العنوان الانتخابات الأمريكية.. بات بيوكانان
الكاتب أنتوني سوليفان
تاريخ النشر الثلاثاء 02-أبريل-1996
مشاهدات 77
نشر في العدد 1194
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 02-أبريل-1996
▪ ظاهرة سوف تغير.. وجه أمريكا وسياستها في القرن القادم
▪ بيوكانان: يعارض التدخلات الأمريكية الخارجية ويصف الكونجرس بأنه أراض إسرائيلية محتلة ويطالب بإنهاء احتلال الضفة الغربية وغزة
إن النجاح النسبي الذي حققته الحملات السياسية للمرشح الجمهوري للرئاسة الأمريكية باتريك بيوكانان يرمز إلى تصاعد وتنامي إحدى القوى الجديدة على الساحة السياسية الأمريكية، وهو الأمر الذي أصبح ممكنًا بعد نهاية الحرب الباردة وفي أعقاب الحملة الانتخابية للمرشح الرئاسي روس بيرو في عام ١٩٩٢م، إن حملة بیوکانان ستحظى باهتمام كبير من قِبل العالم الإسلامي عامة والحركات الإسلامية على وجه الخصوص، وذلك لأن الحركة السياسية التي يقودها بيوكانان تعتبر حدًا فاصلًا في السياسة الأمريكية بين مرحلتين، ومن المحتمل أن تلعب دورًا فاعلًا في صياغة سياسة أمريكا الخارجية والداخلية في المستقبل.
والحقيقة هي أن «البيوكانانية» أصبحت حركة تمثل ظاهرة ذات أبعاد كبيرة وليست مجرد حركة رفض من شخص ذكي يدعو إلى تأكيد وتثبيت حقائق وأشياء تحكم السياسة الأمريكية منذ عام ١٩٤٥م، وكان بيوكانان قد حقق خلال العام الماضي نجاحًا غير متوقع في تأليب الجماهير ضد كثير من المسلمات الجاهزة التي ظلت تتحكم في صياغة السياسات العامة في أمريكا منذ سنوات طويلة، ورغم أنه بات من الواضح عدم فوز بيوكانان بترشيح الحزب الجمهوري لانتخابات عام ١٩٩٦م فإن الحقيقة التي ستبقى هي أنه جاء في المرتبة الثانية في السباق، وكل هذه الأصوات التي حصل عليها في الانتخابات الأولية لاختبار المرشح الجمهوري قد أعطته قوة هائلة تمكنه من صياغة توجهات الحزب الجمهوري مستقبلًا، الأمر الذي سيسهل عملية الاندماج في صلب السياسة الأمريكية بالنسبة للمجتمعات المهمشة سابقًا والتي كانت ترفض الكثير من المسلمات في التركيبة السياسية الأمريكية.
لقد أصيبت قطاعات رئيسية تمثل النخبة الأمريكية بالهلع من هذا التطور الجديد، وأثناء الحملة الانتخابية الحالية تعرض بيوكانان إلى حملة انتقادات عنيفة وغير متوقعة في السياسة الأمريكية، فقد تم وصفه بأنه معادٍ للسامية وانعزالي ومهرج ديماجوجي، وفوق كل هذا بأنه متطرف، ووصفه البعض بأنه «هتلر جديد» وقام الميجر روولف حولياني من مدينة نيويورك بحملة معادية لترشيح بيوكانان لتمثيل الحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسة الأمريكية، ومن الجانب الآخر يقوم بيوكانان بمواصلة حملته رافضًا المساومة على رسالته ومتمسكًا بمبادئه التي يتحدث عنها بإيمان عميق.
