; الاقتصاد الصهيوني على عتبة الركود! | مجلة المجتمع

العنوان الاقتصاد الصهيوني على عتبة الركود!

الكاتب محمد نزال

تاريخ النشر الثلاثاء 13-ديسمبر-1988

مشاهدات 66

نشر في العدد 895

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 13-ديسمبر-1988

التحولات النوعية التي أحدثتها الانتفاضة الشعبية في فلسطين المحتلة لم تقتصر آثارها على المجتمع الفلسطيني فحسب، بل تجاوزته إلى مجتمع «الكيان اليهودي» الذي تأثر تأثرًا مباشرًا بالانتفاضة.. ولعل من الجوانب الأساسية والبارزة التي يمكن الإشارة إليها في هذا المجال، الجانب الاقتصادي، والذي يعد من الدعامات الأساسية لأي مجتمع أو كيان.. فقد أظهرت إحصائيات نشرت في منتصف شهر نوفمبر الماضي أن الكيان الصهيوني بات على عتبة ركود اقتصادي بعد انخفاض إنتاج المصانع، بما فيها الصناعات العسكرية بنسبة 3% عما كانت عليه العام الماضي، وارتفاع معدلات البطالة إلى 7%... وقال مدير مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي «موشيه سكروني» في مؤتمر صحفي أن عام 1988 شهد جمودًا اقتصاديًا اختفى معه النمو في جميع القطاعات... ورغم رفض «سكروني» الخوض في أسباب الجمود الذي أشار إليه، فإنه اعترف بأن الانتفاضة كانت سببًا في التراجع الكبير الذي أصاب قطاع البناء، وكذلك القطاع السياحي الذي بلغت نسبة تراجعه 13%.... 

وقد أكدت وكالة «رويتر» الأمريكية نقلًا عن خبراء اقتصاديين ومسؤولين حكوميين في القدس المحتلة بأن الاقتصاد «الإسرائيلي» يعيش ركودًا يعد هو الأخطر منذ ثلاثة أعوام، إذ أشارات إحصائيات رسمية إلى ارتفاع مؤشر تكاليف المعيشة بنسبة مزعجة تبلغ 2,4% في شهر نوفمبر الماضي، مما يعني بالتأكيد زيادة معدل التضخم هذا العام... وتنبأت أرقام أكثر تشاؤمًا نشرها مكتب الإحصاء المركزي بأن إجمالي الناتج المحلي سيزيد على الأرجح بنسبة تبلغ حوالي 1% فقط في عام 1988، بعد أن كانت 5,2% في عام 1987، ووفقًا لتقديرات البنك المركزي، فإن البطء الاقتصادي- الذي تشير أحدث المؤشرات إلى أنه قد يتحول إلى ركود- يرجع في جانب منه إلى الانتفاضة بالأراضي المحتلة، والتي يقدر البنك المركزي «الإسرائيلي» أنها- أي الانتفاضة- مسؤولة عن 2% من نسبة الهبوط في إجمالي الناتج المحلي هذا العام.. وأظهرت إحصائيات جديدة أن 6,9% من الأيدي العاملة في الكيان اليهودي كانت عاطلة في الربع الثالث من العام الحالي... وقال مسؤولون حكوميون: إن عدد العاطلين آخذ في الزيادة بسرعة مع تنفيذ الشركات عمليات تسريح العمال، كانت قد أجلتها إلى ما بعد الانتخابات العامة.

وهكذا، ومن خلال عرض موجز لأحدث الإحصائيات حول الوضع الاقتصادي للكيان الصهيوني، نجد أن سهام الانتفاضة قد أصابت الاقتصادي الإسرائيلي، فجعلته يئن ويشكو التراجع اليومي المستمر... وهذا يؤكد أن حربنا مع الكيان الغاصب حرب شاملة تستهدف تدميره واجتثاثه، ويجعل العبء على إخواننا في الأراضي المحتلة في قدراتهم على التحمل والثبات في مواجهة هذا الكيان، الذي كان أبناؤه يستعدون للإحتفال بمرور أربعين عامًا على إنشائه، فإذا بالانتفاضة تفاجئهم، وتضع اقتصادهم على شفا جرف، ولاشك أن تطوير وسائل المواجهة مع العدو، من شأنه أن يزيد اقتصادهم انهيارًا، حتى يأتي أمر الله، فتكون القاصمة بإذنه سبحانه وتعالى، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾(يوسف:21).

