العنوان المجتمع التربوي (1070)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 12-أكتوبر-1993
مشاهدات 73
نشر في العدد 1070
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 12-أكتوبر-1993
وقفة تربوية: الإحساس بنعم الله
تعالى
«مر عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- برجل مبتلى
أجذم، أعمى، أصم، أبكم، فقال لمن معه: هل ترون في هذا من نعم الله شيئًا؟
قالوا: لا.
قال: بلى، ألا ترون يبول فلا يعتصر، ولا
يتلوى، يخرج به بوله سهلاً فهذه نعمة من الله» (حياة الصحابة 2/666).
عندما تزداد المصائب على البعض منا، ابتلاءً
من الله تعالى، تضيق الدنيا بعينه، ويظن أنه أكثر الناس بلاءً، ولو أنه نظر قريبًا
منه بتمعن إيماني لأذهله جبال النعم التي حرم منها الكثيرون وأعطيت له، ولكن صدق
الله تعالى عندما قال: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (سبأ: 13). فمن
أصابه الله في الرزق، ونقص في الأموال وهو بلا شك بلاء عظيم، ولكنه لو نظر إلى
نفسه، ورأى معافاة الله له من الأمراض الخطيرة، ومعافاة الله له من الأمراض
الجنسية القاتلة، ومن المخدرات التي إن سلك الإنسان فيها طريقًا تحول إلى كتلة
لحمية لا تعرف من أمر نفسها شيئًا؛ تنام على إبرة وتصحو على إبرة، وهذه حياتها
كلها. ولو أننا اتبعنا منهج عمر -رضي الله عنه- بالإحساس بالنعم التي حولنا لخف
علينا وقع المصائب.
أبو
بلال
الارتباط بالإسلام لا بالأشخاص
قد يتساءل الكثير منا: لماذا لم يلتفت القرآن
الكريم إلى الاهتمام بتحديد معالم الشخصيات الواردة في آياته من قصص وحكم وأخبار
وأمثال؟ فهو بشكل عام لم يتطرق مثلاً لنوع الشجرة التي أكل منها آدم، ولا لاسم
إبليس، ولا أسماء الفراعنة، ولا حتى اسم مؤمن آل فرعون، ولا أصحاب القرية، ولا
أسماء الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، ولا أسماء المنافقين.. إلخ. وتأتي الإجابة ناصعة
واضحة في كونه -سبحانه وتعالى- أراد أن يربطنا مباشرة بالهدف الأعلى من ذلك كله
والأنفع لأنفسنا والأنجح لحل قضايانا ومشاكلنا؛ وهو الارتباط بهذا الدين وحبه
والدفاع عنه والعمل من أجله والاستفادة من دروسه وعبره ومواعظه، وأما الأسماء
والأشخاص فتزول وتبدل ومعرفتها قد لا تفيد.
إن الذين يربطون أنفسهم حين يلتزمون بهذا
الدين بالتزام أحد من الناس لسمعته ووجاهته أو حتى لعلمه وفضله ودعوته وبلائه،
ينشطون حين ينشط، ويفترون حين يفتر، ويتساقطون حين يتساقط؛ لا شك أنهم ارتبطوا
بالأسماء والأشخاص، ولم يرتبطوا بالإسلام الارتباط الصحيح الوثيق، وهم مخطئون وعلى
خطر عظيم إن لم يتداركهم الله برحمة منه وفضل وعلم وفهم. ولقد تناول القرآن العظيم
هذه القضية بشكل خاص في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ
خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرَّسُلُۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ
أَعْقَابِكُمْۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًاۗ
وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (آل عمران: 144).
فالله جل شأنه يعيب في هذه الآية على أولئك
الذين فكروا أن يتخلوا عن هذا الدين وينكصوا عنه وينهوا علاقتهم به بسبب وفاة
الرسول -صلى الله عليه وسلم- عندما أشيع قتله في غزوة أحد بين الصفوف، ولفت
أنظارهم وذكرهم بأن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- ما هو إلا رسول قد خلت من قبله
الرسل؛ ففكرة الإسلام ليست وليدة اليوم، فهي قديمة وضاربة في جذور الزمن، وتعاقب
عليها أنبياء كرام ودعاة صالحون. هذا مع عظم ما لهذا النبي الخاتم من الفضل على
سائر الخلق، وما له من الحب في النفوس المسلمة. ولقد وعى تلميذ مدرسة النبوة هذا
الدرس العظيم، فهذا الصحابي الجليل أنس بن النضر في المعركة عندما قام وحمل سيفه
وقال: «إن كان محمد قد مات فما تصنعون بالحياة من بعده؟ فقوموا فموتوا على ما مات
عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم»، فهو يستحثهم ليكملوا المشوار الدعوي والجهادي
الذي بدأه وحدد معالمه -صلى الله عليه وسلم-. أما الجلوس والخنوع وترك الجهاد بسبب
وفاة القائد أو فقده فتلك رزية ما بعدها رزية، وهي خيانة للمربي الذي يربي والقائد
الذي درب.
يقول سيد قطب -رحمه الله- عند هذه الآية: «هذا
المسلم الذي يحب محمدًا ذلك الحب، مطلوب منه أن يفرق بين شخص محمد -صلى الله عليه
وسلم- والعقيدة التي أبلغها وتركها للناس من بعده باقية ممتدة موصولة بالله الذي
لا يموت». وهذا نموذج فذ آخر وهو الصديق -رضي الله عنه- وهو يجلي هذه الحقيقة
بقولته المشهورة بعد وفاة الحبيب الأعظم -صلى الله عليه وسلم- والتباس الناس في
ذلك: «من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا
يموت».
إن من الأخطاء التي يمارسها بعض الدعاة -على
فضلهم- هو ربط حياتهم وتصرفاتهم وحتى أفكارهم بالآخرين؛ فلا يعملون للإسلام إلا
حيث يؤمرون، ولا يبذلون لهذا الدين إلا حيث يدفعون، ولا يفكرون إلا في حدود ما
يسمح لهم به. وخطورة هذا الأمر تكمن في السلبيات التالية:
1. يبقى الإسلام حكرًا على فئة من الناس، وطائفة هي
التي تعمل وتخطط، وأما غيرها فكم مرقوم وغثاء مهمل.
2. ضعف الدافع الذاتي لدى الدعاة فتموت الهمم ويخبو
الحماس؛ وبالتالي يقل المعروف في المجتمع وتزيد المنكرات ومظاهر الفساد.
3. إن التعلق بالأشخاص والمسميات والغلو في ذلك، قد
يؤدي إلى وضعها في غير موضعها الصحيح، فيترك ما ليس عندها من الحق، ويدافع عنها
ولو كانت على باطل، وهذه هي الحزبية المقيتة المنهي عنها.
4. تعويد النفس على القصور في السعي للتكميل والتحصيل
العلمي والعملي؛ حيث إنها ترى مستواها مهما عملت دون تلك الأسماء والأشخاص.
5. إننا نهضم الناس حقوقهم وقد نعتدي عليها عندما
نقيسهم بغير الحق والعدل، وإنما نقيسهم بمدى حبهم وارتباطهم بتلك الأشخاص
والمسميات.
6. عندما تتعارض مبادئ تلك الأشخاص المتعلق بها مع
مبادئ الإسلام ومقاصده وتشريعاته، تولد ازدواجية في النفس تؤدي إلى الفتور ثم إلى
السقوط من قطار الدعوة أو ترك الالتزام بالإسلام كلية، وتلك الطامة الكبرى.
إن لظهور هذه الظاهرة المرضية في صفوف الدعاة أسبابًا
كثيرة منها: سوء التربية المبكرة؛ حيث توجد في نفوس المدعوين أعراض مبكرة لذلك فلا
تعالج وتستأصل وإنما تترك فتتفاقم مع الزمن. ومن أسبابه -أيضًا- المركزية في العمل
الإسلامي، فلا شورى ولا حوار ولا تبادل وجهات النظر؛ مما يسبب تعلق القلب بذلك المنظر
الآمر الناهي فقط، فيقاس الدين به ويفتن الناس به. لذا فلا عجب أن نجد عمر بن
الخطاب -رضي الله عنه- يعزل خالد بن الوليد -رضي الله عنه- وهو في أوج انتصاراته
واتساع فتوحاته العسكرية؛ فبالرغم من التفسيرات الكثيرة التي ذكرت لذلك العزل إلا
أن عمر المربي الفاضل يجلي ذلك الأمر بمقولته الشهيرة: «إني لم أعزل خالدًا عن سقط
ولا خيانة، ولكن الناس فتنوا به فخفت أن يوكلوا إليه ويبتلوا به، فأحببت أن يعلموا
أن الله هو الصانع، وألا يكونوا بعرض فتنة».
وبالرغم من خطورة هذا الأمر، إلا أنه ينبغي أن
يعطى قدره؛ فإن الارتباط بالإسلام لا بالأشخاص والمسميات لا يعني أبدًا إلغاء
المحبة والاحترام والتقدير لأهل العلم والفضل والدعوة والجهاد، بل ينبغي حبهم
والثناء عليهم بما فيهم وطاعتهم في المعروف. وإنما المرفوض قطعًا أن يكون المسلم إمعة؛
إن أحسن الناس أحسن وإن أساءوا أساء كما ورد في الحديث الشريف.
ولعلاج هذه الظاهرة الخطيرة لابد أولاً من
إخلاص العمل لله وحده، وأن يكون وفق هديه -صلى الله عليه وسلم-، وأن يقاس الناس
بالحق وليس العكس، وأن يكون الحب والبغض في الله. كما أنه لابد من التذكير الدائم
بهذه الحقيقة للعاملين للإسلام، وألا يربطوا أحدًا بذواتهم من حيث يشعرون أو لا
يشعرون، وإنما يربطونهم بدينهم. كما أنه ينبغي علينا أن نتدارك أنفسنا بالعلم
النافع لنكون على بصيرة من أمرنا، ولا يفوتنا إحياء جذوة العمل لهذا الدين في
قرارات أنفسنا، وتنمية الدفاع الذاتي لذلك نبلغه ونجاهد في سبيله حيثما كنا. ولنجعل
نصب أعيننا دائمًا قول المولى جل قدرته: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا. لَّقَدۡ أَحۡصَاهُمۡ وَعَدَّهُمۡ
عَدًّا. وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ (مريم: 93-95).
محمد
عبد العزيز الشيخ حسين - الإحساء- السعودية
ومضات تربوية
- للغضب
حد.. إذا جاوزه تعدى صاحبه وجار، وإن نقص عنه جبن ولم يأنف من الرذائل.
- للجود
حد.. متى جاوزه صار إسرافًا وتبذيرًا، ومتى نقص عنه كان بخلاً وتقتيرًا.
- للتواضع
حد.. إذا تجاوزه كان ذلاً ومهانة، وإذا نقص عنه انحرف إلى الكبر والخيلاء
والتفاخر.
- للحسد
حد.. فمتى تعداه صار بغيًا وظلمًا وتمنيًا لزوال النعم عن المحسود، ومتى نقص
عنه كان دناءة وضعف همة وصغر نفس.
- للشهوة
حد.. فمتى زادت عليه صارت شبقًا والتحق صاحبها بدرجة الحيوانات، ومتى نقصت
عنه ولم تكن فراغًا في طلب الكمال والفضل كان ذلك ضعفًا وعجزًا ومهانة.
1. قال الحجاج بن يوسف الثقفي لمؤدب بنيه: «علمهم
السباحة قبل الكتابة؛ فإنهم يجدون من يكتب عنهم ولا يجدون من يسبح عنهم».
2. قال معاوية بن أبي سفيان: «لو كان بيني وبين الناس
شعرة لما انقطعت؛ لو شدوا أرخيتها، ولو أرخوا شددتها».
3. قال مكسيم غوركي: «السعادة عند الرجل أن ينجح في
عمله، والسعادة عند المرأة أن ينجح في حياتها مع الرجل الذي تزوجته».
إن مهمة الكاتب ليست في حمل القارئ على الثقة
به، بل في حمله على التفكير معه. ما أرخص الأدب لو أنه كان مثل السياسة طريقًا إلى
اكتساب الثقة، لا.. إن الأدب طريق إلى إيقاظ الرأي. إن خير أثر يمكن أن يحدثه
الكاتب في الناس هو أن يجعلهم يفكرون تفكيرًا حرًا، وهو لا يستطيع أن يؤدي هذه
الرسالة إلا في مجتمع حر. إن الكاتب الذي يظن أن عمله قد انهار لقولة قائل أو نقد
ناقد، فهو كاتب يخلط بين شخصه وواجبه.
ماهر
السعيد
مجالس العلماء
بقلم: محمد الجاهوش - الكويت
الإنسان اجتماعي بطبعه؛ يألف وينفر من الوحدة،
هكذا فطره الله وعلى هذا أتم خلقه وسواه. وجاء الإسلام ليحافظ على هذه الفطرة
ويوجهها الوجهة الصحيحة السليمة التي تعين المسلم على تحقيق مهمته وتفتح له الآفاق
ليتبوأ موقعه الريادي في قيادة مجتمعه. ولترسيخ هذه القاعدة وتثبيتها عمليًا شُرعت
الجمعة والجماعات، وسُنّت زيارة المرضى، وتشييع الجنائز، وجعل الحج مؤتمرًا سنويًا
عامًا؛ لتبقى صلة المسلم متجددة مع واقع أمته ومستجدات الأحداث من حولها، فيسدد
ويقارب في تقييم الأمور، ويسهم ما استطاع في بث معاني الخير ودفع الأذى. ذلك أن
المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعلى مكانة وأسمى منزلة من المسلم الذي
يعيش لذاته ولا يشغله إلا شؤون دنياه ومعاشه.
ولا يستطيع الإنسان السوي من أن يخلي نفسه من
أخلاء صدق، وإخوان أوفياء يأوي إليهم، ويأنسون به، يطارحهم الآمال والآلام،
ويتدارسون أحوال الأمة وأسباب النوازل التي حاقت بها، والتيارات الوافدة التي غزت
ثقافتها، وهاجت ثوابت حياتها وعقيدتها، ويبحثون عن أقوم السبل للحفاظ على هوية
الأمة المميزة وتخليصها من العثرات التي تتخبط فيها. ولكل عصر وجيل آماله وآلامه،
وهمومه وطموحاته، والقضايا الفكرية التي توجه حياته وتهيمن عليها، والمفاهيم التي
يبغي تثبيتها أو مقاومتها. وقد حفل تاريخنا -على امتداده- بمجالس أهل العلم والرأي
التي تناولت كل علم وفن وخاضوا فيها شتى ميادين الفكر والرأي.
ومن تاريخ ابن النجار ننقل مجلسًا من مجالس
أسلافنا جرى بين عالمين جليلين من رجال الرعيل الأول: أما أحدهما فهو عبدالله بن
المبارك (118- 181هـ)، وأما الآخر فهو الإمام الثوري.
روى ابن النجار في تاريخه: أن عبدالله بن
المبارك قدم على سفيان الثوري بمكة فوجده مريضًا شارب دواء فجرى بينهما الحوار
التالي:
ابن المبارك: من الناس؟
سفيان: الفقهاء.
ابن المبارك: من الملوك؟
سفيان: الزهاد.
ابن المبارك: من الأشراف؟
سفيان: الأتقياء.
ابن المبارك: من الغوغاء؟
سفيان: الذين يكتبون الحديث يريدون أن يأكلوا
أموال الناس.
ابن المبارك: من السفلة؟
سفيان: الظلمة.
دروس وعبر
كم هي عظيمة تلك القلوب التي استنارت بنور
الإسلام فهمًا وعلمًا فنبت فيها الهدى ويغذيه الورع ويرويه التقى حتى غدت معادن
حكمة وأوعية علم وإيمان. عقلت من المعاني أرقاها، ومن دقائق الفهم أنفسها وأجلها،
وردت كل شيء إلى حقيقته لم يخدعها زيف ولم يفتنها بهرج.
فالفقهاء هم الناس ومن عاداهم تبع لهم، وهم
جديرون بهذه المنزلة؛ فقد كرمهم الله تعالى بدقة الفهم وحدة الذهن وملكة
الاستنباط، وليس بعد الفقه في دين الله منزلة، وحسب أصحابها شرفًا ثناء رسول الله
-صلى الله عليه وسلم- عليهم: «مَن يُرِدِ اللَّهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في
الدِّينِ». ومن ظن أن هناك منزلة أعلى من منزلة من أتاه الله فهمًا في كتابه وإدراكًا
لمعاني سنة نبيه فقد حقر ما عظم الله تعالى؛ فكم من نازلة بالأمة جلوا ظلمتها
بساطع البرهان وأناروا للناس سبيل الخلاص منها. وكم من ظالم استبد بشعبه وحاد الله
ورسوله تصدى له أهل الفقه والفهم حتى أراح الله منه؛ فهم مصابيح الهداية تنجلي بهم
كل ضلالة عمياء، فلا غرو أن يكونوا أهم الناس.
والزهد رفعة في الدنيا وزلفى في الآخرة،
والزهاد قوم ملكوا أزمة نفوسهم، وأخذوا بنواصيها، فعاشوا أحرارًا لم تستعبدهم شهوة
ولا استرقتهم حاجة؛ فرغوا قلوبهم من الحظوظ فصبروا محيط الحياة بقوارب الرجاء،
زادهم سهر الليل وظمأ الهواجر، وهاديهم قصر الأمل ومداومة العمل. إنهم أحرار لا
يخافون تقلب الأحوال ولا تغير الزمان، لا تذلهم منة ولا يرهبهم سلطان. إنهم ملوك
مملكتهم الكون بأسره، وسلاطين يأنفون أن يقبل السلاطين أيديهم؛ فهم الملوك
الحقيقيون، وما سواهم عبيد أهواء، وأرقاء مناصب.
والتقوى شرف الدنيا وعز الآخرة، جعلها الله
تعالى معيارًا للتفاضل بين العباد لا ينجي سواها، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا
النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا
وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْۚ إِنَّ
اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13). ولا يفوز إلا أهلها، وما مفاخرة الناس
بالأحساب والأنساب إلا كسراب بقيعة ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا
جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ (النور: 39). والمتقون هم أحباب الرحمن وورثة
الجنان ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقۡعَدِ صِدۡقٍ عِندَ
مَلِيكٖ مُّقۡتَدِرِۭ﴾ (القمر: 54-55).
العلماء ورثة الأنبياء: «إنَّ العلماءَ ورثةُ
الأنبياءِ، وإنَّ الأنبياءَ لم يُورِّثُوا دينارًا ولا درهمًا، ورَّثُوا العِلمَ
فمن أخذَه أخذ بحظٍّ وافرٍ». ويوم يتحول العلماء إلى تجار علم وأرباب الحديث إلى
أكلة لأموال الناس، فقد حطوا من قدر أنفسهم، وطامنوا من علو المكانة التي هيئت
لهم، وتخلوا عن أداء الرسالة التي شرفوا بها؛ فأي فارق يميزهم عن غوغاء الناس
ودهمائهم؟ الذين سيجمعهم مزمار وتفرقهم العصا. وما مكانة العالم إلا بثباته على
مبدئه، وحرصه على نشر الهدى، وتصديه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فإذا ما غدا
موقع فتوى أو مفتي مناسبات لتسويغ أعمال أولياء نعمته، فقد امتهن ما آتاه الله،
ورضي لنفسه موقع الذل، والبعد عن رحمة الله. وكم عانت الأمة -وتعاني- من هذا
الطراز المنتسب للعلم وأهله والمتزيي بزيهم!
السفل ضد العلو، وأسفل ضد أعلى، والسفلة من
الناس: أنذالهم وغوغاؤهم وكل دون فيهم. والظلمة أناس انحطت قيمهم الأخلاقية
والسلوكية، وتمردوا على فطرة الخالق الذي خلق المؤمنين أشداء على الكفار رحماء
بينهم؛ فعتوا وتجبروا ونازعوا الله تعالى في تصريف ملكه؛ لذلك كان الظلم صنو
الشرك، وأحيانًا هو الشرك بعينه ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان: 13).
وكيف لا يكون الظلمة من السفلة وهم إنما يتبعون أهواءهم بغير علم ويقولون على الله
الكذب وهم يعلمون؟
خاتمة:
ما جاء من الأعمال خالصًا لوجه الله كتب له الخلود على تعاقب القرون، وأفادت منه
لاحقات الأجيال، وكان له الأثر الحميد في توجيه الفكر والسلوك؛ وذلك هو الربح
والفوز الذي يجنيه المخلصون. يقول الأستاذ مصطفى السباعي -رحمه الله-: «ليس الخلود
أن يتحدث التاريخ عن الخالدين، ولكن أن تسري أرواحهم في الأحياء والمتعاقبين، وأن
تعمل أخلاقهم عملها في كل عصر على مر التاريخ، ولم يجتمع ذلك لعظيم كما اجتمع
لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم».
مسؤولية تربية الأولاد
يقول الله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ
زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيا﴾ (الكهف: 46). فالأولاد زينة الحياة وزهرتها، بهم
تحصل السعادة ويكتمل الأنس، وهم في نفس الوقت أكبادنا التي تمشي على الأرض.
فالأولاد زينة إن وجهوا التوجيه الأمثل وإلا صار الشقاء والعناء. والمرء في هذه
الحياة مطالب ببذل قصارى جهده في تربية أولاده ورعايتهم الرعاية الصالحة؛ يقول
الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيتِهِ». والناس في
تربية أولادهم مختلفون؛ إذ لهم في ذلك طرق ومسالك مختلفة:
- فمن
الناس من يستخدم أسلوب التعنيف في تربية أولاده ولو لغير سبب مقنع؛ فلا نراه
إلا غاضبًا عبوسًا، فالتفاهم بينه وبين أولاده مفقود، ولا رأي للولد، بل هو
مجرد أداة تنفيذ، ولهذا المسلك أثره السيئ؛ إذ سينشأ الولد مسلوب الرأي عديم
الشخصية لا يستطيع البت في أي أمر من الأمور، ولربما جره ذلك إلى انتهاج أي
أسلوب ولو كان شاذًا لإثبات وجوده، علاوة على أن في هذا المبدأ قضاءً على روح
الشورى التي ينبغي أن تسود بين الأب وأبنائه خاصة بعد نضوجهم.
- وهناك
نوع من الآباء تركوا لأبنائهم الحبل في التصرف دون متابعة، فأولوهم الثقة
العمياء، بل مما يزيد الطين بلة أن بعض الآباء قد أغدق على أبنائه الأموال،
وأطلق أيديهم في التصرف كيفما شاءوا؛ ولهذا آثاره المشينة التي لا تخفى؛ إذ
الابن لا يدرك قيمة هذا المال، فلربما استخدمه استخدامًا سيئًا، وصار ذلك
المال سلمًا يوصله إلى باب الرذيلة، ويجعله صيدًا سهلاً بأيدي أولئك
العابثين، وقد أحسن الشاعر حينما قال:
إن
الشباب والفراغ والجدة مفسدة
للمرء أية مفسدة.
- وهناك
نوع ثالث من الآباء يجعلون جل تفكيرهم منصبًا على ما يحققه الأبناء من نتائج
دراسية، فيجعلون مكافآتهم تذاكر سفر إلى بلاد الكفر والإلحاد؛ يرمون بفلذات
أكبادهم في أحضان الكفرة ثم بعد فوات الأوان يندمون ولات ساعة مندم.
- أما
النوع الأخير فهم الذين ساروا خلف خطى النبي صلى الله عليه وسلم وامتثلوا قول
الحق سبحانه وتعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ
حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب: 21). فحازوا قصب السبق في ذلك، وطريقتهم في تربية
أبنائهم طريقة مثلى ارتسموا لها عدة أمور نجعلها فيما يلي:
1. تنشئة الأبناء تنشئة صالحة:
زادها التقوى، وذلك بتحفيظهم لكتاب الله وإروائهم من معين السنة الغداق ومن سيرة
السلف الصالح الذين هم القدوة لهذه الأمة بعد نبيها -صلى الله عليه وسلم-.
2. المتابعة الدائمة: متابعة
لا تزعج ولا تمل، وليس ذلك في المنزل فحسب، بل في المدرسة وفي زيارته لأصدقائه
ورحلاته معهم، فالشاعر يقول:
عن المرء لا تسل وسل عن قرينه فكل
قرين بالمقارن يقتدي.
فالجليس الصالح كما وصفه الرسول -صلى الله
عليه وسلم-: «مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ والجَلِيسِ السَّوْءِ، كَمَثَلِ صاحِبِ
المِسْكِ وكِيرِ الحَدَّادِ؛ لا يَعْدَمُكَ مِن صاحِبِ المِسْكِ إمَّا تَشْتَرِيهِ
أوْ تَجِدُ رِيحَهُ، وكِيرُ الحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ أوْ ثَوْبَكَ، أوْ
تَجِدُ منه رِيحًا خَبِيثَةً».
3. محاولة ملء الفراغ: بكل ما
هو مفيد كل بحسبه، فما يصلح للصغير قد لا يتناسب مع الكبير، وإذا لم يحاول الأب
ملء هذا الفراغ لدى أبنائه فلربما أساء الأبناء الاستفادة منه.
4. تخصيص وقت للأبناء: إن
الأعمال والارتباطات قد تأخذ من وقت الإنسان نصيب الأسد؛ لذا ينبغي أن يعطي أولاده
حقهم، فيفرغ جزءًا من وقته لهم يوجههم ويكشف مشكلاتهم ويباشر حلها بنفسه ويستمع
لآرائهم ويشجعهم على إبداء الرأي.
5. التشجيع والمكافأة: تشجيع
كل من أنجز عملاً خيريًا؛ فيجعل مثلاً جوائز لمن حفظ جزءًا من كتاب الله، كذلك
مكافأة لمن ساعد ضعيفًا أو محتاجًا لغرس بذرة الخير فيهم.
6. المكتبة المنزلية: وضع
مكتبات خاصة في البيوت تروي ظمأ أبنائهم، وتقضي على وقت فراغهم، وتحتوي هذه
المكتبات على الجيد والمفيد دون حشوها بالغث والسمين.
جعلنا الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون
أحسنه، وأسأل الله أن يهدينا وإياكم سبل السلام إنه ولي ذلك والقادر عليه.
الشيخ/ عقيل عبد الرحمن بن عقيل - ثانوية اليرموك بالرياض
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل