العنوان الاستئصال لا ينال إلا الديمقراطية
الكاتب نور الدين العويديدي
تاريخ النشر السبت 31-مارس-2001
مشاهدات 49
نشر في العدد 1444
نشر في الصفحة 32
السبت 31-مارس-2001
"تونس"
"أحمد الشابي" - الأمين العام للتجمع الاشتراكي التقدمي:
حوار: نور الدين العويديدي
قال الأمين العام للتجمع الاشتراكي التقدمي: إن السلطة التونسية صادرت عددين من صحيفة «الموقف» التي يصدرها حزبه، وتمثل الصوت الوحيد للمعارضة. واعتبر المحامي "أحمد نجيب الشابي"، أن وقف الصحيفة يتنزل في إطار حالة من التراجع الواسع في مجال الحريات السياسية والإعلامية وحرية الرأي في "تونس".
وقال الشابي: إن الحكومة تنظر لكل تحرك سياسي معارض باعتباره تحديًا مباشرًا لها ولسلطتها، فتبادر إلى رفع التحدي من خلال الاعتقال والسجن والمضايقات. وبالرغم من تمسكه بالشرعية القانونية لحزبه، قال "الشابي": إنه مستعد للحاق ببقية التونسيين، إذا أرادت السلطة من جعل التأشيرة القانونية سجنًا للحزب تمنعه من ممارسة دوره.
وتحدث "الشابي" عن اختلالات في البناء السياسي التونسي. وقال: إن هذه الاختلالات تحتاج إلى أن تُعالج على أساس الاعتراف باستقلالية الأطراف الاجتماعية عن الدولة، والتسليم بأن الناس أصحاب حقوق لا يطلبون امتيازات. وعن إقصاء التيار الإسلامي قال الشابي: إنه ضد الإقصاء، وضد الاستئصال. وشدد على أن سياسة الاستئصال لا تستأصل إلا الديمقراطية. ودعا إلى الاعتراف بالواقع والقبول بحق الإسلاميين في تكوين الأحزاب والجمعيات القانونية.
لكن "الشابي" رفض تحديد موقف واضح من التجديد للرئيس "بن علي" لدورة رئاسية رابعة في العام ٢٠٠٤م قائلًا: إن الاستحقاق غير مستعجل لإعلان موقف من الآن. وطالب بتوفير الحريات للشعب التونسي حتى يقول رأيه بشكل لا لبس فيه عندما يحين الموعد:
- في أي إطار يتنزل وقف الأعداد الأخيرة من صحيفتكم «الموقف»؟
- في الواقع لم يقع إيقاف عدد واحد من الصحيفة. لقد أوقف عدد تم حجزه في المطبعة ثم العدد التالي، وقد تعللت المطبعة بمشكلات فنية حتى لا تطبعه.
هذه الإجراءات تتنزل في إطار ما يمكن وصفه بالتصعيد من قِبَلِ السلطة تجاه مؤسسات المجتمع المدني والسياسي. فكما تعلمون في الأسابيع الأخيرة وقع تعليق نشاط الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، ثم محاكمة الأستاذ منصف المرزوقي، ثم محاكمة الأستاذ "نجيب حسني"، ثم التتبع ضد السيد "محمد مواعدة" – رئيس حركة الديمقراطيين الاشتراكيين.. ثم التتبع ضد السيد "صلاح الدين الجورشي" – النائب الأول لرئيس الرابطة.. بسبب بيان أصدرته الرابطة.
كل هذه الأحداث داخلة في إطار سياسة لم تعد تقبل باستقلالية الرأي عن الحكم.. كل رأي مستقل يتم التعامل معه، وكأنه تحد لهيبة الدولة يواجه بإجراءات قمعية وأقول: إن هذا الوصف قد لا يكون رشيقًا، ولكن في الحقيقة هذا هو الواقع. ونحن نعتقد أن هذه السياسة غير صالحة وقديمة.
وما يلاحظ من توتر في الحياة الوطنية دليل على أن هناك اختلالات في البناء السياسي يتوجب معالجتها بمرونة تقوم على ركيزتين:
الأولى: الاعتراف باستقلالية الأطراف الاجتماعية عن الدولة.
والثانية: أن الناس أصحاب حقوق لا يطلبون امتيازات فالتونسي له حقوق طبيعية يولد بها ولا يمكن لأي تونسي آخر أن يصادر هذه الحقوق مهما كان مركزه ومهما كانت سلطاته.
وبناءًا على ذلك، فنحن نطالب بأن تعترف الدولة بحق الأطراف الاجتماعية في الاستقلال عنها، وأن تعترف للتونسيين بالحقوق الطبيعية أتمنى على الحكومة أن تدرك أنه حان الوقت لتقع مراجعة شاملة، وإذا لم تدرك الحكومة ذلك، فأخشى أن تحملنا الأحداث جميعًا حكومة ومعارضة على مراجعة هذه الأوضاع.
الشرعية القانونية لا تمنعنا من المنافسة
- التجمع الذي تقودونه حزب في منطقة برزخية هو من المعارضة المشروعة من جهة، ومن المغضوب عليهم من جهة ثانية هل تخشون أن يلحق حزبكم بالمعارضة غير القانونية؟ وهل أنتم مستعدون لذلك؟
- نحن حزب طبيعي ومن طبيعة الحزب أن يكون مستقلًا ومنافسًا ومعارضًا للحزب الذي يتولى إدارة الأمور في البلاد، وإلا ما الغرض من إنشاء الحزب نحن حزب فعلي يطمح ويسعى للتعبير عن آرائه وأفكاره بكامل الاستقلالية.
هل تسير الأمور إلى إلغاء الرخصة والله؟ من ناحية لا أتمناها، ولكن من ناحية أخرى استوى الماء والخشب كما يقال فإذا لم تقع مراجعة السياسة العامة في اتجاه إقرار الحريات، وتوسيع مجالها، وتمكين الأطراف الفاعلة من ممارسة حقوقها، فإن إبقاءنا (في إطار الشرعية القانونية) أو عدم إبقائنا سيَان.
نحن نتمسك بالقانونية، ولا تسعى للعمل خارج القانون، ولكن المهم هو أن نعمل نعمل في إطار القانون، وإذا حرمنا من حقنا القانوني فنلتحق بجموع التونسيين المحرومين (ضاحكًا) سنعزز صف المحرومين.
يرى البعض أن احتضانكم لندوة الفاعليات الديمقراطية في الصيف الماضي، وانضمام أعضاء جدد إلى حزبكم يجعلكم تلامسون خطأ أحمر، وتهددون بالخروج من موقع الحزب المستأنس، وهو شأن الأحزاب القانونية الأخرى إلى موقع الحزب المؤثر هل هذا هو سبب الغضب عنكم ومنكم؟
غضبوا عنا منذ عام ۱۹۹۱م، حين رفضنا أن تزكي الخيار الأمني، وقلنا: إن القضية الإسلامية – وإن كانت لها أبعاد أمنية – تعالج في إطار القانون، فإنها مشكلة ذات أبعاد اجتماعية وثقافية وسياسية، تتطلب رؤية كاملة متكاملة ومعالجة متكاملة.. منذ ذلك الوقت حدث جفاء بيننا وبين الحكم. نحن أيَّدنا الحكم في الأول على أساس إصلاح الأوضاع.
المهم أن علاقة الجفاء من طرف الحكم تعود إلى ٩ سنوات تقريبًا، وهي تتطور مع الوقت. ونحن عقدنا مع مسؤولي الحركات الديمقراطية الندوة التي أشرتم إليها، باعتبارها تهدف إلى إصلاح الأوضاع وإصلاح الأوضاع يفترض أن يبرز قطب ديمقراطي معتدل، يطمح إلى العمل السياسي الشرعي.. هذه أبجديات الديمقراطية. الديمقراطية توازن للقوى أو لا تكون أما نسبة ٩٩.٩٧٪ مقابل ٠.٠٠١٪ فهذا عدم إدراك لماهية الديمقراطية أصلًا.
الاستئصال ينال الديمقراطية
أشرتم إلى أن سبب الغضب عنكم يرجع إلى ٩ سنوات بسبب الموقف من الإسلاميين ما موقفكم من الإسلاميين الآن بعد ٩ أعوام من إقصائهم؟
(ضاحكًا) أنت الآن صعَّبت عليَّ الموقف قلنا إن سياسة الاستنصال لا تستأصل إلا الديمقراطية، وكل الإشكالات تعالج في إطار سياسة شاملة متوازنة. نحن نطالب بالعفو التشريعي العام، ويفتح حوار وطني يفتح الطريق بشكل متدرج نحو ديمقراطية تتسع للجميع دون إقصاء.
هذا لا يعني أن الإخوان الإسلاميين لم يخطئوا.. هم أخطأوا في حق أنفسهم، وأخطأوا في حق البلد، لكن لا يمكن أن تستعمل هذه الأخطاء المحاولة إلغاء جانب مهم من الواقع السياسي لا نستطيع ذلك مهما فعلنا سياسة الاستئصال
لا نخشى إخراجنا من الشرعية القانونية والسلطة أغلقت الأبواب أمم حرية النقد
أضعفت الحكم في الخارج والداخل، ولم تحل المشكلة فحل المشكلة سياسي. ونحن بالطبع نراعي أن تغيير السياسات لايتم بين عشية وضحاها، أو بتسرع، لكن المهم أن يسطر الإنسان الطريق وأن يمشي فيه ونحن مع أن نسطر طريقًا يوصلنا إلى الاستقرار الحقيقي، وأن نمشي فيه ولو خطوة خطوة.
تتباين المواقف فيما يخص موضوع الإسلاميين بين من يطرح المسألة باعتبارها قضية إنسانية، وبين من يطرحها في بعدها السياسي إلى أي الرؤيتين تنحاز؟
الملف حقوقي إنساني وسياسي أيضًا فحقوق الإنسان وحرمته الجسدية أشياء عليها إجماع وأما بالنسبة للحقوق السياسية للإسلاميين، فهي بالفعل موضوع نقاش، وأنا شخصيًا من أنصار الحل السياسي على الطريقة التي تعترف بالواقع، وتعمل على تطويره.
نحن نرى أن التجربة في تركيا لها أبعاد متشعبة، ولكن في النهاية تجري على أرضية احترام اللعبة الديمقراطية أيضًا التجربة في "الأردن" بخصائصها ونقائصها، تقوم على المبدأ نفسه تقريبًا. أو هي كذلك على الأقل شكلًا المغرب رغم أنه غير متقدم، لكنه يسير في الاتجاه نفسه اليمن تعيش توازنًا قبليًا حزبيًا ييحاول أن يفتح مجالًا لكل الأطراف يعني اعتقد أن تونس كانت لديها الإمكانات، ولا تزال لكي تخوض تجربة خصوصية تتدرج نحو حالة من الديمقراطية تجمع الجميع.
لا تنمية اقتصادية دون تنمية سياسية
هل ما حصل على صعيد كبت الحريات السياسية هو ضريبة لما حققه البلد في المجال الاقتصادي؟
لا شك أن التجربة التونسية بالمقاييس الدولية تعد من أنجح التجارب العربية، وتشترك معها الأردن والمغرب، وإلى حد ما "مصر" هذا فيما يخص نجاح التجربة الاقتصادية في التأقلم مع الأوضاع الدولية المستجدة، مع الحفاظ على التوازنات الكبرى في ميدان الميزانية والمديونية، وفي قدر معين من التنمية، وترتيب التبادل التجاري على أساس أن تحتل السلع فيه مكانة بارزة.
ولكننا – كتونسيين – لا نقيس الأمور بهذه المقاييس فقط، نحن ننظر إليها بشكل ديناميكي فإلى أي درجة الاقتصاد التونسي له من الصلابة ما يمكنه من مواجهة رياح العولمة العاتية هذا تعبير أدبي على حقيقة مرة، فالمزاحمة ليست فقط بيننا وبين الآخرين في الأسواق الخارجية، وإنما المزاحمة في أسواقنا الداخلية، وهذا له أبعاد تتعلق بالاستثمار والتشغيل وإعادة الهيكلة الاقتصادية، وما لها من تبعات على مستوى التشغيل، وتسريح العمال، أو غلق المؤسسات، التي لا تقدر على المنافسة.
مشكل التشغيل مهم ويضغط على التونسيين، وكذلك الأمر بالنسبة لغلاء المعيشة، والتضحيات التي يتحملها الناس التجربة الاقتصادية التونسية ناجحة، ولكن الاقتصاد يبقى هشًا، وفي حاجة إلى استراتيجية للتنمية، تجعله قادرًا على مجابهة التحديات الزاحفة.
أما على المستوى السياسي، فهذا التقدم الاقتصادي الذي تشاركها فيه بعض الدول العربية كالمغرب والأردن فنحن نلاحظ أن التنازع السياسي الموجود في تونس لا يقابله مثيل في المغرب أو الأردن، ولذلك فالتراجع السياسي ليس ثمنًا ضروريًا من أجل تحقيق نجاحات اقتصادية. ومن ناحية أخرى، فقد كانت البلدان ذات الحزب الواحد تبرر الحزبية الواحدة بالتنمية الاجتماعية، ثم اتضح أن التنمية الاجتماعية لا يمكن أن تقوم مقام الحرية.
الحرية حاجة لا تقل شدة وحدة عن الحاجة الغذائية لذلك لا يمكن أن نقابل البعد الاقتصادي بالبعد السياسي. هناك تقدم في ميدان التوازنات الاقتصادية الكبرى نعم فنحن نقر بالواقع وهو لا يقلقنا والاقتصاد حتى - ولو كان من نمط الاقتصاد الأسيوي تقدمًا – فهو لا يبرر التراجع السياسي، بل إن التنمية السياسية حاجة للتنمية الاقتصادية. ونحن نرى أنه في آسيا وأمريكا اللاتينية التطور الاقتصادي يقوم على التنمية السياسية.
التجديد للرئيس
يرى بعض المحللين أن ترتيب وضع الاتحاد العام التونسي للشغل، وتجميد رابطة الدفاع عن حقوق الإنسان، والضغوط المسلطة على المعارضين وناشطي المجتمع المدني، يأتي باعتباره مقدمة المساومة أو لصفقة تاتي فيما بعد: تقوم السلطة بإطلاق سراح المعتقلين، وتحدث انفراجات مقابل
قبول المعارضين بالتجديد للرئيس بن علي الدورة رئاسية رابعة في عام ٢٠٠٤م كيف تنظر لهذه القراءة؟
هذه إحدى القراءات الممكنة، لكنني لست الآن في عام ٢٠٠٤م أنا في عام ٢٠٠١م، موعد ٢٠٠٤ م على غاية من الأهمية، لأنه استحقاق دستوري وسياسي، والشعب التونسي مدعو إلى أن يحكم على التجربة التي تجري الآن، وسيكون عمرها ١٧ عامًا في عام ٢٠٠٤م، ويجب أن تكون له إمكانات حقيقية حتى يقول رأيه في هذه التجربة.
لكن نحن الآن في عام ٢٠٠١م يجب أن يكون الرهان هو أن تقر الحكومة باستقلالية مؤسسات المجتمع المدني، وبحقوق التونسيين الطبيعية، وهذا طبعًا يؤهلنا حتى يجرى استحقاق عام ٢٠٠٤م وفقًا لما يتمناه التونسيون.
إذا كان عام ٢٠٠٤م لايزال بعيدًا ولا يفسر ما يجري، فكيف تفسرون التطورات السياسية الحاصلة الآن إذن؟
والله ما يمكن قوله: إن ظلال ٢٠٠٤م لها ثقلها على البلد، وتضغط على الحياة السياسية، ولكن لا أعتقد أن هذا هو العامل الأوحد في تفسير ما يحدث هناك الآن اختلال في توازن القوى، وأصحاب القرار والسلطة يعتقدون أن لهم جميع الحقوق، وأن الأطراف التي تقابلهم ليس لها أي مشروعية،
هناك اختلال في توازن القوى أصحاب السلطة يعتقدون أن لهم جميع الحقوق بينما الأطراف التي تقابلهم ليس لها أي مشروعية
وبالتالي يتحركون كما يشاؤون. إنهم ينظرون لهذه التحركات (المعارضة والمجتمع المدني) باعتبارها تحديات موجهة إلى أصحاب السلطة والقرار، ويردون الفعل على أساس رفع هذه التحديات ومواجهتها بما يجب أن تواجه به.
أنا أرى أن هناك رؤية مغلوطة للوضع السياسي، لأن التحركات التي تقع اليوم تعبر عن حاجة اجتماعية عميقة وطبيعية، وهي في الوقت نفسه تدل على أن النظام السياسي تكلس وتجمد ولا بد أن تدخل عليه المرونة الضرورية حتى يتسع الأصحاب الحقوق.
لنخرج من التحليل إلى الموقف ما موقفكم من التجديد للرئيس الدورة رابعة؟
قلت: إننا في عام ٢٠٠١م ولسنا في عجلة من أمرنا الرجل لم يتكلم عن التجديد والموضوع مهم، وهو استحقاق دستوري وسياسي على درجة أولى من الأهمية، ويجب أن يكون للشعب التونسي الحق في أن يبدي رأيه بكل حرية. والمهم أن تاريخ ٢٠٠٤م يجب أن تهيأ له الأجواء حتى يكون الشعب سيد الموقف.. هذا ما يهمني أنا الآن في عام ٢٠٠١م أما المواقف العملية والتكتيكية فمازالت بعيدة.
لكننا نعرف أن هناك من دعا الرئيس لتهيئة الأجواء لمن يخلفه وربما يكون هناك من لا يمانع في التجديد للرئيس الحالي ما رأيكم في الموضوع؟
هم أحرار وأنت تسألني أنا الآن، ولا تسأل هؤلاء
أنا أعلم هذا، ولكني أرى الموضوع حاضرًا في الساحة بقوة، وأريد أن أعرف موقفكم بالضبط؟
أنا أحترم جميع الآراء ربما هناك أناس متسرعون أكثر من آخرين. ولكني لست في عجلة من أمري، وأنا على وعي تام بأنني في عام ٢٠٠١م. وواع تمامًا أن ميزان القوى السياسي منخرم، وأن أول مهمة لمستقبل تونس مهما كان الاستحقاق هو إعادة التوازن السياسي إلى البلد، وفتح مجال الحريات والبقية تأتي فيما بعد.
انفتاح أم تردد؟
شهدت تونس في فترة الربيع الماضي قدراً من الانفتاح السياسي، ثم تراجعت عنه السلطة بشكل سريع لماذا حدث ذلك الانفتاح المحسوب؟ ولماذا تم التراجع عنه؟
أنا رأيي أنه لم يكن انفتاحًا كانت هناك فترة تردد، الحكومة في تلك الفترة أيقنت أن السياسة الزجرية حتى لا أقول القمعية، لم تعد تؤتي أكلها لم تعد تخيف الناس أصبحت تثير الصمود ورد الفعل، وتستثير الناس، وتستثير الرأي العام الدولي، واهتزت الصورة الخارجية للبلاد، وأيضًا العامل الخارجي لم يبق معزولًا عن الوضع الداخلي، بل الوضع الداخلي تفاعل مع الحملات الخارجية، وحدثت اضطرابات تلمذية.
المهم أن الحكومة أرادت أن تهدئ الأوضاع باتخاذ إجراءات تهم الحالات الأكثر حضورًا في وسائل الإعلام فأغلقت بعض ملفات التتبع ضد محمد مواعدة، وعمر المستيري، ومنصف المرزوقي. وأعطي جواز سفر للصحافي توفيق بن بريك، وحدث تحرر نسبي جدًا في موضوع جوازات السفر.
ولكن الصيف – وهو عادة فترة زجر سياسي - كان مناسبة حتى تتمالك الحكومة نفسها، وتقول في شهر يوليو هذا هو الإطار القانوني الذي يتم فيه التحرك، وما يتم خارجه تقوم الحكومة بتطبيق القانون ضده، من ذلك استدعاء "مصطفى بن جعفر"، و"رشید خشانة"، و"بشير الصيد"، وتتبعات ضد "المرزوقي" من جديد، وضد "الحسني"، وضد "نور الدين البحيري"، ثم جاءت قضية الرابطة.
المهم السلطة قالت: هذا هو القانون، وأنا هنا الفرض احترامه وتطبيقه. ثم في نوفمبر قالوا هذه هي التطويرات التي نراها نحن وهي في الحقيقة بعيدة جدًا عن الانفتاح وضروراته بالنسبة لي في كلمات محددة لم يقع انفتاح، وكل ما وقع هو شيء من التردد، ومحاولة حل الحالات الأكثر تفجرًا، وسرعان ما عدنا إلى السياسة القديمة. وستتأكد الحكومة أن هذه السياسة لا تجدي، وأن نتائجها عكسية، وأنه لامفر من الاعتراف بالحقوق الطبيعية للناس بحقهم في الاستقلال عنها، وبحقهم في منافستها على الحكم.
الوضع التونسي مركب من مشهدين: الأول يتعلق بالسلطة، وهي اليوم تسير في اتجاه إعادة المحاكمات ومضايقة ناشطي المعارضة والمجتمع المدني، والثاني يتعلق بعناصر المجتمع المدني والمعارضة، التي ترتفع يومًا بعد يوم جرأتها السياسية إلى أين يقود هذا المسار؟
إلى إقرار الحكومة بحقوق الناس صحيح أن الرأي العام الشعبي لا يرد الفعل الآن سياسيًا. لكنه ليس طرفًا بعيدًا عما يجري وسائل الإعلام السمعية البصرية والفضائيات تسلط الضوء على ما يقع، ويتابعها التونسيون يوميًا، ويتفاعلون مع
رموز الحركة الديمقراطية ولو بمستوى يجب ألا نبالغ فيه، ولكن هؤلاء الرموز ليسوا نكرات لدى الرأي العام الواسع.
هناك ثلاث عوامل تتفاعل: العامل الخارجي والعامل الشعبي ووحدة النخبة، كل عامل مستقل عن العاملين الآخرين، لكنها تتفاعل مع بعضها البعض، وتدفع نحو انفتاح سياسي ضروري. والحكومة ليس لها من خيار إلا أن تقر بالانفتاح السياسي.