العنوان الافتتاحية «مخاوف تقسيم العراق»
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 01-سبتمبر-1992
مشاهدات 64
نشر في العدد 1014
نشر في الصفحة 6
الثلاثاء 01-سبتمبر-1992
· سقوط طاغية العراق يحفظ للعراق وحدته وللمنطقة أمنها.
· تقسيم العراق إلى دويلات يشكل خطرًا على أمن الدول الخليجية واستقرارها.
الحديث المتصاعد عن احتمالات التقسيم في العراق يحتاج إلى أكثر من وقفة، لما في ذلك من خطورة بالغة على تداعيات الأحداث مستقبلًا في المنطقة.
مخاوف الحظر الجوي وتفسيرات الخبراء
وكانت بعض الحكومات العربية قد حذّرت من أن يؤدي مخطط الحظر الجوي لطائرات النظام العراقي عن التحليق تحت خط عرض 32 درجة، والذي تعتزم أربع قوى دولية تنفيذه الآن، إلى فصل جنوب العراق عن بقية أجزائه. وإذا كان الخبراء العسكريون يستبعدون أن يؤدي الحظر الجوي إلى فصل الجنوب العراقي، ويحيلون المخاوف العربية إلى أسباب سياسية إقليمية لا تتعلق بالقضية العراقية، فإن احتمالات التقسيم تبقى مع ذلك واردة لعوامل داخلية عراقية لا تستطيع حتى القوى العظمى السيطرة عليها.
(للاطلاع على تفاصيل الحظر الجوي وتأثيره: تقرير تاريخي عن مناطق الحظر الجوي في العراق (1991-2003) - مقال يوضح حدود ونطاق الحظر).
صدام حسين: المسبب الحقيقي للتقسيم
وبذور التقسيم في العراق كانت موجودة على الدوام، ويمكن تتبع بعض الأوضاع التاريخية للعراق في القرون القليلة الماضية التي ساعدت على خلق هذه البذور. وجاء النظام الحالي بهمجيته وحمقه وخبثه ليصب الماء فوق هذه البذور، ويدفع اليائسين المسحوقين في شمال العراق وجنوبه إلى اللجوء إلى رمضاء التقسيم هربًا من نار الخضوع تحت حكم طاغية العراق. طائرات التحالف لن تقسم العراق حتى لو شاءت، ولكن صدام سيقسمه باستمراره في الحكم بكل عناصر السفك والتدمير التي اعتاد اللجوء إليها. وكل يوم يعيشه الطاغية يدفع بلا شك إلى التقسيم، ويقدم مبررًا ودافعًا جديدًا له.
التكاليف الأمنية الباهظة على دول الخليج
وإذا كانت مهمة إزالة الحكم العراقي متروكة للشعب العراقي – إن استطاع – أو للقوى العالمية التي تعهدت بذلك، فإن مهمة التعامل مع خطر التقسيم – لو تحقق – تبقى لازمة لكل الدول المحيطة بالعراق، وبشكل أخص الكويت ودول مجلس التعاون الخليجي. ولقد تمتع المسؤولون في الخليج بالحكمة حينما أعلنوا مرارًا رفضهم للتقسيم، وأدركوا في وقت مناسب التكاليف السياسية والأمنية الخطيرة التي ستقع على المنظومة الخليجية وشعوبها إذا تدهورت الأوضاع العراقية وأنتجت – إذا سقط النظام متأخرًا – دويلات عراقية متفرقة وربما متناحرة.
الضعف العراقي والهيمنة الإقليمية
هناك البعد الأمني الحساس، حيث سيصب الضعف العراقي الشديد في خانة القوة الإيرانية، ويتعاظم الدور الإيراني في قضية الأمن الخليجي بشكل يؤثر على المنطقة، ويدعو إلى اعتماد خليجي طويل الأمد على أساطيل وجيوش الغرب. وتحول العراق – المجاور جغرافيًّا للخليج – إلى دويلات يمهد لهيمنة الدول المجاورة للعراق على بعض تلك الدويلات، ويجعل حكومات ومنظومات عسكرية ومخابراتية كانت بعيدة في موقع مجاور للكويت والخليج، مع ما ينفتح من وراء ذلك من احتمالات ومخاوف ينوء القلم عن ذكرها.
أعباء النزوح والحرب الأهلية
واندلاع حرب دويلات داخل العراق سيجر دول الخليج للدخول فيها منعًا للطرف الأسوأ من السيطرة على الآخرين، وسيلقي أعباء اقتصادية على دول الخليج في مواجهة قضية لاجئين كبرى قد تنشأ من هذا الوضع المحتمل، حينما ينزح ملايين العراقيين عن قراهم ومدنهم، كما ينزح أهل البوسنة الآن من ديارهم تحت ضغط التهديد الديني والعرقي.
فخ "أنا أو الطوفان" ومعالجة التقسيم
إذاً، التقسيم مرفوض وأخطاره ثقيلة، ولكن هناك نقطة لا تحتمل التفويت. إذ أصبح شبح التقسيم يطرح من قبل جهات عربية معينة كبديل للنظام العراقي الحالي، وأصبحت هناك مطالبات تطرح على استحياء في عواصم عربية بعدم ممارسة ضغوط على الطاغية العراقي حتى لا يتحقق التقسيم. ويبدو أن الطاغية يقف بصورة أو بأخرى وراء هذا الهمس الذي أصبح عاليًا، ويغلف بغلاف الواقعية والموضوعية. وهو الهمس الذي يعكس الخطاب الضمني وغير اللفظي الذي يستخدمه صدام حسين حاليًا ويختصره شعار «أنا أو الطوفان».
والحقيقة أن صدام ذاته هو الطوفان والخراب المستمر، والحريصون على وحدة العراق لدوافع مبدئية وإسلامية يجب ألا يفوتهم أن السقوط العاجل لهذا النظام هو السبيل الأمثل لتلافي التبعثر العراقي، وأن التناول العاطفي وغير الدقيق لقضية الخطر التقسيمي قد يستثمر من قبل الطاغية وأعوانه. وحسنًا فعلت المعارضة العراقية بإعلانها المتكرر رفض تقسيم العراق وحصرها المعركة الحالية في مواجهة النظام. ويبقى أن تتبع المعارضة القول بالعمل، وألّا تستدرج إلى مشاريع تقسيم تطرح في الخفاء، ولا تحقق لأي طرف إلا السراب من المكاسب، وتحقق عراقًا مشتتًا وخليجًا قلقًا، وتفتح مسبحة التقسيم الداخلي في المنطقة فتكر حباتها. وقد ينسحب هذا التقسيم على لبنان وعلى سوريا وعلى أجزاء كثيرة من عالمنا العربي؛ فلتتضافر الجهود لا للتقسيم، بل لإسقاط طاغية العراق الذي يعتبر سببًا رئيسيًّا لكافة النكبات والمشاكل.
(لتأكيد موقف المعارضة: بيان من المعارضة العراقية حول وحدة العراق ورفض التقسيم (كمثال) - نموذج لبيان صحفي أو خبر عن موقف المعارضة).