▪ آراء بيوكانان ومعتقداته
ما هي المبادئ التي يؤمن بها بيوكانان؟ ومن هم أعداؤه الأيديولوجيون؟ وما هي المجموعات التي تقف من ورائه مؤيدة له؟ وماذا يعني كل هذا بالنسبة للعرب والمسلمين؟
أولًا: يعارض باتريك بيوكانان السياسة الأمريكية المفتوحة في التدخلات الخارجية، ويرى أن التدخل الأمريكي الخارجي يجب ألَّا يتم إلا في الحالات ذات الضرورة القصوى، ويعتقد أن تلك الحالات هي التي تتعلق مباشرة وبوضوح بالمخاطر التي تتهدد الأمن القومي الأمريكي، وقد عارض بیوکانان بقوة وبشجاعة التدخل الأمريكي في حرب الخليج، واعترض على إرسال قوات أمريكية إلى الصومال، وانتقد مرارًا المشاركة الأمريكية في قوات حفظ السلام الدولية التي أرسلت مؤخرًا إلى يوغسلافيا السابقة وبالنسبة للبوسنة حث بيوكانان مرارًا الإدارة الأمريكية، والحرب البوسنية في أوجها، برفع الحظر الأمريكي عن السلاح، والسماح لمسلمي البوسنة بالدفاع عن أنفسهم، ومع انتهاء مرحلة الحرب الباردة فإن بيوكانان يعتقد بأن على أمريكا أن تعود إلى نفسها وأن توجه اهتمامها الأكبر لمعالجة القضايا الاجتماعية والثقافية والاقتصادية الضخمة والتي تواجه الولايات المتحدة.
وبالنسبة (لإسرائيل) والصراع الإسرائيلي- الفلسطيني أطلق بيوكانان آراء لم نسمع بها من قبل من شخصية أمريكية ذات وزن، وكتب بیوكانان مرة عن الكونجرس بأنه «أراض إسرائيلية محتلة»، وانتقد بشدة اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للعلاقات العامة (AIPAC) واللوبي، وصرح مرارًا وأوضح في ردوده على أسئلة وجهت له أثناء الحملة الرئاسية الحالية بأن احتلال (إسرائيل) للضفة الغربية وقطاع غزة يجب أن ينتهي، وأن للفلسطينيين الحق في تقرير مصيرهم، وأن يكون لهم علمهم الخاص بهم، وأن يقيموا دولتهم المستقلة، ويعتقد بيوكانان بأن العون العسكري والاقتصادي الأمريكي (لإسرائيل) «إلى جانب العون الاقتصادي والعسكري لمصر وغيرها من الدول» يجب تقليصه بصورة كبيرة وتخصيص تلك الأموال لمعالجة المشاكل الاجتماعية في الولايات المتحدة.
وعلى الصعيد المحلي فإن التحلل الاجتماعي والمشاكل الاقتصادية تعتبر من بين الاهتمامات الرئيسية لبيوكانان، ويعترض بيوكانان، وهو من طائفة الكاثوليك الرومان، بشدة على حرية الإجهاض باعتبار أنها تؤثر سلبًا على التماسك الأسرى في أمريكا، وهو في ذات الوقت يعتبر من أقوى المعارضين لحركات التحرر النسائية المتطرفة وطروحات مجموعات الشواذ أخلاقيًا وأدان بيوكانان الشركات والمؤسسات الكبرى التي قامت بفصل أعداد كبيرة من العاملين وتلك التي نقلت مراكزها إلى خارج الولايات المتحدة حيث توجد الأيدي العاملة الرخيصة والأجور المتدنية مقارنة مع الأجور المرتفعة داخل الولايات المتحدة، ولوقف تآكل الفرص الوظيفية داخل الولايات المتحدة وتدنِّي المستوى المعيشي للكثيرين من الأمريكيين يدعو بيوكانان إلى فرض رسوم وتعرفة جمركية غالية على بعض الواردات خاصة المنتجات القادمة من اليابان والصين، ويعارض بيوكانان بشدة الهجرة غير القانونية وهي المشكلة التي تسببها في المقام الأول الهجرة الوافدة من دول أمريكا اللاتينية والتي تصبح دائمًا عبئًا على النظام الاجتماعي والمستوى المعيشي في الولايات المتحدة.
وبيوكانان باعتباره من أتباع الثقافة التقليدية ومن المحافظين سياسيًا واجتماعيًا يشن حملاته الانتقادية على روح الفردية وحب الذات وانعدام الجوانب الأخلاقية والتي أصبحت من سمات الحياة الأمريكية.
