العنوان قلوبنا على الجزائر
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الأحد 05-يناير-1992
مشاهدات 75
نشر في العدد 983
نشر في الصفحة 4
الأحد 05-يناير-1992
استقبل العالم الإسلامي الأخبار الأولى عن انتخابات الجزائر بمشاعر
متباينة، غير أن الأوساط الشعبية والإسلامية أبدت الفرح والغبطة للنجاح الكبير
الذي حققته الجبهة الإسلامية للإنقاذ، فقد اكتسحت الجولة الأولى للانتخابات وفازت
بمعظم المقاعد مقابل هزيمة كبيرة للحزب الحاكم.
وإذا تجاوزنا التفاصيل فإن انتخابات الجزائر أثبتت حقيقة جوهرية طالما
أكدنا عليها في المجتمع، وهي أن الشعوب إذا ما أتيح لها الخيار السياسي الحر فإنها
ستختار الإسلام ليحكمها، وسترفض كل الشعارات والأيدولوجيات الأخرى، ومن هنا نفهم
بشكل جيد هذا الشحوب والسخط الذي ارتسم على وجوه الغربيين والفرنسيين بشكل خاص
عندما وجدوا الشعب الجزائري بعد ١٣٠ عامًا من الفرنسة و٣٠ عامًا أخرى من
الاشتراكية يعود في أول اقتراع ديمقراطي حر ليقرر أنه يريد الإسلام.
وبإعلان النتائج الأولية للانتخابات ارتفعت حرارة الأوضاع السياسية في
الجزائر إلى أقصى درجة وأصبحت العديد من المخاطر تحيق بهذا القطر العربي والإسلامي
العريق.
إن قلوبنا على الجزائر.. نخشى عليها من الوقوع في الفتن التي يسعى
أعداء الإسلام لإيقاعها بها. كما أن قلوبنا على الإسلام الذي رفع الجزائريون رايته
وعزموا على تحمل الأمانة الكبرى في تطبيقه والتعامل على أساسه ونأمل أن يحسن
الجميع التعبير عن روحه السامية ومبادئه العظيمة وقيمه الجليلة وصورته المزهرة.
إن أخطارًا ومحاذير بارزة الآن على الساحة الجزائرية لدينا كل الحق في
أن نقلق بسببها على ما ستنتهي عليه الأمور هناك.
هناك قلق من أن تجهض التجربة أساسًا وأن يتراجع القرار الديمقراطي عن
طريقه أمام النتائج غير المتوقعة بألا تتم الجولة الثانية من الانتخابات لأي مبرر.
ونحن نأمل أن يحسن الإسلاميون التعامل مع مكاسبهم السياسية الراهنة
وألا تنجح بعض الأطراف في استدراجهم إلى ممارسات صدامية تعطي المبرر لحرمانهم من
الانتصار السياسي أو تساعد في تحجيم هذا الانتصار في الجولة القادمة.
كذلك نتخوف على الجزائر من احتمالات التدخل الخارجي سواء من فرنسا
والغرب على شكل ضغوط اقتصادية وسياسية؛ وذلك للتأثير في حدث خطير وتجربة سياسية
فريدة تعيشها الجزائر وهي التجربة المرشحة للانتقال إلى أقطار عربية إسلامية
عديدة.
وإذا تجاوزنا المخاوف السابقة وافترضنا استمرار العملية الديمقراطية
ونجاح جبهة الإنقاذ في استيعاب (السلطة) والتعامل معها.
ونحن نعتقد بأن جماعة تحرك الشارع وتقوده جديرة بأن تتفادي السلبيات
وأن تستفيد من تجارب الغير في إدارة دفة الحكم، ونحن نعتقد بأن الإخوة القياديين
في الجبهة لا يقلون كفاءة عن الأحزاب والمجموعات الأخرى المنافسة، ولكن قلقنا
عليهم هو لكونهم يحملون راية الإسلام ويتحدثون باسمه، فما يقبل من غيرهم من هفوات
وتجاوزات لن يقبل منهم، وكلنا أمل أن يوفقهم الله في تجاوز العقبات التي أمامهم.
فإذا وصلت الجبهة للسلطة وأمسكت بها فإنها بصدد إرث ثقيل ودولة متعبة
بالمشاكل ومرهقة بالأعباء الاقتصادية.
ستحكم جبهة الإنقاذ دولة مدينة للخارج بما لا يقل عن ٢٥ بليون دولار
ولديها مليونا عاطل عن العمل ونظام إداري وزراعي عقيم وصناعة تختنق بأساليب
الإنتاج الاشتراكية.
أمام كل هذا يتوجب على الجبهة والإسلاميين عموما أن يسعوا لإيجاد
بدائل اقتصادية ناجحة، وأن يقترحوا مسارات مختلفة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية،
عوضًا عن حل المشكلات القائمة أصلًا، والتي عجز النظام الحالي عن مواجهتها، والتي
يوجد في الإسلام حله.
وإذا تم كل ذلك فإن الإسلاميين في السلطة عليهم أن ينتبهوا إلى أنهم
جزء مهم من الشعب الجزائري، وأن الحفاظ على وحدة الشعب الجزائري وتماسكه هي من
المسؤوليات المهمة للإسلاميين في السلطة، فروح المنافسة التي تبرز في الصراع على
الانتخابات يجب ألا تتخذ أساسًا لتعامل الحكم الجديد مع منافسيه السابقين والذين
سيشكلون بدورهم المعارضة السياسية التي تستحق من النظام التعاون والتفهم.
ولدينا أيضا قلق كبير على المشروع الكبير الذي يحمله الإسلاميون في
الجزائر وهو مشروع الدولة الإسلامية.
إن أسلمة المجتمع الجزائري بتعزيز القيم والممارسات الإسلامية فيه
وبنبذ الممارسات والأنشطة الخارجة عن الدين ستكون -بلا شك- من أولويات الحكم
الإسلامي في الجزائر وهو ما يمثل التحدي الكبير للجزائريين أن يحققوا التجربة
الأولى الناجحة لأسلمة الحكم والنظام السياسي. وفي إطار سعيهم للعمل بشرائع وأحكام
الإسلام نأمل من الإسلاميين أن يتجاوزوا الفرعيات إلى الأساسيات وأن تتحدد
الأولويات لتطبيق الأحكام الشرعية التي أمر الله بها.
إن أحداث الجزائر تنذر برياح جديدة تهب على عالمنا الإسلامي تحمل في
طياتها بذرة الحرية ونبذ الاستبداد وإعطاء الشعوب حقوقها، وإننا إذ نسجل تقديرنا
للحرية التي أتيحت للشعب الجزائري ومهدت لانتخابات شعبية فإننا ندعو سائر حكومات
العالم الإسلامي لتبني النهج نفسه وإتاحة الفرصة للشعوب لتمارس حقها في الاختيار
السياسي.
كما نؤكد على أن الحكم الإسلامي الصحيح هو خير كبير تنتظره أقطار
العالم الإسلامي ويجب ألا نخاف منه أو نتعجل بإصدار الحكم بفشله وعدم صلاحيته،
وإذا كانت مخاوف الغرب وفرنسا تقوم على افتراضات أيدلوجية وفكرية مناهضة للإسلام
فإن على المسلمين ألا يتأثروا بآراء وتصورات الإعلام الغربي وألا تتلبسهم هواجسه
وكوابيسه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل