العنوان الاستعداد لشهر رمضان
الكاتب د. حمدي شلبي
تاريخ النشر السبت 09-أكتوبر-2004
مشاهدات 70
نشر في العدد 1622
نشر في الصفحة 51
السبت 09-أكتوبر-2004
اقتضت حكمة الله جل وعلا أن يجعل هذه الدنيا مزرعة للآخرة، وميدانًا للتنافس ومن فضل الرب سبحانه وكرمه أنه يجزي على القليل بالكثير، ويضاعف الحسنة، ويجعل لعباده مواسم تعظم فيها تلك المضاعفة، ويزيد للعامل فيها الثواب، ومن أعظم هذه المواسم وأجلها شهر رمضان، قال الله تعالى﴿شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ (البقرة: 185)، لذا كان حريًا بالمسلم أن يحسن الاستعداد لهذا القادم الكريم لئلا يفوته الخير العظيم، أو لئلا ينشغل بمفضول عن فاضل، أو بفاضل عما هو أفضل منه، وقد كان سلف الأمة يحرصون من الأعمال على أفضلها، وأعظمها أجراً وأحبها إلى الله، متأسين في ذلك برسول اللهﷺ.
يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ سَعۡيَكُمۡ لَشَتَّىٰ﴾ (الليل: 4) صدق الله وإنه مما يتعلق بمواسم الخير. وبخاصة شهر رمضان واستقباله واستعداد الناس له. نرى التباين حسب درجة العبد من الإيمان والصبر واليقين، ومنزلته من اليقظة. واغتنام ساعات العمر فشهر رمضان من الناس من يستقبله بضجر على ما سيفقده من الأكل متى أراد والشرب متى أراد، ومنهم ممن وسع الله عليه. من يستقبله بالسفر والهرب من بلاد المسلمين، ومنهم من يستقبله بالإكثار من أطعمة يخص بها رمضان، ومنهم من يستقبله بالفرح والاستبشار وحمد الله أن بلغه رمضان وعقد العزم على أن يعمره بما يزيد حسناته، ويقربه إلى ربه، وهكذا كان يصنع سلف الأمة الصالح رضي الله عنهم، حيث يؤثر عنهم أنهم كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم.
بم يستقبل رمضان؟ بالسرور والاستبشار ونفس صافية تستقبل ما يرد عليها من غذاء الروح، فليبادر إلى:
1. التوبة الصادقة، حيث إن الذنوب سبب حرمان العبد من خيري الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿ َمَآ أَصَٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٖ فَبِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖ﴾ (الشورى: 30) ولا مصيبة أعظم من الحرمان من الأعمال الصالحة، ولهذا – والله أعلم . شرع في كثير من الأعمال الصالحة استفتاحها بالاستغفار كدخول المسجد، ودخول الصلاة، اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب.. وكخطبة الحاجة في افتتاح خطبة الجمعة والعيدين والنكاح وغيرها إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره.
۲. عقد العزم الصادق على اغتنامه وعمارة أوقاته بالأعمال الصالحة، فمن صدق الله صدقه الله، وأعانه على الطاعة، ويسر له الخير، قال تعالى: ﴿فَلَوۡ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ﴾ (محمد: 21).
3. دعاء الله بالعون على الطاعة: فالله تعالى يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ﴾ (غافر: ٦٠) ومثل أن يتكرر هذا الدعاء «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». ويؤثر عن السلف أنهم كانوا يقولون إذا حضر رمضان اللهم قد أظلنا شهر رمضان وحضر، فسلمه لنا وسلمنا له وارزقنا صيامه وقيامه وارزقنا فيه الجد والاجتهاد، والنشاط وأعذنا فيه من الفتن.
٤- الإكثار من الأعمال الصالحة عمومًا: حتى تتهيأ النفس وتستعد ومن ثواب الحسنة.. الحسنة بعدها ولعل هذا، والله أعلم، من حكم إكثار النبيﷺ الصوم في شعبان، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت ما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صيامًا منه في شعبان.
مسائل وتنبيهات
المسألة الأولى: تحقيق التعبد وتكميله:
لا بد من تحقيق التعبد في الصيام وغيره من العبادات وإلا أصبح عادة رتيبة، فليس للمرء من عمله إلا ما نوى فابحث عما يحقق تعبدك ويكمله بشروط التعبد كلها (المحبة والخوف والرجاء من تلاوة القرآن بالتدبر وتذكر فضل ما تعمل وفضل ما تترك.
المسألة الثانية في قوله صلى الله عليه وسلم (إيماناً واحتساباً) قال صلى الله عليه وسلم: من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه..
ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، وقال ﷺ من قام ليلة القدر إيمانًا واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه.. انظر كيف تكرر قوله ﷺ في الجمل الثلاث إيمانًا واحتسابًا.. وجعل قيدًا لحصول ذلك الثواب العظيم: وهو مغفرة ما تقدم من ذنبه ومعنى هذه الجملة: أن العبد إذا أدى العبادة إيمانًا واحتسابًا كانت سببًا عظيمًا في زيادة إيمانه، فالإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وإذا زاد إيمانه ازداد طاعة.
المسألة الثالثة نداء لأئمة المساجد ودعاة الخير: حيث إن هذا الشهر الكريم تصفد فيه مردة الشياطين فلا يخلصون فيه إلى ما كانوا يخلصون في غيره. فضلًا من الله ومنة على عباده، ولذا ترى الناس أحرص على الخير وأبعد عن الشر منهم فيما سواء من أجل هذا فحرى بالداعين إلى الله أن يستفيدوا من هذا الخير ويغتنموا الفرصة في تعليم الناس ما جهلوا وتذكيرهم ما نسوا، وأشكال ذلك متعددة، فمنها اختيار الدروس المناسبة كالوقت بعد صلاة العصر وقبل صلاة العشاء أو غيرها مما يناسب ومما قد يختلف من ناس إلى ناس ومنها: إفادة الأهل والأقارب، وفي الحديث: خيركم خيركم لأهله، (رواه الترمذي وابن ماجه)، وإنه لمن الغفلة أن يهتم المرء بالناس بإرشادهم ودعوتهم وينسى أقرب الناس إليه وأحقهم ببره، وأعجب من ذلك أن يكون اهتمامه بغيره على حساب نفسه.
المسألة الرابعة: تقديم الفرض على النقل: في الحديث القدسي أن الله تعالى قال: وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلى مما افترضته عليه. (رواه البخاري). ويدخل في هذه المسألة الحرص على فريضة العشاء أكثر من صلاة التراويح في تبكيره، وطمأنينته فيها وتدبره القراءة فيها وغير ذلك، دون تقصير أو نقص من شأن التراويح، هذا على سبيل المثال لا الحصر.
المسألة الخامسة: في الوتر والقنوت: بعض الأئمة يطيل في الدعاء طولاً قد يشق على المصلين أو على بعضهم ومن العجب أنك ترى من الأئمة من يسرع في قراءته ويهزها هزا، فإذا دعا تأنى وكرر الدعاء وأطال فيه، فلأن يعتدل الدعاء خير من أن يؤدي ببعض المسلمين إلى شيء من السام والملل إلا أن يتحرى مناسبة كليلة يرجو أن تكون هي ليلة القدر أو ساعة رقت فيها القلوب، نحو ذلك والله أعلم.
المسألة السادسة: في اغتنام ساعات ثمينة يكثر التفريط فيها: هناك ثلاث ساعات ثمينة يكثر التفريط فيها وهي أول ساعة من النهار (بعد صلاة الفجر) وآخر ساعة من النهار، ووقت السحر، أما أول ساعة من النهار فتفوت غالباً بالنوم، وأما آخر ساعة من النهار فبالانشغال بإعداد الإفطار والتهيؤ له وساعة السحر تفوت أحياناً بطول الانشغال بالسحور، هذه أوقات فاضلة قال عنها ابن رجب رحمه الله في (المحجة في سير الدلجة) في شرح قول النبي ﷺ: استعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة يعني أن هذه الأوقات الثلاثة تكون أوقات السير إلى الله بالطاعات، وهي آخر الليل وأول النهار وآخره، وقد ذكر الله هذه الأوقات في قوله تعالى: ﴿فَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ غُرُوبِهَاۖ وَمِنۡ ءَانَآيِٕ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡ وَأَطۡرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرۡضَىٰ﴾، (طه: 130)، فهذه الأوقات الثلاثة منها وقتان، وهما أول النهار وآخره. يجتمع في كل من هذين الوقتين عمل واجب وعمل تطوع، فأما العمل الواجب فهو صلاة الصبح وصلاة العصر وهما أفضل الصلوات الخمس وهما البردان اللذان من حافظ عليهما دخل الجنة، وأما عمل التطوع فهو ذكر الله بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس، وقد وردت في فضله نصوص كثيرة (وكان السلف لآخر النهار أشد تعظيماً من أوله).