المستعمرين وأفعالهم الذميمة؟.
وهل يأتي يوم فيحتفل الفلسطينيون باحتلال اليهود لأرضهم وديارهم، ويحتفل البوسنيون بتقتيل الصرب لهم، وبفضح أعراضهم وتشريدهم من ديارهم؟ وهل نحن جنس فريد في الأمم انقلبت سحنتنا، وفسدت أذواقنا، وغسلت أدمغتنا، وتغيرت طبيعتنا، وصرنا نرى المنكر معروفًا، والمعروف منكرًا؟ وماذا يقول العالم عنا؟ وإلى أي مدى ينظر إلينا الناس؟ وماذا نقول للأجيال الصاعدة؟ وهل ستظل تتحكم فينا وفي الأمة هذه الحفنة الشاذة؟ وهل سنظل نساق سوق الشياه؟ وهل ستظل تلك القابلية للاستعمار في دماء البعض طويلًا؟ وهل سيستمر هذا الحال أبدًا؟ أم أن دوام الحال من المحال، وبعدها ينجلي الليل ويشرق الإصباح، وتنكسر القيود، ويتعانق الآباء والأحفاد، ويجيء الحق ويزهق الباطل، ويفرح المؤمنون بنصر الله؟.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

298

الثلاثاء 31-مارس-1970

مشاريع كثيرة، ولكن !!

نشر في العدد 1

1113

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان