; الاستبداد السياسي وروح الاستهلاك | مجلة المجتمع

العنوان الاستبداد السياسي وروح الاستهلاك

الكاتب د. أحمد عيسى

تاريخ النشر السبت 26-أغسطس-2006

مشاهدات 77

نشر في العدد 1716

نشر في الصفحة 32

السبت 26-أغسطس-2006

«عدوا» النهضة العلمية في الشرق

أحمد زويل: صناعة النهضة في البلاد العربية ليست معجزة بل تحتاج لحرية سياسية وإنفاق مالي 

۲۰٪ من دول العالم تتحكم في 80% من تكنولوجيا المعلومات فيما يصارع الـ ٨٠٪ الفقراء من أجل الاستهلاك

تشكل الاختراعات تغييرًا في سلوك الناس وطريقة حياتهم في الحاضر والمستقبل، وتجعل من صانعيها المصدر الأول للتأثير على عقول الأفراد ومناهج الأمم، والأخذ من جيوب الأشخاص وخزائن الحكومات. وتسمح للدول المخترعة بنسبة كبيرة من العمالة خلال الإنتاج، بينما يعيش المستهلكون تحت قهر البطالة. كما يسمح النمو العلمي بالريادة والقوة.

وتثير تلك التقنيات - التي هي محصلة ابتكار وعلم وبحث من الجانب الشخصي، ومحصلة للنظام التعليمي السليم، ونتيجة تبني وتشجيع وتخطيط وإنفاق من الجانب الحكومي والجامعات ومراكز البحوث والشركات المتخصصة - تثير كثيرًا من التساؤلات حول موقع العرب والمسلمين من خريطة الاكتشافات العلمية والنهضة التكنولوجية العالمية. وهل مصيرهم الاستيراد والاستهلاك فحسب؟ أم الانبهار والتعجب؟

الكيان الصهيوني ينفق ٥,١٪ من دخله القومي على البحوث العلمية فيما تنفق مصر ۰٫۲٪ فقط

قبل مئات السنين صنع المسلمون أساس النهضة العلمية.. واليوم يكتفون بالاستهلاك والانبهار!

ألا تتعجب من قدرة اليابان مثلًا على تصميم وإنتاج وتطوير 11 مليون سيارة في العام الواحد، تصدر نصفها الذي يدر عليها دخلًا قيمته ۱۲۳ بليون دولار، يستورد الشرق الأوسط منها أكثر من نصف مليون سيارة (٥٦١ الفًا) بقيمة 13.5 بليون دولار في العام الواحد! (۱). فهم يخترعون وتنبهر، ويصدرون فنشتري، وينشغل ابناؤهم في العمل وأبناؤنا بالبطالة أو ركوب سياراتهم!

 وشهدت السنوات الأخيرة إنجازات طبية حديثة مثل الخريطة الجينية البشرية الخلايا الجذعية - الاستنساخ - بحوث علاج الإيدز - زرع الكبد الحي - القلب الصناعي المتطور - مضادات الاكتئاب - ازدهار جراحة التجميل - العلاج بالجينات - جراحة الإنجاب - علاج العين بالليزر - اختبار الحامض النووي.

وظهرت طفرات في أنواع التكنولوجيا مثل التكنولوجيا الحيوية (بيو تكنولوجي). والتكنولوجيا العسكرية والصناعية وتكنولوجيا الطقس، ولكن الإنترنت تسلق

القائمة كلها.

الإنترنت في المقدمة

في بحث تفصيلي عن أهم الاختراعات العالمية الحديثة منذ ۱۹۸۰، والتي أثرت في طريقة حياة الإنسان المعاصر، نشرت وسائل الإعلام تقاريرها المبنية على رأي مجموعة من خبراء التكنولوجيا، وجاء الإنترنت على قمة هذه الاختراعات وأصبح أداة للثقافة والعلم والبحث والترفيه والتواصل بين الأفراد والمؤسسات والجامعات والدول، بل للتسوق والمعاملات التجارية والبنكية وطلبات الوظائف ودفع الفواتير.

 ويمكن للمرء أن يستمع فيه لترتيل القرآن من شيخه المفضل، كما له أن يحصل على درجة علمية عن طريق المراسلة الإلكترونية، وإن أراد غير ذلك فبضربة أو ضربتين على زر الفأرة يستطيع أن ينتقل ببصره وسمعه وعقله إلى ما يريد، دون أن يتحرك عن كرسيه.

