; الاستغلال الأمريكي للأقليات (9): أوهام «الخط الهمايوني» | مجلة المجتمع

العنوان الاستغلال الأمريكي للأقليات (9): أوهام «الخط الهمايوني»

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر السبت 16-أبريل-2011

مشاهدات 51

نشر في العدد 1948

نشر في الصفحة 50

السبت 16-أبريل-2011

  • «الخط الهمايوني» ومعناه «المرسوم الشريف» لم يكن في يوم من الأيام قانونًا مطبقًا في مصر حتى عندما كانت مصر ولاية عثمانية ممتازة.
  • هذا القانون صدر في عهد السلطان العثماني «عبد المجيد خان» ضمن القوانين الإصلاحية.. وجاء مفخرة لحقوق الإنسان ومحققًا لمساواة غير المسلمين بالمسلمين.
  • ساوى بين المصريين جميعًا في الحقوق والواجبات وفي تولي الوظائف العامة والتجنيد.
  • القانون 19 لسنة 1927م الصادر عن مجلس الوزراء المصري بتنظيم الكنائس والمعاهد الإسلامية هو المرجع في تصاريح بناء الكنائس.. وليس هناك تصريح واحد يشار فيه إلى «الخط الهمايوني».

ليس أبلغ في الجهل والافتراء من حديث التقرير الأمريكي عن القيود التي يفرضها «الخط الهمايوني» العثماني، الصادر سنة ١٨٥٦م على بناء الكنائس بمصر.. فهذا «الخط الهمايوني» -ومعناه «المرسوم الشريف»- لم يكن في يوم من الأيام قانونًا حاكمًا ومطبقًا في مصر، حتى عندما كانت مصر ولاية عثمانية ممتازة.. فلقد تمتعت مصر باستقلال في التشريع والعدل والحقانية عن الدولة العثمانية منذ عهد محمد علي باشا الكبير «١١٨٤- ١٢٦٥هـ/ ١٧٧٠- ١٨٤٩م) في النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي.. وعن هذه الحقيقة التي يجهلها أو يتجاهلها الكثيرون، يقول المؤرخ الحجة -مؤرخ الحركة القومية والوطنية لمصر- عبد الرحمن الرافعي «۱۳۰۷- ١٣٨٥هـ/ ١٨٨٩- ١٩٦٦م»:

«إن حكومة مصر، في عهد محمد علي وخلفائه، لم تنازعها تركيا يومًا ما في حقها المطلق في التشريع والتقنين بكل أنواعه، ولم تتدخل البتة في هذا الصدد إطلاقًا» (1).

ويشهد على هذه الحقيقة.. حقيقة استقلال مصر في التشريع والتقنين والعدل والحقانية:

  • أن الإصلاحات التي صدر من أجلها «الخط الهمايوني» سنة ١٨٥٦م، ومنها إلغاء الجزية، والتجنيد الإجباري لغير المسلمين -كالمسلمين- في الجيش والمساواة بين غير المسلمين والمسلمين في الحقوق والواجبات، جميع هذا الإصلاحات قد سبقت إليها مصر في عهد محمد علي وقننتها في عهد الخديو سعيد «۱۲۳۷- ١٢٧٦هـ/ ١٨٢٢ -١٨٦٣م» في سنة ١٨٥٥م، أي قبل صدور «الخط الهمايوني» العثماني.
  • وكذلك النص الوارد في الفرمان العثماني الصادر لمحمد علي باشا في أول يونيو سنة ١٨٤١م، بضرورة «ملاحظة الظروف المحلية لمصر المختصة بالعدل والحقانية».
  • وما جاء في الفرمان العثماني الشامل، الصادر للخديو إسماعيل «١٢٤٥- ١٣١٢هـ/ ۱۸۳۰- ١٨٩٥م» في 8 يونيو سنة ۱۸۷۳٣م، من النص على «الترخيص الكامل للخديو في إعمال قوانين ونظامات داخلية على حسب الأحوال والمواقع وأمزجة الأهالي وطبائعها»، وعلى «أنه لا يسري بمصر من القوانين العثمانية إلا «المبادئ العمومية المنشورة في تنظيمات «كلخانة»، أعني تأمين الأرواح والأموال والشرف»، أي ما يمكن أن نسميه مبادئ حقوق الإنسان في الإسلام (2).
  • ويزيد هذه الحقيقة –حقيقة استقلال مصر عن الدولة العثمانية في التشريع والتقنين والعدل والحقانية- أن القانون العثماني المتعلق بالمسلمين، لم يكن مطبقًا هو الآخر في مصر، فاستقلالها التشريعي كان كاملًا لكل أبنائها من المسلمين والمسيحيين.. ولذلك، فإن «مجلة الأحكام العدلية» التي قننت فيها الدولة العثمانية فقه المذهب الحنفي سنة ١٨٦٩م لم تطبق في القضاء المصري، ولم تصبح تشريعًا مصريًا في يوم من الأيام، وإنما طبقت في الولايات العثمانية، التي لم يكن لها استقلال تشريعي، مثل: العراق، وسورية وليبيا.. وغيرها من الولايات العثمانية.
  • وإذا كان هذا «الخط الهمايوني» قد صدر -ضمن الإصلاحات التي صدرت للأقليات غير المسلمة- فأقام «نظام الملل» لهذه الأقليات، فإن «نظام الملل» هذا لم تعرفه مصر، ولم يطبق فيها على المسيحيين المصريين، ولا على اليهود المصريين.. وكما يقول الباحث القبطي سمير مرقس: «فإنه حتى في إطار الدولة العثمانية لم يورد الأقباط كأقلية، ولم تنطبق عليهم قضية «الملة» مقارنة بكل الأقليات في الدول التابعة حينذاك للدولة العثمانية (4).

كما يشهد الباحث القبطي نبيل مرقس على: «أن مصر وإن كانت وقت صدور الخط الهمايوني سنة ١٨٥٦م ولاية تابعة للدولة العثمانية، إلا أن أساتذة تاريخ القانون يجمعون على أنه، وبالرغم من التبعية السياسية، كانت مصر تتمتع باستقلال تشريعي، الأمر الذي يكون معه الخط الهمايوني مجردًا من أي قيمة تشريعية ملزمة بالنسبة إلى مصر» (5).

فلا «الخط الهمايوني كان تشريعًا مطبقًا في مصر، ولا الأقباط في مصر كانوا يعاملون كأقلية، «إنما كانوا جزءًا من نسيج الشعب الواحد في مصر».

ومع ذلك، ورغم كل ذلك، يدعي تقرير الخارجية الأمريكية أن هذا «الخط الهمايوني» لا يزال مطبقًا في مصر حتى القرن الحادي والعشرين!

قوانين مصرية خالصة:

والحقيقة التي يجب أن يعلمها الجميع، أن القوانين والطوائف المسيحية، مثلها كمثل القوانين المنظمة للمؤسسات الإسلامية، هي قوانين مصرية ووطنية خالصة:

  • ففي سنة ١٨٨٢ م صدرت لائحة تنظيم المحاكم الشرعية الإسلامية.
  • وفي 7 رجب سنة ١٣٠٠هـ/ ١٤ مايو ۱۸۸۳م، صدر «دكريتو» تقنين لائحة الأقباط الأرثوذكس، والذي عُدل بالقانون رقم 3 لسنة ۱۹۱۲م، ثم عُدل بالقانون رقم ١٩ لسنة ١٩٢٧م.
  • وفي أول مارس سنة ١٩٠٢م صدر «دكريتو» لائحة تقنين أحوال النصارى الإنجيليين.
  • وفي ١٨ نوفمبر سنة ١٩٠٥م صدرت لائحة «دكريتو» تنظيم أحوال النصارى الأرمن الكاثوليك.

فكانت التقنينات الوطنية المصرية هي المنظمة لأحوال المؤسسات والطوائف المسيحية، كما كانت المنظمة لنشاطات المؤسسات الإسلامية.

ويشهد على ذلك -فوق كل ما قدمنا.

  • أن القانون رقم 19 لسنة ١٩٢٧م الصادر عن مجلس الوزراء المصري بتنظيم الكنائس المصرية، والمعاهد الدينية الإسلامية، هو الذي يشار إلى مرجعيته في تصاريح بناء الكنائس، وليس هناك تصريح واحد ببناء كنيسة واحدة يشار فيه إلى «الخط الهمايوني» العثماني.

تشويه متعمد: لكن الجهل وسوء النية عند الذين أمدوا الخارجية الأمريكية بالمعلومات قد بلغوا هذا الحد الغريب والعجيب في استغلال كلمة «الخط الهمايوني» -الغريبة- في الإساءة إلى سمعة مصر في تعاملها مع مواطنيها المسيحيين، مع أن كلمة «الهمايوني» التركية معناها «الشريف»! ومع أن هذا «المرسوم الشريف» لم يكن في يوم من الأيام قانونًا مصريًا.