الانتفاضة ترعب اليهود

إن دراسة الآثار الاجتماعية والنفسية للانتفاضة على اليهود وكيانهم المزعوم، لا ينفصل بأي حال من الأحوال عن فهمنا لطبيعة الشخصية اليهودية التي كادت بالأنبياء منذ القدم، وحاولت اغتيال الرسول- صلى الله عليه وسلم- وانعزلت عن المجتمعات التي تعيش فيها إرضاءً لعقدة الفوقية، ومن ثم تعرضت للاضطهاد الشديد في الغرب بعد ما بان له خبث طويتها، وفساد سريرتها، وبشاعة أعمالها التي وصلت حدث شرب دماء البشر كفطيرة... إن الانتفاضة كشفت جانبًا من هذه الشخصية، ووضعتها على المحك، فكانت نتائجها عظيمة مخلخلة أهم عنصر من عناصر الحياة، وهو الطمأنينة والاستقرار الذي حرم منه اليهود منذ اندلاع الانتفاضة إلى أبعد الحدود، وكان من نتائج ذلك ما يلي:

1- تراجع الثقة بأمان الكيان اليهودي: حيث إن الثقة بقدرة هذا الكيان على الاستمرار والبقاء في ظل مجموعة من «المخاطر» التي تحيط به من كل جانب أمر ضروري لهذا الكيان «الضعيف»، ففي دراسة أجراها معهد يافا التابع لجامعة تل أبيب، ونشرتها صحيفة النهار الفلسطينية في أكتوبر 1988 جاء فيها أن نسبة الذين يثقون بأمان الكيان اليهودي قد تراجعت من 96% عام 1986 إلى 82% عام 1988، مما يوحي بمنحى تراجعي للنفسية اليهودية وهو خطوة مهمة في صراعنا معهم.

2- سيطرة الخوف على النفسية اليهودية: والخوف صفة لصيقة باليهود منذ القدم، فهم لا يكادون يحسون بالخطر حتى يتملكهم الخوف، ولهذا قال فيهم تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ (البقرة: 96)، فمنذ اندلاع الانتفاضة وأعداد الإسرائيليين الذين يخافون التجول في الضفة والقطاع في تزايد، حتى وصل في الأشهر الأخيرة إلى 85% حسبما ذكرته جريدة القدس في 20/ 9/ 88، وقضية التجول هذه دلالة أكيدة على ما تمر به النفسية اليهودية من أزمة خانقة لا يشعر بها اليهود بالأمن والاطمئنان رغم تسلحهم بأحدث الأسلحة.

3- زيادة معدلات القلق والأمراض النفسية: فكما قلنا إن فقدان عنصر الأمن والطمأنينة شعور قاتل، وهو ما يسيطر على اليهود وعلى أذهانهم، ولذلك فهم يعقدون المؤتمرات تلو المؤتمرات لعلاج هذه القضية، وفي مؤتمر أخير كشف ضابط علم النفس السابق في الجيش الإسرائيلي “روبن” أن «القلق ينتاب الشباب اليهودي ويخافون الانتفاضة»، ولنا أن نتصور نفسيات بهذا الجبن والتخاذل كيف تتحطم أمام رمية حجر من ساعد إيمان قوي مجرد من السلاح، وهذا ما دلت عليه إحصائية أخيرة أثبتت أن 717 يهوديًا دخلوا المستشفيات هذا العام للعلاج من أمراض نفسية واجتماعية بسبب اندلاع الانتفاضة.

4- ظهور أزمة ثقة بين الإسرائيليين وصحافتهم: فالصحافة تنشر أخبارًا من أكثر من مصدر، منها المصادر القريبة التي تتناقض في حديثها عن الانتفاضة «وبالذات خسائر اليهود فيها» مع الروايات الإسرائيلية، مما أظهر لليهود زيف ادعاءات حكومتهم وجيشهم، وجعل اليأس والذعر يتسرب إلى نفوسهم، مما دعا الجامعة العبرية في القدس لعقد ندوة عن الانتفاضة، وتغطية وسائل الإعلام لها، حيث تحدث عدد من الشخصيات الإسرائيلية التي انتقد بعضها ما تنشره الصحف عن مصادر عربية، مؤكدين على تناقضات واضحة بين الروايات العربية والإسرائيلية، مما أكد على كذب مصادر الجيش الإسرائيلي، وأن هناك أزمة ثقة حقيقية بين الجيش والشعب ولعله من نافلة القول الإشارة إلى السبب الذي يدفع الجيش للكذب... إنها بلا شك الخوف على النفسية اليهودية.

5- تزايد الانشقاقات والانقسامات في الصفوف اليهودية حول سبل معالجة الانتفاضة: ففي كل فترة تندلع نقاشات حامية في الكنيست كاشفة عن صيحات الغضب والتعجب من استمرار الانتفاضة والفشل الذريع للجيش في إخمادها، مما عمق الانقسامات، وزاد جذوتها اشتعالًا ببتبادل الاتهامات بالتقصير والتخاذل، ولعل أبلغ وصف لحالة هؤلاء هو قوله تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ (الحشر: 14).

6- زيادة الهجرة المعاكسة وهجرة المستوطنات: فأرض الميعاد لم يعد فيها ذلك الأمان، وأصبحت المعيشة فيها لا تطاق، انقسامات وتفرق... أمراض نفسية... قتلى وجرحى.... انتفاضة مستمرة لا تهدأ... لا سياحة ولا تسوق... لا هدوء ولا اطمئنان... فلم الانتظار «وخصوصًا إذا لم يكن الدافع العقيدي قويًا»، والعروض والمغريات في الخارج كثيرة، فلقد علقت مجلة «سجول» على الهجرة المعاكسة التي تزايدت بشكل واضح من الكيان اليهودي بعد اندلاع الانتفاضة قائلة: «يومًا بعد يوم تزداد طوابير اليهود الراغبين في مغادرة «إسرائيل» أمام سفارتي الولايات المتحدة وكندا»... وعلق أحد المستوطنين المغادرين قائلًا: «هناك أستطيع قيادة سيارة فيراري حمراء دون أن ينظر إلي أحد باستغراب».

هذا على صعيد الهجرة المعاكسة، أما على صعيد المستوطنات فلقد أثبتت إحصائية أجريت مؤخرًا أن 46 مستوطنة إسرائيلية تم هجرها خوفًا من هجمات الفلسطينيين مما يعد إنجازًا رائعًا لشعبنا.

7- انخفاض معدل الهجرة إلى فلسطين: وهي إحدى النتائج الطبيعية لحالة الخوف وزعزعة الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني في فلسطين المحتلة.

8- زيادة العنف والتطرف في المجتمع اليهودي: فبالرغم من عرض بعض اليهود مثل يوسف شابيرا زعيم الحزب الوطني الديني 20 ألف دولار لكل شخص فلسطيني يغادر فلسطين إلى الأبد، إلا أن الحقيقة التي لا مراء فيها أن نسبة التطرف قد ازدادت بشكل ملحوظ في المجتمع اليهودي نتيجة زيادة المطالبة بتشديد الإجراءات الإرهابية ضد المنتفضين؛ لثنيهم عن انتفاضتهم،  ولقد أكدت نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة التي تفوق فيها حزب الليكود على العمل، وازدادت فيها حصة الأحزاب اليمينية والدينية المتطرفة على ذلك، وفي آخر إحصائية تشير إلى ذلك، وجد أن 49% من اليهود يطالبون بطرد السكان العرب، رغم أن رائد هذه الدعوة مائير كاهانا لم يكن يلقى تجاوبًا ملحوظًا بدعواته لطرد العرب من الضفة وغزة قبل الانتفاضة، ولعل ترجيح كفة الليكود الذي ينتمي إليه شارون مهندس عملية اجتياح 1982، وصاحب فكرة الوطن البديل للفلسطينيين في الضفة الشرقية أكبر دليل على ذلك.

ولعل ذلك أيضًا ما يدفع بالمستوطنين لتطوير أساليبهم الدفاعية، حيث ذكر التلفزيون الإسرائيلي في 8/ 9/ 88 أن المستوطنين يرون أن عليهم أخذ زمام المبادرة «للدفاع عن أنفسهم»، ومن ذلك فلا بد من التدرب على السلاح والكاراتيه..

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل