; الاقتصاد وتنظيم النسل والعلمانية.. ثالوث التنصير في إندونيسيا | مجلة المجتمع

العنوان الاقتصاد وتنظيم النسل والعلمانية.. ثالوث التنصير في إندونيسيا

الكاتب صلاح الصيفي

تاريخ النشر السبت 12-مايو-2007

مشاهدات 55

نشر في العدد 1751

نشر في الصفحة 30

السبت 12-مايو-2007

باحث للدكتوراة في العلوم السياسية

إن مسخ هوية الأمة الإسلامية وتغييب هويتها الحقيقية هو أهم الأسلحة التي حرص الأعداء على استعماله، وتفننوا في الإبداع فيه فقد تعرض الوجود الإسلامي في جنوب آسيا لعملية تصفية منظمة على يد القوى الصليبية حيث كان الإسلام هو الغالب على ما كان يسمى «جاوا »، وهي المنطقة التي تشمل الآن الفلبين وإندونيسيا ولقد بلغ من توسع النشاط التنصيري في إندونيسيا واستعماله طاقات هائلة من الطائرات والسفن أن طرحت الكنائس شعار إندونيسيا نصرانية عام ٢٠٠٠م.

ويلقى مخطط تنصير إندونيسيا تأييد بلاد عدة مثل الولايات المتحدة الأمريكية التي لا تتردد في إمداد الحركة التنصيرية بالمال بجانب تأييد العديد من الأجهزة الاستخباراتية والأمنية في أنحاء العالم، الأمر الذي سهل هجومها على بلدان العالم الإسلامي، تحت غطاء المبشرين والتجار وخبراء التعدين.. إلخ.

تاريخ التنصير في إندونيسيا

لقد كان التنصير رأس حربة للاستعمار، وكان الاستعمار الهولندي حريصًا على تكوين جاليات نصرانية محلية مضمونة الولاء ومع خروج المستعمر عام ١٩٤٥م استمر النشاط التنصيري، واعتمد على التحالف مع النخبة العلمانية الحاكمة التي تسلل إليها النصارى.

تميز النشاط التنصيري في إندونيسيا بسعة انتشاره فقد حاول اختراق صفوف المسلمين، وتمكن من استمالة بعض ضعاف النفوس الذين ارتدوا عن الإسلام، وحاولوا التأثير على المسلمين عن طريق تقديم الخدمات الطبية والمادية، مستغلين انتشار الجهل وخرافات الصوفية، وقد وصلت وسائل التدليس على البسطاء إلى حد نشر أشرطة للإنجيل مرتل باللغة العربية للإيهام بأنه من سور القرآن.

وتعتبر إندونيسيا أكبر دولة إسلامية في العالم حيث يبلغ عدد سكانها نحو ٢٢٥ مليون نسمة، ونسبة المسلمين فيهم أكثر من ٩٠%، والنصارى7%، وقد نقصت نسبتهم كثيرًا بعد انفصال تيمور الشرقية، وحوالي ٢% هندوس، و1% بوذيون، وحوالي 1% ديانات أخرى وثنية، أما المجموعات العرقية فهي تتوزع بين الجاويين ٤٥% والسندان ١٤%، وماليزيين ساحليين ٥.٧% ومادوريين ٥.٧ % وجميعهم مسلمون تقريبًا.

على طريق تيمور الشرقية

وقد أصبح هدف الغرب الأساسي تفكيك أكبر تجمع إسلامي في العالم وتحويله إلى دويلات مسيحية، ويتبين لنا عند مراجعة الإحصاءات الرسمية أن الهجوم التنصيري المتواصل طوال أربعة قرون ماضية يمضي مصحوبًا بحرب عنصرية، من البرتغال وإسبانيا وهولندا، والآن عن طريق الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا مجتمعة مع الفاتيكان، وتسخير الأمم المتحدة من أجل تمزيق الجسد الإسلامي في إندونيسيا، بعد فصل تيمور الشرقية التي انهالت عليها الإمدادات العسكرية والاقتصادية، بما يؤهلها لتكون رأس جسر لتحقيق الأمل الصليبي الذي لم يفلح حتى الآن في تنصير إندونيسيا المسلمة.

وتؤكد جميع الوثائق التي بثتها مؤتمرات التنصير أن إندونيسيا ستكون أول دولة إسلامية تتحول إلى النصرانية، بل إنهم كانوا قد حددوا عام ٢٠٠٠م لتحقيق هذا المخطط، إلا أن إندونيسيا لم تزدد إلا ارتباطًا بالإسلام، فجن جنون المنصرين في الفاتيكان والدول الغربية، وانهال عليها سيل التهديدات الأمريكية، وتوجيهات الفاتيكان، والاتحاد الأوروبي لمراعاة شؤون الأقليات والنصارى تحت مزاعم غربية روجها الإعلام الغربي: للتمهيد لفصل العديد من الأقاليم الإندونيسية.

الاقتصاد وتنظيم النسل والعلمانية

والسؤال هنا: ما الأسباب التي أدت إلى نجاح حملات التنصير في بعض أجزاء من إندونيسيا والظروف الملائمة لحملات التنصير التي من خلالها تستطيع اختراق أكبر تجمع إسلامي في العالم؟

أسباب اقتصادية: حيث إن جميع المؤسسات الاقتصادية المتحكمة في الاقتصاد الإندونيسي تقع بغير استثناء في قبضة النصارى والصينيين، وعلى سبيل المثال، فإن الحكومة إبان النهضة الاقتصادية العامة في جنوب شرق آسيا في السنوات العشر الأخيرة، أقرت في أكتوبر عام ۱۹۸۸م، قانون تنظيم البنوك الأجنبية والخاصة، ومنذ ذلك التاريخ وحتى ديسمبر ١٩٩٥م تم تأسيس ١٦٥ بنكًا خاصًا، ولهذه البنوك ٣٤٥٨ منفذًا بنكيًا غالبيتها بأيدي النصارى، كما تم التصريح لعدد ٤١ بنكًا أجنبيًا، بعدد منافذ يبلغ ٨٣ «كلها للنصارى والأجانب»، مثل البنك المركزي لآسيا، بنك بالي، بنك دانامون بنك دوتا بنك نيجا بانين بنك أو البنوك الأجنبية مثل: بنك أمريكا، بنك هونج كونج، بنك طوكيو، بنك بنكوك، بنك تشيس مانهاتن، وغيرها.

كما أن الشركات المالية الكبرى بلغت ٢٥٣ شركة في عام 1995م، باستثناء شركات رأسمالية مملوكة للدولة، أما شركات التأمين فقد بلغت-حتى أغسطس عام ١٩٩٦م، ١٧٣ شركة للتأمين وإعادة التأمين، كما أن الشركات المدعمة لها ١١٥ شركة، وهذه الأعداد الهائلة والتي تتحكم في مليارات الدولارات تحكمًا كاملًا، غالبية اتباعها من بنوك وشركات وتأمينات بيد النصارى.

أسباب اجتماعية: تتعلق بحرص الحكومة الإندونيسية وبصورة ملحة على ضرورة تنظيم النسل، ولا شك أن الكثيرين من المسلمين، نظرًا للظروف الاقتصادية الصعبة، مضافًا إليها الإنتاج الإعلامي، سرعان ما يستجيبون لهذه الدعايات، مما أدى إلى التناقص المستمر في نسل المسلمين عبر العقود الأخيرة، بينما النصارى في أماكن تجمعاتهم لا يلقون بالا لهذه الدعايات ويلتزمون بصورة صارمة بالتعاليم الكنسية البروتستانتية والكاثوليكية التي تحرضهم على الزيادة في النسل بكل وسيلة ممكنة مما دعا بعض المحللين إلى اعتبار هذا الخلل الجسيم في التوازن السكاني إنما يرجع إلى هذه الأسباب، لا إلى النجاح في عمليات التنصير.

 بجانب الظلم الاجتماعي وعدم العدالة في توزيع الثروة فيبلغ معدل دخل الفرد بالنسبة لإجمالي الناتج القومي ٢٨٠٠ دولار أمريكي للفرد، وهذا لا يعكس حال الفرد الإندونيسي: حيث يعيش الكثير منهم تحت خط الفقر، ويسيطر 4% من السكان من أصل صيني على ٧٠% من الاقتصاد، ولا يتجاوز الدخل الحقيقي لـ٨٠٪ من السكان ٢٥٠ دولارًا في السنة، وقد تفاقم الوضع بعد دخول رؤوس الأموال الغربية إندونيسيا، ما أدى لانهيار الاقتصاد الإندونيسي في عام ١٩٩٧م.

 بات الاقتصاد المدخل الرئيس الحركات التنصير.. و4% من النصارى الصينيين يسيطرون على ٧٠٪ من الاقتصاد الإندونيسي

أسباب عقائدية: تتمثل في عقيدة الدولة الإندونيسية العلمانية، والتي لا تلقي بالًا للديانات عند تخطيط وتوزيع الخدمات أو الامتيازات، ولقد أدى هذا المذهب العلماني إلى إيقاع أشد الظلم بالمسلمين حيث تم فتح الأبواب والفرص دون تمييز بين الأغلبية الساحقة من المسلمين، وبين الأقلية التي لا تكاد تذكر من النصارى، رغم القاعدة المعتمدة في جميع أنحاء العالم والتي بموجبها تخضع الأقليات لرأي الأغلبية وإن لم تعتنقه، وإلا لزم العكس وهو غير معقول، إلا في حالة الأغلبيات المسلمة والأقليات النصرانية، كما هو الحال في إندونيسيا: حيث يتوجب على الأغلبية المسلمة أن تعطل كافة أعمالها احتفالًا بالأعياد النصرانية الكثيرة، وعلى الأغلبية المسلمة أن تنصت بإمعان إلى البرامج المتتالية والتي لا تنقطع فيها الدعوة إلى الديانة النصرانية والتنصير المعلن، الذي يذاع دون مداراة في التلفزيون الإندونيسي.

 التدخلات الأجنبية: لقد كان التدخل الأجنبي مباشرًا في أحداث تيمور الشرقية، ولا يبعد العامل الأجنبي في طبيعة تعامل الحكومة مع أحداث جزر الملوك حيث ترك المسلمون لمصيرهم لأكثر من سنة قبل تدخل الحكومة، أما عملية مجازر قبائل «الداياك» الهمجية للمسلمين «المادور» فلا ينتهي العجب من سلبية القوات الحكومية التي آثرت موقف المتفرج على المذابح التي تمارس بالأسلحة البدائية، بل سهلت هروب المسلمين فقط بعد انتقادات محلية.

الرابط المختصر :