وأخيرًا، فإن هذا الخط الهمايوني -الذي يشار إليه كما يشار إلى الغول- قد صدر في عهد السلطان العثماني عبد المجيد خان «١٢٥٥- ۱۲۷۷هـ/ ۱۸۳۹- ١٨٦١م» ضمن القوانين التقدمية التي سميت يومئذ «بالإصلاحات الخيرية»، والذي جاء مفخرة لحقوق الإنسان في الدولة العثمانية، ومحققًا لمساواة غير المسلمين بالمسلمين في «رعيتها –تبعيتها».. ويكفي أن نقرأ فيه؛ لإزالة الأوهام التي يتاجر بها الكثير في بعض النصوص:

  1. فلحماية أموال الرهبان؛ جاء بالخط الهمايوني: «... ولا يحصل السكوت على أموال الرهبان المسيحيين المنقولة وغير المنقولة، بل يصير حسن المحافظة عليها إلى مجلس مركب من أعضاء ينتخبهم رهبان وعوام كل طائفة، لإدارة مصالح طوائف المسيحيين والتبعة غير المسلمة».
  2. ولإزالة عبارات التمييز والتحقير من المكاتبات والمحررات والمخاطبات، جاء في «الخط الهمايوني»: «تُمحى وتزال إلى الأبد من المحررات الرسمية الديوانية كافة التعبيرات والألفاظ المتضمنة تحقير جنس الجنس آخر في اللسان أو الجنسية أو المذهب من أفراد تبعة سلطتنا السنية، ويُمنع -قانونًا- استعمال كل وصف وتعريف يمس الشرف أو يستوجب العار بين أفراد الناس ورجال الحكومة.
  3. ولتقرير الحرية الدينية في الاعتقاد أو أداء الشعائر، جاء في «الخط الهمايوني» «... وبما أن عوائد كل دين ومذهب موجودة بممالكنا المحروسة جارية بالحرية؛ فلا يمنع أي شخص من تبعتنا الملوكية من إجراء رسوم الدين المتمسك به، وألا يؤذى بالنسبة لتمسكه به، ولا يجبر على تبديل دينه ومذهبه».

مساواة بين الرعية:

  1. ولتقرير المساواة بين جميع الرعية، من كل الديانات والمذاهب، في تولي الوظائف العامة بالدولة والالتحاق بالمدارس -المدنية والعسكرية- جاء في «الخط الهمايوني»: «... ولكون انتخاب وتعيين خدمة مأموري سلطتنا السنية منوطًا بانتساب إرادتنا الملوكية، فيصير قبول تبعة -رعية- دولتنا العلية من أي ملة كانت في خدماتنا ومأمورياتها، بحيث يكون استخدامهم في المأموريات بالتطبيق للنظامات المرعية الإجراء في حق العموم بحسب استعدادهم وأهليتهم، وإذا قاموا بإيفاء الشروط المقررة بالنظامات الملوكية المختصة بالمطالب التابعة لسلطتنا السنية بالنسبة للسن والامتحانات يصير قبولهم في مدارسنا الملكية والعسكرية بلا فرق ولا تمييز بينهم وبين المسلمين».
  2. كما فتح الخط الهمايوني الباب أمام الأقليات غير المسلمة لإنشاء المدارس الخاصة بهم، فجاء فيه: «... وعدا ذلك، فإن كل طائفة مأذونة بإعداد مكاتب أهلية للمعارف والحرف والصنائع، إنما طرق التدريس وانتخاب المعلمين يكون تحت ملاحظة مجلس المعارف المختلط المعين أعضاؤه من طرفنا الملوكي.

الخدمة العسكرية:

  1. ولتحقيق كامل المساواة بين المسلمين وغيرهم في الخراج والخدمة العسكرية وسائر الحقوق جاء في «الخط الهمايوني»: «وكما أن مساواة الخراج تستوجب مساواة سائر التكاليف، فالمسيحيون وسائر التبعة «الرعية» غير المسلمة يسحبون نمرة -قرعة- مثل المسلمين، ويجبرون على الانقياد للقرار الصادر أخيرًا «بالتجنيد» وتجرى عليهم أحكام المعافاة من الخدمة العسكرية بتقديم البدل الشخصي أو النقدي».
  2. ولتقرير المساواة بين كل الرعية في انتخاب مجالس الولايات والمديريات جاء في الخط الهمايوني: «... وتنتخب أعضاء المجالس الموجودة بالولايات والمديريات من التبعة -الرعية- المسلمة والمسيحية وغيرها بصورة صحيحة».

المجلس الأعلى للدولة:

  1. كما نص «الخط الهمايوني» على إشراك مندوبين عن الطوائف غير المسلمة في مداولات ومشاورات المجلس الأعلى للدولة العثمانية، مع إعطاء الحصانة لأعضاء هذه المجالس.. فجاء فيه: «يصير جلب مأمور من المأمورين الذين سيعينون من طرفنا الملوكي مع رؤساء كل طائفة لأجل أن يتواجدوا بالمجلس الأعلى للمذاكرة في المواد المختصة بعموم تبعة سلطتنا السنية، وهؤلاء المأمورون يعينون لمدة سنة، ولهم أن يبدوا آراءهم، وملحوظاتهم بكل حرية في اجتماعات مجلسنا الأعلى، بدون أن يحصل لهم أدنى ضرر».
  2. ولإصلاح أي خلل في المساواة بين غير المسلمين والمسلمين في التكاليف المالية والخراج، جاء في «الخط الهمايوني»: «... ولكون التكاليف والخراج الموزع على كافة تبعة سلطتنا السنية لا ينظر فيه إلى أجناسهم ومذاهبهم، بل جاري تحصيله بصيغة واحدة، فيلزم المذاكرة في التدابير السريعة لإصلاح سوء الاستعمال الواقع في أخذ واستيفاء هذه التكاليف».
  3. ولتعديل وتصديق واعتماد شهادات الشهود غير المسلمين في الدعاوى التي تتعدد فيها مذاهب وديانات أطرافها، جاء في «الخط الهمايوني»: «... وتصدق شهادة الشهود بمجرد تحليفهم اليمين حسب قواعدهم ومذهبهم».

بناء الكنائس:

  1. أما بناء الكنائس الجديدة، فلقد أباحه «الخط الهمايوني»، بعد تقديم طلب البناء، والتأكد من ملكية الأرض التي سيتم عليها البناء، وذلك دون رسوم أو تكاليف... فجاء فيه: «وأما الأبنية المقتضى إنشاؤها مجددًا، يلزم أن تعرض البطاركة والمطارنة لبابنا العالي باسترحام «استخراج» الرخصة اللازمة عنها، فإن لم يوجد لدى دولتنا العلية موانع في الامتلاك تصدر بها رخصتنا السنية وكافة المعاملات التي تحصل فيما يماثل كل هذه الأشغال تكون مجانًا من قبل دولتنا العلية في التأمين على إجراء عوائد كل مذهب بكامل الحرية، مهما كان مقدار العدد التابع لهذه المذاهب (6).

هذه هي نصوص «الخط الهمايوني»؛ أيالمرسوم الشريف التي مثلت قفزة تقدمية نوعية على طريق الإصلاحات الخيرية في الدولة العثمانية -في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي- التي لا تزال في كثير من نصوصها أكثر سماحة وحرية وتقدمية وإنسانية في التعامل مع الأقليات، إذا قارناها بما يفرض على المساجد والمآذن والمدارس والأزياء الإسلامية في الكثير من بلاد الحضارة الغربية في القرن الحادي والعشرين.

ولا نغالي إذا قلنا: يا ليت الجاليات الإسلامية والمواطنين المسلمين في البلاد الغربية يطالبون حكومات تلك البلاد بتطبيق نصوص هذا «الخط الهمايوني» التي أوردناها على هؤلاء المسلمين!

هذا هو «الخط الهمايوني» الذي يصوره تقرير الخارجية الأمريكية غولا يفترس حريات الأقليات في بلادنا!

--------------------------------------

الهوامش:

(1، 2) عبد الرحمن الرافعي، «عصر محمد علي» ص ٣٦٢، ٣٦٣، طبعة القاهرة، سنة ١٩٥١م.

(۳) انظر نص هذا «الفرمان الشامل» في: محمد بك فريد، «تاريخ الدولة العلية» ص ٣٠٤- ٣٠٨، الطبعة الأولى.

(٤) د. سعد الدين إبراهيم «الملل والنحل والأعراق»، ص ٥٢٥ طبعة القاهرة، سنة ۱۹۹۰م.

(٥) نبيل مرهش «تقرير الحالة الدينية في مصر»، ص ۸۸، طبعة الأهرام، القاهرة، سنة ١٩٩٦م.

(6) محمد بك فريد «تاريخ الدولة العلية» ص ٢٥٦– ٢٦٠.

الرابط المختصر :