العنوان الحاسة الشعبية والانفجار
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-نوفمبر-1983
مشاهدات 58
نشر في العدد 647
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 29-نوفمبر-1983
الحاسة الشعبية والانفجار
• لم يمر على أمة من الأمم ما مر على أمتنا من محن ومآسي ونكبات حتى استقر في الذهن أن هذه الأمة خلقت من أجل أن تمتحن. ومهما كانت المحن شاقة فإن الصبر عليها سيكون أشق من المحنة نفسها ..... وبالتالي لابد أن تتقلص كل مساحات الاختيار أمام شعوبنا وأمام حساسية المسؤولية الضامرة فيها لتصل بلا أية مقدمات الى خيار واحد هو الانفجار.
• ولعل المحنة الحديثة للأمة تعود بجذورها إلى يوم سقوط الخلافة الإسلامية العثمانية حيث تكالبت على الأمة كل القوى الشريرة وجاءتها من كل حدب وصوب، ولم تستكن الشعوب للضربات المتتالية في تلك الفترة التي امتدت حتى نهاية الحرب العالمية الثانية حيث حل عصر التحرر من الاستعمار، وكل من أرخ لهذه الأمة يشهد أن الاستعمار الأوربي ما كان ليخرج لولا المواقف الشعبية الوطنية التي كانت في كثير من الأحيان تنطلق من منطلق إيماني يمتزج بحب الوطن والتضحية في الدفاع عنه.
• وفي مرحلة التحرر من الإستعمار لم تدر الشعوب كيف ورث المستعمر بعض عملائه حكم المواطن الحساسة على خارطة العالم الإسلامي .... فمن تحت ستار القومية والوطنية والاتجاهات التحررية برزت الفئات العميلة على السطح وخلال سنوات قليلة وصلت إلى سدة الحكم لتحكم بأهوائها عبر مختلف الطروحات العلمانية أو القومية أو الاشتراكية.
• وفي هذه المرحلة وقفت شعوب الأمة بسبب ضعفها أمام خيارين: خيار القبول بالأنظمة الشعارية غير الإسلامية، وخيار الأرض المفتوحة لمن هب ودب من قوى الشر الخارجي، ولعل الشعوب وهي في حالة ضعفها اجتهدت بقبول أخف الضررين.. فكان القبول.. أو السكوت على واقع تلك الأنظمة التي ما كان أحد يظن أنها ستتجاوز كل حدود العمالة والخيانة والنذالة في يوم ما.
ولم يكن الخيار المفروض الذي سكتت الشعوب عليه في الستينيات والسبعينات يحمل أي طالع حسن لمستقبل المنطقة العربية والعالم الإسلامي.....
الأحدث أثبتت العكس تمامًا ... حيث بدأ المسلسل الدموي يجتاح العاصمة تلو الأخرى ... والقطر تلو الآخر ولاسيما في دائرة الأقطار الثورية والعلمانية حتى كانت المآسي الضخمة التي شهدتها الأمة بدءًا من عام ١٩٧٦م في تل الزعتر ثم في حماة ... ثم في المخيمات الفلسطينية أخيرًا.
على أن الشعوب الصامتة اليوم تعرف كل شيء على الرغم من صمتها، لكن العجز الآني وصل بها بسبب القهر السلطوي إلى حد جعل بعض الفئات تعتقد أنها غير قادرة على تقديم أي عون أو مساعدة للفئات المنكوبة هنا وهناك ... وإذا كانت الشعوب لا تعذر أمام الله بمبرر العجز ... فإنها هي أيضًا لا تعذر نفسها على هذه السلبية المخالفة لفطرتها وتكوينها البشري. ولعل هذا الشعور سينجب في يوم ما مع ازدياد القهر السلطوي من رحم هذا الصمت ماردًا هادرًا لا تستطيع أية قوة أن تكبح جماحه أو تردع اندفاعه ... هكذا علمنا منطق التاريخ ... وهكذا كانت سيرة الأجداد ... وعلى هذا تكونت فطرة الشعوب أني كانت ... إن ماردًا يتخلق الآن في رحم الصمت لينفجر في يوم من الأيام بلا هوادة.. وبلا تريث ... وعندها لابد أن ينفلت الزمام أمام مد الشعوب التي ترفض كل أشكال الذل والهوان.
• إن المسؤولية الشعبية موجودة في إحساس كل فرد وإن كان ذلك الإحساس يبدو متبلدًا إلى حين... والعجز الشعبي الظاهر لن يستمر، وكلما قسى الطغيان ... كلما دنت ساعة الانفجار .. وإزاء هذه الحقيقة لن يكون أمام الثوريين والقتلة وأصحاب القبضة الحديدية الطاغوتية إلا الاندحار.
• هنا يعتقد كثير من المراقبين أن أمام الأنظمة المعتدلة فرصة كبيرة لاستئصال الأنظمة الفاسدة في بعض بلدان عالمنا الإسلامي .... وإذا تأخر الإصلاح الرسمي فإن الشعوب–قطعًا–لن تصبر على مآسي بعض الأنظمة .... لأنها سترى نفسها أمام خيار واحد هو خيار الاستقلال النهائي عن التوجهات الرسمية.
وعندها لابد وأن تولد حركة شعبية واعية تتطلع إلى مناخ حر لا يحكم فيه إلا منطق العدالة.. ولا يكون صاحب الكلمة فيه إلا الرأي الحر الذي لا يخاف سلطانًا ولا طاغوتُا على وجه الأرض.
• لنعد الآن إلى سير الأنبياء عليهم السلام جميعًا... لنجد هذه الحقيقة شاخصة في سلوك اتباعهم الذين قال قائلهم لفرعون: ﴿وَٱلَّذِي فَطَرَنَاۖ فَٱقۡضِ مَآ أَنتَ قَاضٍۖ إِنَّمَا تَقۡضِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَآ﴾ (طه: 72)، إنها إجابة الفطرة البشرية التي ترفض كل أشكال الذل وألوان المهانة ... إنه الاستعلاء الذي يجر الشعوب مهما كان ثقل العجز فيها إلى التحرر من كافة أشكال العبودية في هذه الأرض .... وهذه هي المأساة تلو المأساة ينزلها الطغاة بالشعوب المسلمة في لبنان ..... وفي أفغانستان وفي سورية وفي بعض مجاهل القارة الإفريقية .... ولن يكون هناك أخيرًا من حل غير الحل الذي سيلد من رحم هذا الصمت الذي لا يحسب الطغاة إلا أنه الاستسلام الكامل ... ولن يكون الحل المرتقب إلا الحل الذي يتماشي والفطرة البشرية أيضًا .... وذلك هو الذي بشر به الإسلام وأمر باستمداده من شريعة القرآن وسنة المصطفى محمد- صلى الله عليه وسلم - وخلفائه الراشدين.
• أيتها الأنظمة الطاغوتية:
لن نحدد الآن طبيعة تكوينك الهش الذي لن يتماسك أمام أية هزة جماهيرية مرتقبة. لكننا إذا حددنا لك المصير فإننا مازلنا مع شعوبنا المسلمة تمارس الصبر ونرقب أملًا يأتي أولا على يد الشرفاء فيحل إشكالاتك ويقلم أظافرك قبل أن يتحرك البركان الهادر .... وإلا فإن نداء الله أكبر لن يترك على هذه الأرض من الكافرين ديارًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل