العنوان الاستغلال الأمريكي للأقليات (5) الإسلام والديانات الوضعية
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 12-مارس-2011
مشاهدات 54
نشر في العدد 1943
نشر في الصفحة 56
السبت 12-مارس-2011
- مطالبة التقرير الأمريكي مصر بأن تسمح بالزواج بين المسلمين، وأهل الديانات غير السماوية تكشف عن جهل وافتراء.
- المرجعية الوضعية الغربية تجعل الشذوذ وزواج المثليين والمثليات من الحرية وحقوق الإنسان، بينما المرجعية الدينية في الديانات الثلاث تنكر ذلك وتحرمه.
تكشف مطالبة التقرير الأمريكي مصر بأن تسمح بالزواج بين المسلمين وأهل الديانات الوضعية -غير السماوية- عن جهل وافتراء، فمصر ليس بها ديانات غير سماوية، حتى تطالب بالزواج بهم ومنهم.
ثم إن حكمة منع الشريعة الإسلامية زواج المسلمة ممن لا يعترف بعقيدتها ولا يحترم رموز دياناتها، سارية ومنطبقة على هذه الحالات.
أما المسلم، فإنه -بحكم عقيدته الدينية- مطالب بأن يعامل أهل الديانات الوضعية معاملة الكتابيين، ولقد جاء في سنة رسول الله ﷺ أن عمر بن الخطاب «٤٠ ق. هـ- ٢٣هـ/ ٥٨٤- ٦٤٤م» عندما فتح المسلمون بلاد فارس التي كان أهلها زرادشت يقدسون النار، عرض أمرهم علي مجلس الشورى -مجلس السبعين- طالبا سنة رسول الله ﷺ في التعامل مع أهل هذه الديانات الوضعية، «فوثب عبد الرحمن بن عوف «٤٤ ق. هـ- ٣٢هـ/ ٥٨٠- ٦٥٢م» وقال: أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سنوا فيهم سنة أهل الكتاب «رواه الإمام مالك في الموطأ»»، فعومل أهل الديانات الوضعية في التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية معاملة أهل الكتاب، احترمت عقائدهم، بل وبنت الدولة الإسلامية معابدهم، وشملتها بالحماية والاحترام، ومن ثم تزوج المسلمون من بناتهم ونسائهم، محترمين العقائد والمشاعر لأولئك الزوجات، والأمر الذي تجدر ملاحظته والتنبيه عليه، هو أن إثارة التقرير الأمريكي المثل هذه القضايا وبهذا المنهاج، إنما يعكس حقيقة أن الخلاف بين المسلمين وبين واضعي هذا التقرير ليس حول «درجة الحرية والحقوق»، وإنما هو حول «مفهوم الحرية والحقوق»، فالمرجعية الوضعية الغربية تجعل الشذوذ الجنسي وزواج المثليين والمثليات مثلًا من الحرية وحقوق الإنسان، بينما المرجعية الدينية في الديانات السماوية الثلاث تنكر ذلك كل الإنكار، وتحرمه تمام التحريم، فهل يجوز لأصحاب المرجعية الغربية اللادينية أن يطلبوا منا تبني مفاهيمهم ومعاييرهم في الحرية وحقوق الإنسان، واستبدال هذه المفاهيم اللادينية بالمفاهيم الإسلامية والمعايير التي حددها الإسلام في الحرية والحقوق، وإلا كنا متعصبين دينيا، واضعين القيود على الحرية وحقوق الإنسان؟!
إن الغريب والخطير هو محاولة الغرب -الذي يمثل ۲۰٪ من البشرية- باسم العولمة فرض مفاهيمه اللادينية في الحريات والحقوق على الأمم والحضارات غير الغربية، بل وفرض هذه المفاهيم اللادينية على المسيحية في بلاده ذاتها!
وفوق ذلك، فإن الغرب وخاصة أمريكا عندما تعمل على فرض مفاهيمها ومعاييره على الآخرين، إنما تخون الليبرالية التي تتشدق بها، والتي تقوم على الاعتراف بتنوع الثقافات والحضارات، وتدعو لاحترام هذا التنوع في الثقافات الوطنية للدول.
لقد أعلن السناتور الأمريكي «جوزيف ليبرمان» وهو مرشح ديمقراطي سابق لمنصب نائب الرئيس سنة ٢٠٠٠م، أعلن عقب أحداث ١١ سبتمبر سنة ٢٠٠١م
«إنه لا حل مع الدول العربية والإسلامية إلا أن تفرض عليها أمريكا القيم والنظم السياسية التي نراها ضرورية، فالشعارات التي أعلنتها أمريكا عند استقلالها لا تنتهي عند الحدود الأمريكية، بل تتعداها إلى الدول الأخرى» (1)![2]
وفي هذا «الاستعلاء- الأمريكي» إهدار لما استقر عليه الأمر في الشرعية الدولية وفي القانون الدولي من ضرورة مراعاة السيادة الوطنية للدول، واحترام الخصوصيات الثقافية الوطنية والتمايزات العقدية للأمم والحضارات.
إن سعي أمريكا إلى فرض مفاهيمها ومعاييرها في الحريات والحقوق، إنما يمثل انتهاكا صارخا للشرعية الدولية والقانون الدولي، إضافة إلى إهداره لثوابت الليبرالية التي طالما ادعوا أنها روح «الحلم الأمريكي»! إن أمريكا هي دولة من بين قرابة مائتي دولة تتمتع بعضوية الأمم المتحدة، وهي تجمع لكثير من الأعراق والأقليات، لم تصل بعد إلى تكوين «أمة»، وهي من الدول الفقيرة في التراث والتاريخ الحضاري، لذلك، كان غريبا أن تحاول فرض مفاهيمها على الأمم والحضارات الضاربة بجذورها في أعمق أعماق التاريخ.
-------------------------------
الهامش
(1) صحيفة «الأهرام» في ١٦/ ١/ ٢٠٠٢