ومن بين أعداء بيوكانان الأيديولوجيين الصهاينة الأمريكيون وصحفهم مثل The new Republic و Commentary والمجلة الأسبوعية STANDARD التي قادت جوقة الاحتجاجات والإدانات ومن ورائها مجموعة المحللين والنقاد الموالين (لإسرائيل) مثل مارتين بيريتز وزورينثال ووليام سفاير، إضافة إلى بقية المؤسسة الهجومية والتي بقيت في مكانها في حالة تأهب على الرغم من انتهاء مرحلة الحرب الباردة، وهي تقف معارضة لآراء بيوكانان ودعواته ضد سياسة التدخلات في حالة ممارسة السياسة الخارجية الأمريكية، ومن الأمثلة الحديثة والحية وهي كثيرة، انتقادات النخبة لآراء بيوكانان ضد سياسة التدخلات ومن بين هؤلاء الجنرال كولين باول قائد القوات الأمريكية أثناء حرب الخليج.
▪ القوة الدافعة لبيوكانان
إن القوة الدافعة لحملة بيوكانان تنبع من أسفل الطبقة الوسطى والتي وقع على عاتقها تبعات وأعباء إعادة صياغة ومحاولات تشكيل النظام الدولي الجديد «والذي يشن عليه بيوكانان حملة شعواء في حملاته الانتخابية»، والكثيرون ممن يطلق عليهم «ديمقراطيو ريجان» ينتمي معظمهم إلى هذه الطبقة ويصوتون الآن لصالح بيوكانان، وهناك الكثيرون من مختلف قطاعات المجتمع والذين يقلقهم أمر تهميش الدين وانهيار القيم والأخلاقيات، يقفون الآن مؤيدين لبيوكانان، ومن بين هذه المجموعات التي تلفت الانتباه أكثر هي مجموعة «اليمين المسيحي»، أو التي يمكن وصفها في أمريكا بصورة أكثر دقة من ناحية سياسية ودينية بأنها نوع من أنواع التحول الأصولي ويتوقع لمثل هذا الناشط المسيحي اليميني أن يحظى بثقل سياسي متزايد في المستقبل، ولعل من الجدير بالذكر أن القرار الأخير لمسلمي أمريكا صائب في الانضمام إلى صفوف العاملين المهمشين والأصوليين المسيحيين وإعلان تأييدهم لحملة بيوكانان، وهذه المبادرة الأخيرة تكتسب أهميتها مع تطور وتقدم هذه الحملة.
والعرب الذين تمنوا ولعدة عقود أن يروا سياسة أمريكية متوازنة إزاء الصراع العربي الإسرائيلي والمسلمون الذين يرغبون في وجود أمريكي مخفف في الشرق الأوسط، والإسلاميون المعارضون لموجة العلمنة الراديكالية والتحديث كل هذه المجموعات يجب أن تكون في موقع القلب والصدارة بالنسبة لتأييد ترشيح بيوكانان، وأن تراقب بحذر تطور هذه الحركة التي تتمثل في ترشيح بيوكانان، والمبادرة بإجراء حوارات بين النخبة العربية والإسلامية ونخبة مختارة من المفكرين الأمريكيين الذين لهم علاقة وطيدة مع حركة البيوكانانية يمكنها أن تمثل طريقة مُثلى ومؤثرة في البدء في تكوين جبهة متحدة ضد الكثير من المشاكل المماثلة والتي تواجه مجموعات الثقافات التقليدية في العالمين الإسلامي والغربي، ومثل هذه المبادرة ليس فقط من شأنها أن تشجع على إحداث تعديلات وتحويلات جذرية في السياسة الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط بل ستشجع على قيام تحالف دولي بين التقليديين الدينيين المعارضين للأفكار والمبادئ المستفادة من حركة التنوير- الفرنسية والتي تعتبر هدامة للقيم والمعتقدات الدينية وللأسرة والمجتمع.
إن حملة باتريك بيوكانان قد تقدم أكثر الفرص الواعدة خلال نصف القرن القادم لإحداث وإعادة صياغة السياسات والخطاب السياسي في منطقة الشرق الأوسط، والولايات المتحدة، وربما الغرب بمجمله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل