العنوان ليس دفاعًا عن النظام السوداني
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-يونيو-1984
مشاهدات 85
نشر في العدد 676
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 19-يونيو-1984
لسنا جزءًا من النظام السوداني حتى ندافع عنه، فالنظام يملك طاقات لا حدود لها، قادرة على أداء هذه المهمة، كما أن هذا ليس دفاعًا عن الرئيس النميري، فالنميري لديه أجهزته المتعددة التي مارست هذا الدور، إنما هو دفاع عن التوجه الرسمي لتطبيق الشريعة الإسلامية في أي أرض كانت، وهو محاورة الأقلام العربية التي ما فتئت تكتب ضد التوجه الرسمي السوداني لتطبيق الشريعة الإسلامية، ومحاولة نصحها وإرشادها، فمنذ أن أعلن الرئيس النميري عن عزمه على تطبيق الشريعة الإسلامية في السودان ومباشرة إجراءات هذا التطبيق- والإعلام الغربي مستنفر ضدها، وبالذات الإعلام البريطاني، ولا غرابة في ذلك؛ إذا علمنا أن الغرب يحكم سيطرته ونفوذه على الشرق الأوسط من خلال اقتيات الدول النامية على نتاجه الفكري الحضاري، كما لا غرابة في أن يكون الإعلام البريطاني الأكثر استنفارًا لكونه المؤسس الأول لأجهزة الدولة الحديثة في السودان إبان استعماره لها، وأنه الخاسر المباشر من تطبيق الشريعة والتخلي عن أنظمته القانونية والإجرائية، والتي تجعل السوداني المسلم مشدودًا إلى المنبع مادام التيار مستمرًا، لا غرابة كذلك للموقف التاريخي الغربي من الإسلام وحضارته والعداء الملون بالدبلوماسية تارة، وبالأكاديمية تارة أخرى، إنما الغرابة كل الغرابة أن يقف الإعلام العربي بلا استثناء موقف المعارض أو المستنكر أو المذهول أحيانًا، أو الصامت أحيانًا أخرى، وكأن موقف الإعلام العربي من تطبيق الشريعة الإسلامية يتطابق تمامًا مع موقف الإعلام الغربي، أو كأن الإعلام الغربي يتبنى نفس العداء التاريخي للإسلام وحضارته، لقد برز هذا في معالجة الأقلام العربية لقضية تطبيق الشريعة في السودان، وكانت تدور حول محاور ثلاثة، هي:
- التشكيك في صدق نوايا النظام، فبدلًا من أن تنطلق مشجعة الرئيس النميري على الاستمرار في هذا الخط أخذت تصور أن الأمر لا يعدو عن كونه سحب البساط عن الداعين لتطبيق الشريعة، أو مغازلة دول الخليج لمزيد من الدعم المالي، أو محاولة جديدة للمتاجرة بمشاعر السودانيين الدينية، والذين يعانون من مآزق وأزمات لا حصر لها، والغريب أن الداعين لتطبيق الشريعة الإسلامية هم أول من باركوا تلك الإجراءات، واعتبروها خطوة على طريق الهداية، ولم يشعروا لحظة واحدة أن هناك بساطًا هو موضع تنازع، وعندما تتجه الدولة لأهداف الداعين لتطبيق الشريعة الإسلامية، وتخلص النوايا بذلك فالواجب على كل مسلم داع لشرع الله أن يذوب في جسم هذه الدولة، أما إذا كان المقصود من تطبيق الشريعة مغازلة دول الخليج لجلب مزيد من المساعدات المالية، فحتى الآن لم تقف الدول الخليجية موقفًا إيجابيًا مع السودان بعد العزم على التطبيق، بل الأمر عكس ذلك تمامًا، لقد وقفت صحافة الخليج موقف المناوئ والساخر والمتهكم من السودان، والأغرب من ذلك أن قوانين المطبوعات التي تمنع مساس الرؤساء والأنظمة تعطلت فيما يخص السودان، ورغم أن السودان اليوم أحوج ما يكون للعون المادي، إلا أن بعض دول الخليج أدارت ظهرها للسودان، ولو كانت نوايا السودان -في تطبيق الشريعة- مادية بحتة لما أبادت ملايين زجاجات الخمر والتي تساوي أكثر من عشرة ملايين دولار، مريدة بذلك وجه الله، أما الذين يعتقدون أنها محاولة للمتاجرة بمشاعر السودانيين الدينية، فأولئك يجهلون الشعب السوداني، ويجهلون أنه يتمتع بوعي سياسي يميزه عن بقية الشعوب العربية، لقد شاهدنا محاولات كثيرة صنفت في خانة المتاجرة بالمشاعر الدينية، ولكن لم تباشر إجراءات متقدمة مثل إجراءات النظام السوداني.
- تشويه الحقائق: فقد أخذت أجهزة الإعلام تصور الوضع في السودان بغير صورته الحقيقية، أخذت تصور إجراءات الطوارئ وكأن الطرق والمرافق العامة مدججة بالأسلحة والدبابات، كما أخذت تصور الشعب السوداني وكأنه يغلي تحت مرجل الثورة، كما سلطت الأضواء على المظاهرات والاحتجاجات، وجعلت من زمرة من المشاغبين النصارى في جنوب السودان قضية القضايا في السودان، وزيارة خاطفة للسودان تكشف زيف هذه الأكاذيب، وتبين للمرء كم من التشويه يمارسه الإعلام لكثير من الحقائق.
بلا شك أن السودان تعيش أزمات حادة على مستوى الخدمات العامة والحالة الاقتصادية، وبلا شك أن هذه الأزمات تنهك الشعب السوداني، ولكن من قال إن هذه الأزمات تدفع المرء للاعتراض على تطبيق الشريعة؟ إن الشعب السوداني يعبر دائمًا عن استعداده للتضحيات مقابل تحقيق ذاته في دينه، والعودة إلى الله.
- الهجوم على الإسلام بنبش ما في النظام، وهذا ما يفعله تمامًا الإعلام العربي والخليجي بالذات، فمما لا شك فيه أن الرئيس النميري مر بمجموعة تجارب فكرية وسياسية، استقرت فيه سفينته على شاطئ الإسلام والعودة إلى الله، وهذا هو مسلك كثير من البشر أن يكون لهم تجارب مختلفة قبل الوصول إلى الإسلام خاصة السياسيين منهم والمفكرين، ولعل أبرز الأمثلة أمامنا المفكر الإسلامي الفرنسي رجا جارودي، فهل رد الفعل الإعلامي المخلص يكون بتشجيع العودة إلى الإسلام، أم بالتشكيك في العودة إلى الإسلام ونبش الماضي؟ إننا مطالبون بأن نعطي فرصة للأنظمة ورؤسائها عندما تعتزم العودة إلى الله، ولا تنطلق بالتشكيك حول دعواها ما دامت تقرن القول بالفعل، لقد كانت ممارسات الإعلام اليساري دائمًا تتجه نحو التشكيك، ولتذكر القارئ بموقف الإعلام اليساري من رجا جارودي، نحن لم نشق القلوب ونكتشف ما فيها، كما أننا لم ننقض اليد من بذرة الخير في قلوب الرؤساء والملوك، إننا يجب أن نسير على قاعدة تأييد وتشجيع كل خطوة يخطوها مسلم -مهما كان موضعه- نحو الإسلام، وإنكار وتغيير كل خطوة يخطوها مسلم -مهما كان موضعه- ضد الإسلام.
•إننا في النهاية نسأل الأقلام الخليجية التي كتبت ضد السودان:
•هل العالم العربي لا توجد فيه سوءات سوى السودان؟
•وهل السودان الذي تراجع عن «الكامب» أولى بالهجوم، أم النظام المصري الذي مازال يتعامل مع العدو من خلالها؟
•وأي الرؤساء أولى؟ الذين يتآمرون على القضية الفلسطينية والذين فتتوا المنظمة وأسقطوا البندقية من يد الفلسطينيين، والذين يستضيفون اليهود ومؤتمراتهم في بلادهم، والذين يتآمرون مع نظام الخميني ضد الشعوب الخليجية، والذين يذيقون شعوبهم الذل والهوان، أم الرئيس النميري؟
•ولماذا لم تتحرك أقلامكم عندما زعم أحدهم -وبحسب دستور بلاده- أنه أمير المؤمنين طوال عشرين عامًا، وتحركت أقلامكم اليوم؟
•كما أننا نسأل أنظمة دول مجلس التعاون، إذا كانت الوثائق التأسيسة للمجلس تؤكد على أن دول المجلس تسير نحو تطبيق الشريعة، وإذا كان وزير العدل البحريني منذ أيام أعلن عن عزم الدول الخليجية للسير في هذا الاتجاه، فلماذا التخلي عن السودان إذًا؟ ولماذا التخلي عن مساعداته؟ ولماذا لا تدعم وتشجع تجربته ما دامت في نفس الاتجاه؟
•كما أننا نسأل الدول العربية القومية إذا كانت -كما تزعم الصحف- وحدة أرض السودان مهددة بالخطر، وأن الجنوب السوداني يريد الانفصال عن الجسد العربي، فلماذا لا تتحرك لإنقاذ هذا الجسم إن كانت الصحف صادقة؟
إن التخلي عن السودان اليوم موضع استغراب، وأن الهجوم على التوجه السوداني الإسلامي دون سائر التوجهات المضطربة للأنظمة موضع شك وتهمة، والله الموفق.