 اخترع شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت).. البريطاني (توم بيرنرز لي) أثناء عمله في معمل (سيرن) للفيزياء النووية بجنيف، وتم طرح الشبكة الدولية للجمهور في عام 1991م، ولد بيرنرز في لندن عام ١٩٥٥م وتخرج في جامعة أكسفورد، كما اكتشف أيضًا «النص الفائق الترابط» HLT، وهي الخطوة التي اعتبرت أساسية في تحول الإنترنت من شبكة يقتصر استخدامها على عدد من العلماء إلى شبكة الويب سهلة الاستخدام والتي ربطت بين كمبيوترات الكرة الأرضية.

جدول (1)

الدولة

نسبة الانفاق على البحث العلمي من الدخل القومي (%)

براءات الاختراع لكل مليون مواطن

عدد العاملين في البحث العلمي والتنمية (لكل مليون مواطن)

الكيان الصهيوني

5.1

35

1500

السويد

3.6

317

5100

فنلندا

3.4

35

7400

اليابان

3.1

852

5000

كوريا الجنوبية

2.5

633

2900

الولايات المتحدة

2.5

302

4500

المملكة المتحدة

1.9

88

2600

روسيا

1.2

105

3400

تركيا

0.7

1

340

مصر

0.2

2

--

والدول الثماني الأكثر غنى في العالم مع بعض الدول الآسيوية، والتي تضم مجتمعة 20% فقط من عدد سكان الأرض تتحكم في ٦٠٪ من الشبكة الهاتفية و80% من شبكة الإنترنت و۸۲٪ من الهواتف المحمولة، و۹۷٪ من مضمون الإنترنت (۲)

مكان المسلمين

هذا وغيره من الاختراعات لم يبتكر أي واحد منها عقل عربي أو مسلم! اللهم إلا خارج الأوطان مثل (الفيمتو تكنولوجي) الذي يصور التفاعل الكيميائي الدقيق بأسرع كاميرا في العالم الذي اخترعه العالم المصري أحمد زويل، وحصل على جائزة نوبل، وكذلك اختراع (هوت ميل) أول وأشهر بريد إلكتروني (لصابير بهاتيا) الهندي المسلم الذي هاجر لأمريكا ودرس واكتشف هناك، والذي باع الشركة المبنية على اختراعه بمبلغ ٤٠٠ مليون دولار (۳) فأين اختراعاتنا؟

ضعف البحث العلمي في المجتمعات الإسلامية

سأركز في تحليلي على أحد الأسباب الرئيسة، وهو المال أو الإنفاق على البحث العلمي، وطبقًا لإحصاءات الأمم المتحدة (4)، كما في جدول (۱) فمثلًا الكيان الصهيوني يقف على قمة المنفقين على البحث العلمي والتنمية في العالم، بما يعادل ٥.١٪ من دخله القومي، وهذا شأن الدولة العقائدية التوسعية التي تريد من ثمرات البحث والتنمية ما يلائم حاجيات الدولة والتحديات التي تواجهها.

وعلى النقيض ترى الدول العربية مثل مصر وهي الأكثر سكانًا، والأقرب للمواجهة الأيديولوجية والعسكرية تنفق 0.2%على البحث العلمي، أي %٤ مما ينفقه الكيان الصهيوني، رغم ما لدى مصر من إمكانات ذهنية بشرية سرعان ما تهاجر حين تصل إلى طريق مسدود في وطنها، ورغم ما لديها من ثروات كبيرة ينعكس على عدد براءات الاختراع وهو ٢ لكل مليون مواطن عربي، فيما يصل في اليابان إلى ٨٥٢ اختراعًا لكل مليون مواطن. ومن خلال تحليل الشركات الخمسمائة الأكثر إنفاقًا على البحث والتنمية في العالم، وجد أن أمريكا فيها %٤٤، ثم الاتحاد الأوروبي ۲۸% ثم اليابان %٢٣ رغم أن عدد سكانها لا يتعدى ثلث سكان الاتحاد الأوروبي، وأكثر الفروع التي تحظى بالإنفاق والاستثمار هي بحوث تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، يلي ذلك السيارات، ثم الأدوية والأبحاث الطبية (٥)

العقول المهاجرة

ظاهرة العقول المهاجرة التي خرجت من الدول العربية والإسلامية جديرة بالدراسة لمعرفة الأسباب الحقيقية وراء ذلك.

ففي أمريكا بلغت نسبة المهاجرين %٥٧ من الحاصلين على الدكتوراه في علوم الكمبيوتر والهندسة الكهربائية و52٪ من الحاصلين على الدكتوراه في الهندسة الميكانيكية والكيميائية. كذلك 43% في الرياضيات، و40% في الفيزياء والفضاء، و37٪ في الكيمياء والبيولوجيا. وفي عام 2003م بلغت نسبة المهاجرين العاملين في حقل العلوم والهندسة ٢٠٪ وأكثر من %٣٣ من الحاصلين على الدكتوراه الذين بقوا للعمل هناك هم العقول المهاجرة من أنحاء العالم (٦).

 وهؤلاء وغيرهم بما يتاح لهم من إمكانات، وبما يتوافر لهم من مستوى معيشي كريم، ينقدح زناد عقولهم عن اكتشافات فريدة، تتلقفها الجامعات أو الدول أو الشركات الخاصة فتطورها بمساعدة علماء آخرين حتى تصير سراً لهما وحكراً عليهما، أو سلعة للآخرين حين يريدون.

ونرى في جدول (۲) مدى إحراز الدول (الغنية) لمعظم جوائز نوبل، ومدى استفادة المراكز الأمريكية من العقول المهاجرة حيث حاز على الجائزة (قيمتها أكثر من مليون يورو) ٢٢ عالمًا غير أمريكي (٤%) عملوا في المراكز الأمريكية ومعروف أن الجائزة لا تشمل علوم البيئة، والتطور، وعلوم الفضاء (۷).

كيف كنا وهل نعود؟

وبعد.. فإن حب المسلم وشوقه للمعرفة والاستطلاع، وأمر الله سبحانه له بالعلم والتفكر والتعقل والنظر، وإعمار الأرض بالسعي والعمل ليتحقق الخير والرخاء، هي القواعد التي وفرت المناخ الملائم لازدهار العلوم الإسلامية ازدهارًا مدهشًا خلال القرن الثامن الميلادي وما بعده. ويكفي أن نذكر أعلامـًا على سبيل المثال مثل الخوارزمي مؤسس علم الجبر والرازي الطبيب صاحب كتاب المنصوري الذي بقي يدرس في الجامعات الأوروبية حتى القرن الثامن عشر، وابن الهيثم مخترع أول آلة تصوير، والطبيب المصري ابن النفيس مكتشف الدورة الدموية.

ونظرًا لهذا الانفجار الهائل للعلوم والتصنيع التقني في الشرق، كان من الطبيعي أن صار التبادل الثقافي حينذاك في اتجاه واحد. لأن المسلمين لم يجدوا شيئًا في أوروبا ليتعلموا منه. وحسب قول مارشال هود غسون (الغرب كان المستورد لكل شيء، من المطحنة إلى أغنية التروبادور (موشح مغربي) إلى القوس المدبب، هكذا سيطرة ثقافية تركت بالطبع أثرها المميز في لغة الغرب، فنحن نستخدم كلمات وتعابير عربية مثل جبر ،كيمياء، أدميرال (أمير البحر)، منارة، صفر، كحول، قهوة، قيثارة، ديوان، تعريفة، قاضي ...) (۸).

وها هو الوضع ينقلب رأساً على عقب، وها هو الزمام يفلت منا لما تركنا الاعتصام بحبل الله المتين، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهل من مشمر؟ يرى أحمد زويل أن صناعة النهضة في البلاد العربية ليست معجزة، وأن المعادلة هي: تقدم سياسي، يتبعه تقدم اقتصادي، يحقق نهضة ثقافية وعلمية، ذلك إذا ما تحققت هذه الثلاثية بأمانة (٩).

نسبة جنسية مراكز البحث والباحثين الحاصلين على جوائز نوبل في فروع العلوم

(طب- كيمياء - فيزياء) والاقتصاد

جوائز نوبل%

الولايات المتحدة

المملكة المتحدة

ألمانيا

بقية اوروبا

اليابان

بقية العالم

جنسية مركز البحث

48

14

13

13

22

1

2

جنسية الفائز

14

14

 

23

2

4

الرابط المختصر :