; الافتتاحية: في ذكرى الغزو الأليمة.. ما الذي نستفيده من دروس المحنة؟ | مجلة المجتمع

العنوان الافتتاحية: في ذكرى الغزو الأليمة.. ما الذي نستفيده من دروس المحنة؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 30-يوليو-1996

مشاهدات 100

نشر في العدد 1210

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 30-يوليو-1996

تحل هذا الأسبوع الذكرى السنوية السادسة لجريمة النظام العراقي الآثمة بغزو دولة الكويت وهي ذكرى الجريمة التي ارتكبها الطاغية العراقي لا بحق الكويت وشعبها الأمن فقط، وإنما ضد الأمة جمعاء بدينها وقيمها وتاريخها. 

ولا تزال أصداء التمزق والتشرذم العربي عن هذه الجريمة تشل الإرادة الجماعية للأمة، وتمكن لليهود والأمم الغربية المناصرة لهم مزيدًا من النفوذ والهيمنة على مقدرات البلاد العربية وحكوماتها وقراراتها السياسية والاقتصادية المصيرية. 

وهل كانت الجريمة من فعل صدام حسين ونظامه وجيشه وحدهم؟ أم أن بعض الأطراف العربية الأخرى قد شاركت فيها بألسنتها وأقلامها وقلوبها بعد أن غابت قيم الإسلام ومبادئه السامية، وحلت في بعض القلوب أخلاق الجاهلية الأولى بحقدها وحسدها، فصبت على النار الوقود، ولما يطفئ أحد النار حتى الآن؟

كانت كارثة الغزو نتيجة حتمية لأمراض الجهل والبعد عن العقيدة الصحيحة الصافية التي تجمع المسلمين على مبادئ المحبة والتراحم ونصرة المظلوم بدفع الظلم عنه، ونصرة الظالم بالأخذ على يديه، كانت الجريمة انعكاسا لحال الأمة وغياب الفهم الصحيح لمبادئ الإسلام وقيمه، وهكذا وقع في الفتنة من وقع فكان الجرح عميقًا، وكان الخلاف شديدًا، والعداوة مرة، وامتلأ جسد الأمة بالثغرات والجروح، فنفذ منها العدو أيما نفاذ.

لقد دمر صدام حسين وحلفاؤه بتلك الجريمة كل الثوابت العربية، فهذه حكوماتنا تتهافت على مصالحة العدو الصهيوني ومصافحة زعماء إسرائيل واستقبال وفودهم التجسسية في بلاد ما كانوا يحلمون بدخولها أو الوصول إليها، وهذه قوات أجنبية توجد في بلادنا بحكم الضرورة والواقع ما كنا لنرحب بها قبل ذلك لولا أن الطاغية المجرم دمر جدار الأمن العربي وجعل من بلاد الرافدين ومقدراتها وأبنائها خنجرًا يطعن في ظهر الخليج العربي وشعوبه الآمنة المسالمة.

أما إذا نظرنا إلى نتائج الغزو العراقي الغاشم للكويت، فإنها تؤكد أن القوى الغربية –ولاسيما الولايات المتحدة– جنت من الغزو العراقي الفاجر مكاسب استراتيجية ما كانت لتتحقق لها في أي ظرف آخر، وربما يأتي يوم يكشف التاريخ فيه أوراقه فيتبين للذين هتفوا باسم الطاغية العراقي وجيشه أي جرم ارتكبوا في حق الأمة ومقدراتها.

وإننا لا نزال نرقب في بعض البلاد العربية من لم يغير موقفه من جريمة الغزو ولم يعلن عن الموقف الذي يحدده الإسلام من طاغية العراق وأعوانه وجريمتهم، وأنى لهؤلاء أن يكونوا على مستوى الفهم الصحيح للإسلام أو الإيمان الصادق بالعروبة وبجانب الخسارة المعنوية الهائلة من جراء الغزو نجد أن الخسائر المادية عن جريمة النظام العراقي فاقت الستمائة مليار دولار من ثروات الأمة وقوتها وخزانتها المالية للتنمية والإعمار، وتشريد مئات الآلاف من العرب والمسلمين، وقطع أرزاقهم وإفقار عائلاتهم.

 وأية جريمة هذه التي ترتكبها الطاغية بحق الشعب العراقي الرازح تحت مطرقة القمع والتجويع والتشريد، ورفضه الاستفادة من كل الفرص المتاحة لتقديم الطعام والدواء لأطفال العراق، وتمسكه الصبياني بمشاريع الموت والدمار على حساب الرفاه الاقتصادي للعراقيين وعودتهم إلى الأسرة الدولية؟ أما نحن في الكويت فكم درسًا استوعبناه من دروس الغزو ومحنة الاحتلال؟

إن الواقع –وللأسف– يكشف عن أن استفادتنا كانت قليلة، فهذه أوضاعنا الأمنية والاقتصادية والثقافية لم تتغير كثيرًا، فالخلل في التركيبة السكانية قائم، واقتصادنا المحلي يراوح في مكانه معتمدًا- كما كان - على صادرات النفط التي يتهددها غموض المستقبل.

وعلى الصعيد الاجتماعي عاد مجتمعنا إلى الإصابة بأمراضه القديمة، فهذه الروح اللامسؤولة عند بعض المواطنين، وهذا إعلامنا لا يزرع في نفوس النشء إلا الميوعة والفساد، وهذه مؤسساتنا الإدارية تعاني من الترهل والجمود، فيما شبهات الفساد المالي والتجاوزات تتردد بقوة رغم كل الجهود التي بذلها مجلس الأمة لمحاربة هذه الظواهر. 

وكان معظمنا قد عاد إلى الله وقت المحنة، وتعاهد على العودة إلى الدين والتمسك به وبشريعته إن من الله علينا بالنصر والتحرير، فلما تحقق ذلك نكص البعض عن العهد، وتجاهل أمر الدين، وأراد انتكاس المؤسسات التربوية والاجتماعية والاقتصادية إلى الجاهلية التي كانت عليها قبل الغزو، وتمكين العلمانيين والكارهين لشرع الله من هذه المؤسسات.

إننا نأمل أن تكون ذكرى الغزو الأليمة وقفة دائمة لنا نعيد فيها حساباتنا، ونرتب أوضاعنا بما يضمن استقرار حاضرنا، وترتيب مستقبلنا ومستقبل الأجيال القادمة.. وأن تكون دروس المحنة دائمًا منارات لنا نستهدي بها في طريقنا، ونصحح مسارنا، فهل سنعي حقًا هذه الدروس؟.

الرابط المختصر :