; هل تتحقق أحلام «إسرائيل» الاقتصادية بعد مؤتمر الأحلام في الدار البيضاء؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل تتحقق أحلام «إسرائيل» الاقتصادية بعد مؤتمر الأحلام في الدار البيضاء؟

الكاتب محمد دلبح

تاريخ النشر الثلاثاء 22-نوفمبر-1994

مشاهدات 49

نشر في العدد 1126

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 22-نوفمبر-1994

  • «إسرائيل» تريد نقل نفط الخليج عبر موانئها دون المرور بقناة السويس
  • فيما عجز كثير من المشاركين في المؤتمر عن تحديد أهدافه فإن «إسرائيل» وحدها هي التي كانت تعرف أهدافها لأنها هي التي خططت ودعت إليه
  • كثير من الخبراء الذين حضروا إلى المؤتمر أكدوا لـ«المجتمع» أن هدف «إسرائيل» هو تحقيق استقرار اقتصادي لها يضمن تخفيض نفقاتها العسكرية وتحويلها إلى تطوير صناعاتها
  • غالبية حضور المؤتمر من الباحثين عن الثراء والشركات التي لم تجد مشروعات في بلادها والكل كان يبحث عن الصفقات حتى بعض الديبلوماسيين

بعد أن انفض السامر في الدار البيضاء وعاد المشاركون كل إلى البلد الذي أتي منه يجدر مناقشة المؤتمر الذي حضره نحو ١١١٤ مشاركا، ٤٠٠ صحفي وممثل ٦١ دولة مختلفة الأحجام والأدوار والأهداف والغايات اكتظت بهم فنادق العاصمة الاقتصادية للمغرب واكتظت بهم ردهات وصالات القصر الملكي بالدار البيضاء الذي استضاف لقاءاتهم طوال ثلاثة أيام.خليط عجيب من البشر سود بیض، شقر صفر، وحمر، رؤساء دول وحكومات ووزراء وخبراء ورجال أعمال ورجال مال.ولكن أغلبهم كما تشير قائمة الأسماء التي وزعتها الهيئة المشرفة على المؤتمر - من الدرجة الثانية والثالثة، بل إنني أجرؤ على القول إن الكثير منهم من النوع الذي يمكن أن نطلق عليه أنهم من فئة على باب الله تحملوا نفقات السفر والإقامة، ورسوم المشاركة التي بلغت لوحدها ۱۸۰۰ دولار ليس بينهم رابط ولا يجمعهم سوى «أحلام» راودتهم بالحصول على صفقة فورية، أو وعد بصفقة صغيرة قد يخرجون منها باستثمار وعمل قد لا تتجاوز قيمته مليون دولار في بلد لم يكونوا بعد حددوا موقعه الجغرافي.ويذكرنا حال هؤلاء المشاركين بحال الغرب الأمريكي عندما اجتاحه الباحثون عن الذهب في مطالع القرن الثامن عشر، ولم لا؟! 

فالفكرة إسرائيلية وأداة التنفيذ الولايات المتحدة، إلى حد أن مساعداً سابقاً لوزير الخارجية الأمريكي بشئون الشرق الأوسط أسر في دردشة مطولة مع موفد المجتمع إلى المؤتمر بأنه سوف يتقاعد عن العمل في الدبلوماسية الأمريكية مع حلول نهاية الشهر الجاري، وأنه يشارك في المؤتمر كرجل أعمال يظفر بصفقة تدر عليه بضع مئات من آلاف الدولارات ربما في غزة!!لقد شارك نحو ٤٠٠ صحفي في المؤتمر لتغطيته، فلم يجدو ما يكتبونه، إذ إن المؤتمر الذي أطلق عليه القمة الاقتصادية للشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يمكن أن يطلق عليه أي اسم ما عدا الاسم الذي أعطى له رسميا، أما المشاركون الذين نعموا بحفل راقص وغنائي في دارة الثرى والممول والنائب المغربي أحمد إمهال استمر إلى ما بعد منتصف ليلة الحادي والثلاثين من الشهر الماضي فإن بعضهم ظن نفسه وكأنه يشارك في حفل زفاف حاولوا مع غيرهم أن يحددوا ملامح وشخصية العروس دون جدوى.إلا أن «إسرائيل» وحدها كانت تعرف الهدف من المؤتمر، فهو مؤتمر للأمن والاستقرار الإقليمي يمنحها الفرصة للتمدد بسهولة دونما إعاقة إلى خارج الوطن الذي استباحته بالسلاح والتكنولوجيا الأمريكية، وقد انضم وزير الخارجية الأمريكي وارن كريستوفر إلى جانب «إسرائيل» في تحديد هدف المؤتمر عندما أكد في مؤتمره الصحفي عشية اختتام المؤتمر أنه توسيع الاتصال بين« إسرائيل» والعرب، وأن هذا قد تم.

● أین الیابان؟!

عندما عقد المنبر الاقتصادي الدولي الجهة المنظمة المؤتمر الدار البيضاء مؤتمره في دافوس في نهاية شهر يناير الماضي بحضور شمعون بيريز وياسر عرفات لوحظ العدد الكبير لممثلي الشركات اليابانية فيه، وبعد مرور تسعة أشهر من العمل الدؤوب لعقد مؤتمر الدار البيضاء فإن قاعات القصر الملكي وردهات الفنادق خلت من ذوى اللون الأصفر، ولم يشارك أكثر من 5 شركات يابانية اعتقد أنها من الدرجة الثانية والثالثة - كما تدل على ذلك قائمة المشاركين، وربما شاركت على استحياء!!وحسب رأى الخبير البريطاني دفيدلي من شركة أكسفورد للتحليلات الاقتصادية في بريطانيا فإن ضعف المشاركة اليابانية في المؤتمر يعكس تضاؤل الاهتمام الياباني بالنتائج التي سوف يسفر عنها، وقال في حديث مع موفد المجتمع أن اليابان في استثماراتها تبحث عن العمالة الرخيصة، وهذه ليست متوفرة في منطقة الشرق الأوسط بل تتوفر بشكل أساسي في جنوب شرقي آسيا إضافة إلى ذلك تتشابه مع الخصائص الثقافية والأخلاقية لليابان، وأنها سوق عمل مجربة سابقاً من اليابان التي تمتلك مؤسسات اقتصادية إنتاجية وتصنيعية أقامتها منذ سنوات طويلة وأن الشركات اليابانية ولا تجد مبررات لإحداث تغيير في سياستها بهذا الشأن. ويضيف ديفيد لي بأن الشرق الأوسط ليست منطقة معزولة عن السوق العالمية حتى يعاد فيها النظر، وأن تعتبر وكأنها « منطقة جديدة»، وفي هذا المجال فإنه يقول بأن أوربا الشرقية من الناحية الاستثمارية قد تعتبر لدى البعض منطقة استثمار جديدة أفضل بكثير من الشرق الأوسط، حيث أن من مصلحة أوروبا والولايات المتحدة ضمان استقرارها لأنها تؤثر مباشرة على أمن واستقرار الغرب نفسه.

● أين تذهب الاستثمارات؟

ذكر تقرير عن الاستثمارات في العالم للعام الماضي أن من بين ٨٠ مليار دولار (مجمل الاستثمارات الأجنبية بلغت حصة الصين منها ۲۰ مليار دولار و5 مليارات دولار توجهت إلى أوروبا الشرقية، فيما بلغت حصة الشرق الأوسط نسبة ضئيلة جدا لا تكاد تذكر. واستنادا لما ذكره ديفيد لي - الذي يؤكد أن هناك منافسة قوية في مجال أماكن الاستثمارات، مشيراً إلى أن الصين أهم مكان وأن أقل مكان من حيث الأهمية هو الشرق الأوسط من حيث قلة السكان مقارنة بالمناطق الأخرى من العالم، وليس هناك استثمارات هائلة، وعلى سبيل المثال فإن أمريكا اللاتينية تحظى بموقع أهم لدى المستثمرين.

● ولكن ماذا تريد «إسرائيل»؟

حسب رأى العديد من الخبراء الذين حاورهم موفد المجتمع إلى مؤتمر الدار البيضاء، فإن ما تريده إسرائيل هو التوصل إلى عقد اتفاقات سياسية مع الدول العربية تحقق استقراراً في المنطقة، يفتح المجال لإسرائيل لتخفيض نفقاتها العسكرية إلى أدنى حد لاستثمار الأموال التي ستتوفر لها من خفض تلك النفقات في تطوير صناعاتها وخاصة فيما يتعلق بالتكنولوجيا المتطورة، الأمر الذي يفسح المجال أمامها للذهاب إلى الخارج وتحديداً إلى دول الاتحاد الأوروبي، والشرق الأقصى، وتصبح السوق العربية بالنسبة لها موضوعا ثانوياً. ويقول أسحق ديوان - وهو مسئول اقتصادي كبير في البنك الدولي: إن فوائد عملية التسوية العربية الإسرائيلية بالنسبة لإسرائيل والدول العربية، يمكن تصنيفها کفوائد مباشرة وغير مباشرة والمكاسب المباشرة تنبثق من تخفيضات في النفقات العسكرية ومزيد من الدعم الخارجي، أما المكاسب غير المباشرة فتتعلق بتأثيرات خفض مخاطر الاستثمار، وتوفر بيئة خارجية أفضل وزيادة التعاون الإقليمي ويؤكد على أن كل ذلك مرتبط بمزيد من الاستقرار السياسي الإقليمي ويعتقد أسحق ديوان أن من غير المرجح جلب استثمارات مهمة إلى غزة لأن المكاسب المباشرة - كما يرجح - ستكون صغيرة، أما المكاسب غير المباشرة فربما ستكون أكثر صعوبة.ويقدم البنك المركزي الإسرائيلي في دراسة حديثة أصدرها في مطلع شهر أكتوبر الماضي حول حجم التبادل التجاري المتوقع بين إسرائيل، والأردن في المدى القصير والمتوسط مؤشرا على محدودية السوق العربية إزاء الحاجات والمصالح الاقتصادية الإسرائيلية وتقول الدراسة بأن حجم التجارة لن تزيد عن ١٥٠ مليون دولار لذلك فإن «إسرائيل» تنتظر استثمارات أوروبية وأمريكية كبيرة مع ضعف المقاطعة العربية الاقتصادية لها، والتي قدر اتحاد الغرف التجارية الإسرائيلي بأنه لولا المقاطعة العربية لارتفع الناتج القومي لإسرائيل، بمعدل يصل إلى نحو٢ % سنويا.

ويعتقد الإسرائيليون أن الاستقرار الأمني الذي ستوفره لها اتفاقات الصلح العربية الإسرائيلية سوف تدفع الشركات متعددة الجنسية التي كانت تمتنع في السابق عن إقامة علاقات مع إسرائيل للاستثمار في السوق الإسرائيلية.وتقدر الأوساط الإسرائيلية بأن الشركات الأمريكية الكبرى التي اتخذت - حتى انعقاد مؤتمر الدار البيضاء - جانب الحذر في الاستثمار في «إسرائيل» سوف تقف الآن على الدور في طابور طويل نحو الاستثمار في السوق الإسرائيلية من خلال مشاريع مشتركة بين إسرائيل، ودول عربية، وتشير هذه الأوساط إلى أن شركة «بكتل» على سبيل المثال، وغيرها من شركات البناء ستحاول الانخراط في مشاريع بناء وادي السلام» و«طريق السلام وجسر السلام المشتركة بين إسرائيل والأردن ومصر، فيما قال نائب مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية للشئون الاقتصادية عوديد عيران، أنه يتوقع بعد الدار البيضاء فيض من الاستثمارات الأوروبية في إسرائيل، ولا سيما في مجالات الاتصالات الإلكترونية والبنية التحتية والمياه والطاقة والمواصلات.والملفت للنظر في قائمة الشركات المشاركة في مؤتمر الدار البيضاء أن الغالبية العظمى من الشركات الأمريكية المشاركة هي من فئة الأعمال الصغيرة التي تجد حاليا صعوبة في الاستثمار في الولايات المتحدة نفسها، وأن عدد الشركات التي يمكن أن تعتبر كبيرة أو متوسطة لا يتجاوز عددها أصابع اليدين، وهذا يعكس مدى اهتمام الشركات الكبرى الأمريكية في المؤتمر.

● خطط ومشاريع:

خمسة أطراف حكومية فقط قدمت خططاً مفصلة للمؤتمر هي « الأردن مصر المغرب إسرائيل»، إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية، وقد تركزت الخطة المصرية التي قدرت حجم الاستثمارات المطلوبة في المنطقة بعشرين مليار دولار من بينها مشاريع إقليمية لمصلحة قطاع رجال الأعمال الدوليين، وخاصة تلك المشاريع التي تتعلق بالبنية التحتية السياحة النقل الطاقة البيئة المياه والصناعة، وتدعو إلى خفض التعاون الاقتصادي بين دول المنطقة ودعم دمج المنطقة داخل الأسواق العالمية واقترحت عددا من المشروعات التي يصعب وجود من يتحمس لها داخل المؤتمر، مثل إقامة واد للتكنولوجيا في صحراء سيناء، وإنشاء معامل تكرير، ومصانع جديدة لإنتاج البتروكيماويات ومشروعات تهدد الأمن القومي مثل تطوير مناطق متعددة الجنسيات في منطقة البحر الأحمر، ومتحف حضاري إقليمي يضم «إسرائيل».

فيما ركزت الخطة الأردنية التي قدرت حجم الاستثمارات المطلوبة بـ ۱۸ مليار دولار على خطة لتنمية وادي الأردن، وتناولت المخطط الإداري والإجرائي والمتعدد القطاعات التنموية الذي يتجاوز الحدود بمشاركة القطاعين الخاص والعام، ومشاريع الاستثمار في قطاعات الإنتاج والبنية التحتية والقطاع الاجتماعي، بينما قدمت إسرائيل خطتها التي تتضمن إمكانية التعاون المتاح في ميدان البنية التحتية، ومشاريع تحلية المياه الزراعة الري المراكز الصحية الطاقة الشمسية والشركات المختلطة لإنتاج موارد الاستهلاك والتكوين الصناعي.وتقدر الخطة الإسرائيلية التي قدمت للمؤتمر بعنوان خيارات التنمية من أجل التوصل إلى التعاون الإقليمي، حجم الاستثمارات في المنطقة بـ ٢٥ مليار دولار. وتتضمن مشاريع مثل إقامة شبكة طرق سريعة للسلام، بطول ۱۷۰۰ كيلو متر تربط إسرائيل، بسوريا الأردن لبنان ومصر.والضفة الغربية وغزة، وبناء سدود على نهري الأردن واليرموك، ومعالجة مياه الصرف الصحي، زيادة وحدات تحلية المياه، وبناء منطقة سياحية على البحر الأحمر والبحر الميت ومناطق للتزلج في شمال فلسطين المحتلة وسوريا ولبنان وإقامة قنوات ترابط البحر الميت بالبحرين الأحمر والأبيض، وربط شبكات الكهرباء في المنطقة، ومد خط أنابيب النفط لتصل إلى الموانئ الإسرائيلية على البحر الأبيض لنقل نفط الخليج إلى أوروبا بدل المرور بقناة السويس، وعرض الفريق الإسرائيلي ١٥٠ مشروعا من القطاع الخاص إضافة إلى إقامة بنك للتنمية في المنطقة برأسمال قدره ۱5 مليار دولار.

● نتائج المؤتمر:

اعتبر بيريز أن المؤتمر خطوة أولى الإخراج إسرائيل من عزلة استمرت نحو نصف قرن وإنشاء اقتصاد إقليمي في المنطقة تشارك فيه إسرائيل من خلال آليات ووسائل التحقيق التعاون الإقليمي منها إقامة لجنة توجيه وسكرتارية مؤقتة تتخذ من المغرب مقرا لها. وهيئة اقتصادية من ممثلي القطاع الخاص وغرفة تجارية إقليمية، ومجلس إقليمي للسياحة ومجموعة للأعمال التجارية.وبعد أن انفض المؤتمر ما الذي سيتم تنفيذه؟أحد المهتمين بقضايا المنطقة عقب على ذلك بالقول إذا كان المطلوب هو أن يقوم العرب باستثمار أموالهم في دولهم ومنطقتهم واستعادت أموالهم المودعة في البنوك الأجنبية، فهل كانوا بحاجة إلى شمعون بيرز كي يدلهم على ذلك؟ والجواب سوف تكشف عن الشهور القليلة المقبلة عندما يعقد الاجتماع المقبل في عمان في شهر مايو من العام المقبل.

الرابط المختصر :