; الافتتاحية: المال في خدمة القضية | مجلة المجتمع

العنوان الافتتاحية: المال في خدمة القضية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 24-أبريل-1973

مشاهدات 78

نشر في العدد 147

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 24-أبريل-1973

الافتتاحية المال في خدمة القضية وزعوا بطاقات الدعوة.. تنادوا من كل مكان... ركبوا باخرة ضخمة... سافروا إلى أين؟ إلى فلسطين المحتلة ومن هم؟؟ هم أغنياء.. من أغنياء اليهود!! جاءوا ليشهدوا احتفالًا بيوم احتلال فلسطين عام ١٩٦٧. المال اليهودي -إذن- في خدمة قضايا وأهداف اليهود فهؤلاء الأغنياء دأبوا على..... الحركة الصهيونية بالمال..... وبعدا قبل أن تقيم لها كيانًا من أنقاض جزء من وطننا الأبي. وبعد أن احتلت فلسطين... استباحتها فهل جاء هؤلاء الأغنياء لرد الفرجة... والتقاط صور تذكارية عند حائط المبكى... أو في غرفة التوراة؟! الهوايات شيء ثانوي أو في الدرجة السابعة أو الثامنة نسبة لرحلتهم هذه أما الأهداف الرئيسية فهي: الاطلاع على حركة الهجرة اليهودية من روسيا إلى فلسطين المحتلة... ومشاهدة مشروع إقامة هيكل سليمان ومتابعة التوسع اليهودي في سيناء والجولان، وأهم من ذلك.. التبرع الدعم هذه الخطط وغيرها دعمًا ماليًا. - وأحجام تبرعات اليهود -في مثل هذه الأحوال- تبلغ مئات الملايين.. ولعل العرب يذكرون الأرقام المالية الخيالية التي تبرع بها أثرياء اليهود في أعقاب حرب يونيو عام ١٩٦٧؟ يهودي واحد كان يملك ثلاثين مليونًا من الدولارات... وتقدمت به السن.. ولم ينجب إلا بنتًا واحدة... هذه الثروة رصد عشرها لبنته ونصف عشرها لكليه.. وتبرع بالباقي للجامعة العبرية!! مالهم -كما هو واضح- يسخر لخدمة أهدافهم. ولا يملك اليهود من المال أكثر مما يملك العرب... المال العربي يحتاج فقط إلى التوظيف.. وحسن الاستثمار.. التوظيف من أجل قضيتنا.. والاستثمار من أجل تنمية أهدافنا المرحلية.. وأهدافنا البعيدة في الثمانينات سيملك العرب أعظم ثروة نقدية في العالم وهي ثروة ستطرد لان ۷۰ %من الاحتياطي الثابت من بترول العالم مخزون في الأرض العربية. وهذا الغني المستقبلي يتطلب دراسات مستقبلية واسعة. الانتفاع بنعمة الله.. يتطلب هذه الدراسة وتربية عقلية اقتصادية... يتطلب هذه الدراسة وإيصاد الأبواب أمام المطامع والأنانيات الدولية... يتطلب هذه الدراسة فما من ثروة ظلت بدون توجيه... وما من طاقة بقيت بغير استغلال إلا أتخذها الطامعون مبررًا لأطماعهم وتدخلهم. ويقولون اليوم -بحكم العادة القديمة- أن أموال العرب أكثر من حاجاتهم الضرورية.. وأكثر من طموحهم في الرفاه؟ فهل صحيح أن الأموال العربية أكثر من حاجات العالم العربي؟؟ الواقع.. يؤكد غير ذلك!! فمنطقة تحسب في نطاق «العالم تحت التنمية».. أو في العالم المتخلف بالقياس إلى الدول الصناعية المتقدمة.. منطقة فاتها حظ عظيم من التقدم في كل المجالات وتريد أن تسرع الخطى لتعوض ما فاتها.. وتلحق الموكب الإنساني.. وتتقدم لتساهم في بنائه.. منطقة هذه... أوضاعها تبتلع من الأموال أضعاف ما تملكه اليوم أو غدًا.. أن نظرة الطامعين.. في ثرواتنا تنبثق من تقديرهم لاستمرارنا في تلبية الحاجات البدائية.. لا الحضارية. فمن المقرر أن الإنسان كلما كان أكثر إيغالًا في البدائية كلما كان أقل طموحًا.. وأضأل حاجات. فالبدائية التي تقتات من الصيد.. ومن ثمار الأشجار وتسكن الأكواخ وتلبس الجلود بعد نزعها من الفريسة مباشرة.. - تقنع بذلك ولا يصعد طموحها مقدار سنتيمتر إلى فوق. هذه البدائية حاجاتها قليلة. أما الإنسان المتحضر فله حاجات حضارية واهتمامات أكبر وطموح أعلى وبنفس المعيار يقاس المجتمع المتحضر. والعالم العربي سيعمق أوهام الطامعين إذا ظل قانعًا بالمستوى الذي يعيش فيه من مشاريع الإنماء ومشاريع الخدمات. إن المجتمع النامي باطراد يولد حاجات متنامية باستمرار وتوقف الرغبة في حاجات جديدة يعني عقم نمو المجتمع وارتداده إلى البدائية الذابلة الكسول. وهذه هي مرحلة الانقراض الطوعي. مرحلة الانقراض لأن عدم الاهتمام أو عدم القدرة على تلبية الحاجات المتجددة يؤدي إلى تعطيل خصائص وطاقات الإنسان الفرد والمجتمع والأمة، ويؤدي إلى فقدان الأمل والتطلع إلى مستقبل أحسن وأنضر رقيًا. وإنشاء «حاجات» جديدة للعالم العربي لا يحتاج إلى بعث شامًلا أو جهد يبدأ من الصفر. إذ إن التطلعات إلى أوضاع إنتاجية واستهلاكية أفضل تعمر صدور الناس وخيالاتهم بسبب الارتفاع المتزايد في نسبة التعليم وبسبب المقارنة بين أوضاعنا وأوضاع البلدان المتقدمة وبسبب الرغبة في القيام بدور حضاري أصيل يدفعنا إلى الصف الأول في مسيرة القافلة الإنسانية. التطلعات موجودة وعلى مستوى واسع. الذي ينقص العالم العربي هو «التخطيط» لتلبية هذه التطلعات وإشباع الحاجات. أليس من النكات غير المضحكة أنه في الوقت الذي يقتضي دراسة متطلبات الناس، وتوفيرها وتشجيعهم على تنمية الرغبة في استحداث حاجات جديدة، أليس من النكات غير المسلية أن يعمد أناس إلى قمع هذا الطموح الشعبي واتهام الذين يطالبون بزيادة الأجور وتسهيلات أوسع في الخدمات بأنهم خونة وإمبرياليون؟ هل معنى الأمانة والتحرر أن يظل الناس بدائيين لا طموح لهم ولا تطلع وفي عصر يطالعنا كل صباح بجديد؟ ولنعد إلى مانشيت الغلاف «المال في خدمة القضية» أما المال فهو المال العربي خاصة المال البترولي. هذا المال- قيامًا بواجبه وحماية لنفسه من السيطرة الأجنبية- من الضروري أن يوظف لخدمة قضيتنا. ما هي قضيتنا؟ القضية المركزية التي تواجهنا وتتحدانا: هي: التخلف. ووجود الاحتلال اليهودي مظهر من مظاهر تخلفنا والطمع الدولي في بلادنا وثرواتنا ما غزانا إلا بعوامل التخلف الذاتية فينا، والتخلف ليس غولًا غير مفهوم الهوية ولا شبحًا يلوح ويختفي في غموض خرافي. التخلف هو: تفريطنا في استغلال طاقاتنا. في اجتماع محافظي الصندوق العربي للإنماء الذي انعقد هنا في الأسبوع الماضي ألقى السيد عبد الرحمن العتيقي وزير المالية والنفط كلمة مركزة وجريئة أوضح في بعض جوانبها تفريط العالم العربي في طاقاته وثرواته ومن فقرات الكلمة: • «ومن المهام الأخرى التي نعتقد أنها تستحق أيضًا أولوية خاصة في عمل الصندوق أن يسعى إلى استقطاب تلك الكفاءات العربية الكثيرة التي أهدرناها وعجزنا عن استغلال مواهبها فلم ندر لها فرص العمل المناسب لما هي عليه من مستويات رفيعة فاضطرت إلى هجر بلادنا وانتشرت في أنحاء العالم الغربي تعمل في مصانعه ومعاهده ومؤسساته العلمية مسهمة في بناء أوطان غير أوطانها» وعن أموال النفط قال: «لقد ترتب على الأوضاع السائدة في العالم العربي وعلى افتقارنا للهيئات والأجهزة المالية المتخصصة ذات الكفاءات والخبرات العالية وعلى عدم توفر المشاريع المدروسة السليمة الصالحة لتكون محلًا لاستثمار مطمئن مجز. إن هاجرت تلك أموال أيضًا إلى الخارج وراحت تتلقفها المصارف وبيوت الاستثمار الأجنبية» هذا تقرير من رجل وثيق الصلة جدًا بالنفط والمال. إننا لا ينقصنا المال ولا تنقصنا الكفاءات والحديث عن المال قرين الحديث عن الكفاءات لأن توظيف الأموال واستثمارها في خدمة قضايانا يحتاج إلى الأيدي الأمينة الخبيرة. وبالمال والخبرات يمكن أن نؤمن مصير ثرواتنا وندفعها لخدمة أهدافها. هناك ثلاث مجالات لتوظيف الأموال: 1- البحث والدراسات العلمية هذا مجال واسع للإنفاق المالي وهو مجال جد حيوي ومهم، ففقداننا للبحث العلمي والدراسات العلمية جعل- مثًلا- شؤون النفط تنقيبًا واستدراجًا وتسويقًا في يد غيرنا، ولا ينبغي أن يتكرر هذا الوضع في المستقبل. في أكتوبر القادم سيعقد- في كاليفورنيا- مؤتمر دولي للبحث عن الثروة في أعماق البحار والمحيطات. هذا نموذج من الدراسات التي تستحق الإنفاق بسخاء. - فهو يعطينا زمام المبادر باستغلال ثرواتنا. - وهو يوظف كفاءاتنا الفنية ويجتذبها من الخارج. وهو يستثمر الأموال بطريقة علمية ويفوت الفرصة على الذين يقولون بصراحة: إن العرب سفهاء ولا بد من الحجر على أموالهم. 2- مجال المشاريع الإنمائية زراعية وصناعية في العالم العربي. إن الأرض الصالحة للزراعة لا تزال تنتظر المال لحرثها وإخصابها بالماء والسماد. وحركة التصنيع تسير بخطى بطيئة جدًا وتحتاج إلى دفعات قوية لكي تنهض وتتحول بالفعل إلى مجتمعات صناعية. - مجال الخدمات، بل التوسع في الخدمات التعليمية والصحية والمواصلات ومكافحة تلوث البيئة.. إلخ.. إلخ.. لقد هجم التبشير على العالم الإسلامي في شكل خدمات من هذا النوع. وفي الإسلام نصيب من المال للمؤلفة قلوبهم فلماذا لا تحافظ على الإيمان في نفوس كثير من المسلمين أنفسهم عن طريق توفير مثل هذه الخدمات لهم. إننا نرحب باقتراح السيد عبد الرحمن العتيقي حيث قال: «إن الوقت لا شك قد حان لكي تعمل على انتهاج سياسة نقدية واستثمارية عربية تنبع من مصالحنا وتدعم اقتصادنا وتنمي أوطاننا العربية والإسلامية» نرحب به وندعو الدول العربية الغنية أن تجمع أمرها وتدفع بأموالها في هذا الاتجاه المستنير.
الرابط المختصر :