العنوان تهافت العقل العر بي أمام اتفاق (غزة - أريحا)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 14-سبتمبر-1993
مشاهدات 55
نشر في العدد 1066
نشر في الصفحة 6
الثلاثاء 14-سبتمبر-1993
الضعف العربي في القدرة السياسية والعسكرية والاقتصادية لا ينكره أدنى فرد في الأمة، إن الحالة المرضية لتراجع العقل العربي أمام الواقع المتغير الجديد مثل سرعة التطبيع والاختراق والتحول في هذا العقل بدت واضحة في ردة الفعل العربية تجاه اتفاق غزة - أريحا أولًا، لقد بدا واضحًا ذلك التغير في التصورات والمفاهيم حول حقائق الصراع العربي "الإسرائيلي"، وتحولها إلى صيغ جديدة من الأفكار والمفاهيم؛ حيث تبنى الكثير من القادة والسياسيين والمفكرين ومثقفي العرب إهدار الحق العربي في فلسطين كما بدا واضحًا، وقد تكررت مقولات أن المعارضين لاتفاق منظمة التحرير الفلسطينية مع "إسرائيل" غير واقعيين ويجب أن يكونوا آخر المتكلمين، ودعا البعض إلى انتفاء مبررات الصراع وتمادى آخرون إلى أهمية أن تُعطى ضمانات إقليمية في لبنان لتحقيق شروط "إسرائيل" في أمن شمالها من عمليات حزب الله، ووصلت حالة الانحطاط في العقل العربي إلى إسقاط القضية الفلسطينية عربيًا وإسلاميًا واعتبارها شأنًا فلسطينيًا بحتًا، وكأن القدس وفلسطين ليستا أرضًا إسلامية يتوجب الجهاد في سبيلهما.
كما وصلت حالة الضعف في العقل السياسي العربي
إلى حالة من الإحباط واليأس، فقد تهافت مفكرو وسياسيو العرب إلا من رحم الله
للترحيب السريع باتفاق غزة - أريحا دون النظر إلى النتائج الاستراتيجية على الموقف
العام للأمة والموقف السياسي، والاقتصادي، والعسكري للعرب وللمسلمين.
وذهب العقل العربي إلى التبرير الافتراضي
لترضية العقل وترويضه وتسلية النفس بما سيحققه هذا الاتفاق من مكاسب للفلسطينيين،
وأن الفلسطينيين في الداخل سوف يؤيدون الحكومة الانتقالية الفلسطينية، وسيعارضون
أي إساءة للحكم الذاتي وقد تحسر بعض مفكري العرب على أن لو تحقق هذا الاتفاق
السياسي مع "إسرائيل" قبل بضعة أعوام لتحققت مكاسب أكبر، ويدعو هؤلاء
إلى مدرسة سياسية جديدة للواقع العربي، وأن هذا الاتفاق بداية سقوط جدار برلين
العربي وهي مقولة يرددها البعض نقلًا عن جريدة نيويورك تايمز حيث شبهت هذه الجريدة
مشروع اتفاق غزة - أريحا كسقوط حائط برلين، وأنه يمثل انتصارًا للواقعية على
الخيال والتطرف مما يدعو للمرارة، والألم في هذه الحالة المرضية هو اختراق العقل
العربي وتطبعه بحسن الظن "بإسرائيل" واليهود، وأن السلام والعدل والحقوق
سترجع عند بدء تنفيذ هذا الاتفاق ويظن هؤلاء أنهم يعيشون في الوعي، فحالة اللاوعي
وغياب العقل العربي تبدو وكأنها تناست التكوين النفسي لليهود الذي وصفه كتاب الله
سبحانه وتعالى ووصف غدرهم وإصرارهم وعنادهم ومحاربتهم للإسلام: ﴿وَلَنْ تَرْضَى
عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة 120).
فاليهود يخططون وفق سياسة المراحل
الاستراتيجية لترويض وتطبيع العقل والنفسية العربية لتتعايش مع حالة الضعف والتآكل
في نفسها، فإلى عهد قريب كانت المباحثات واللقاءات السرية خيانةً، وجريمةً، وطنيةً،
وقوميةً. والآن أصبحت هذه اللقاءات والمباحثات جزءًا من الإثارة اليومية للعقل
العربي، وتبلدًا في الإحساس النفسي عند بعض المفكرين والمثقفين والسياسيين ما عدا
كثيرًا من الناس، بل أصبحت مطلبًا سياسيًا لعلاج قضايا سياسية وأمنية وعسكرية بين
العرب و"إسرائيل" والناظر إلى بنود الملاحق السرية لإعلان المبادئ بين
منظمة التحرير و"إسرائيل" سيجد الخيانة تسطر في كل فقرة من فقرات هذا
الاتفاق، لكن العقل العربي مغيب في اللاوعي ويعيش عزلة غير واقعية لا تفرق بين ما
هو حقيقة وما هو خيال، فالعقل العربي يظن أنه بذلك يتجاوز حقائق الواقع من متغيرات
الجغرافيا السياسية ويعتقد أن الواقعية تكون بالتعايش السلمي مع
"إسرائيل" وهذا كله خلاف الواقع. فالصراع قائم وسيستمر وتناقض الحالة
السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية بين "إسرائيل" والعرب سينشئ
صراعًا بين قوي وضعيف يزداد فيه القوي قوة والضعيف ضعفًا.
وإذا كانت "إسرائيل" الصغيرة في عام
1948م امتدت بين العرب الأقوياء لتصبح واقعًا مفروضًا في عام 1993م في مقابل عرب
مستضعفين الآن، إن ذلك ينبئنا بأن القوة تتمثل في الذات (العقل والنفس والروح
والاستعداد)، وهذه هي حقيقة القوة التي يغيبها العقل العربي الذي أصبح تائهًا في
محيط الإحباط واليأس والبعد عن الثقة بالله والغرور بالنظام الدولي الجديد، هذا
النظام الدولي الذي استقبله العقل العربي بصورة سلبية حيث أصبح الإيمان والتسليم
بالدور الأمريكي المفروض بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ومنظومته الشيوعية..
لقد بدأ التنظير الفكري والعقلي لتقبل حالة
الاستسلام للحل السياسي والعسكري الأمريكي هو السائد عند منظري السياسة العربية،
ويبدو أن هذا العقل تناسى أن السياسة الأمريكية تنبع من مصالحها الاستراتيجية
وتهدر ما عداها من مصالح ولو أحرقت جميع الشعوب كما يحدث الآن في البوسنة والهرسك..
لقد سقط العقل العربي في محنة اتفاق غزة أريحا كما سقط من قبل في محنة الاحتلال
العراقي للكويت، وإنه من المعيب على هذا العقل أن يتهافت وأمامه حالات من الصلابة
الفكرية والواقعية تتجسد في موقف الرئيس البوسني علي عزت بيجوفيتش وشعبه بالصمود
أمام المؤامرات الغربية والوحشية الصربية ونجاح الشعب الأفغاني من قبل في إسقاط
الشيوعية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل