; الانتخابات البلدية التركية.. النتائج والانعكاسات | مجلة المجتمع

العنوان الانتخابات البلدية التركية.. النتائج والانعكاسات

الكاتب د. سعيد الحاج

تاريخ النشر الخميس 01-مايو-2014

مشاهدات 73

نشر في العدد 2071

نشر في الصفحة 32

الخميس 01-مايو-2014

أنقرة:

كيف تحولت هذه الانتخابات إلى معركة سياسية عنوانها الأبرز شعبية الحزب الحاكم ؟

في اختلاف واضح عن كل الانتخابات المحلية السابقة، أنهت تركيا في الثلاثين من مارس الماضي انتخاباتها المحلية لعام ٢٠١٤م في أجواء استقطابية لم يسبق لها معايشتها حتى في الانتخابات البرلمانية. ذلك أن ادعاءات الفساد بحق وزراء في الحكومة ورجال أعمال مقربين منها، وما تبع ذلك من حرب شرسة بين الحكومة التركية بقيادة «أردوغان»، و«التنظيم الموازي»: أي الذراع المتنفذة الجماعة الداعية «فتح الله كولن» المقيم منذ سنوات في الولايات المتحدة الأمريكية) في مؤسسات الدولة المختلفة، جعلت المناسبة الديمقراطية استفتاء على شعبية «العدالة والتنمية» وسياسات زعيمه رجب طيب أردوغان».

فقد رأت المعارضة فيما يبدو، في هذه الأزمة ضالتها وسبيل نجاتها من خسائرها المتكررة أمام العدالة والتنمية، في مختلف المنافسات الانتخابية. واعتبرتها فرصة سانحة للنيل من شعبيته على طريق إسقاطه وإنهاء فترة تفرده في حكم تركيا منذ عام ٢٠٠٢م.

ولذلك، فلم ثال أحزاب المعارضة المختلفة جهداً في محاولات تشويه الحزب الحاكم وقياداته، واتهامها بالفساد والسرقة وإهدار المال العام، لدرجة مبالغة وصلت إلى عدم تقديمها برنامجاً واضحاً بين يدي الانتخابات مكتفية بمهاجمة الحزب الحاكم مادة وحيدة في مهرجاناتها الدعائية.

إلا أن الجديد في الأمر، هو التحالف غير المعلن بين حزب «الشعب الجمهوري» «اليساري الكمالي» أقوى أحزاب المعارضة، وحزب الحركة القومية (اليميني)، وجماعة كولن في عدد من المحافظات على رأسها إسطنبول ذات الأهمية والرمزية والعاصمة أنقرة، ويبدو أن هذا التحالف قد أمل المعارضة بهزيمة الحزب الحاكم على الأقل في العاصمة، ولذلك فقد ركز خطابها على تراجع شعبية العدالة والتنمية... انعكاساً المصداقية ادعاءات الفساد بين أفراد الشعب التركي.

«أردوغان» يقود المعركة

هكذا تحولت الانتخابات المحلية التي يفترض أنها بعيدة عن الاستقطاب السياسي ومرتبطة بالخدمات المقدمة للمواطنين، إلى معركة سياسية عنوانها الأبرز شعبية الحزب الحاكم ولذلك استبدلت الحملات الانتخابية البلدية لمختلف الأحزاب بخطاب سياسي اضطر أردوغان، معه إلى تصدر المشهد وقيادة المعركة بنفسه مقدما قراءة الحزب للحالة السياسية في تركيا على أنها استهداف مستمر للحكومة منذ أحداث حديقة ، جزي، في شهر مايو ۲۰١٣م  بتضافر جهود أطراف داخلية وخارجية.

وبنتيجة كل هذه الظروف بانت نتيجة الانتخابات المحلية محض جواب على سؤال مهم فرض نفسه ما الذي يصدقه الشعب التركي أكثر نظرية المؤامرة أم ادعاءات الفساد؟

الأرقام لا تكذب

في نهاية يوم طويل من التصويت، ثم الجمع والفرز أظهرت النتائج غير الرسمية للانتخابات البلدية مساء الثلاثين من مارس الماضي ما يلي:

أولا: رفع حزب العدالة والتنمية نسبة تصويته في عموم البلاد من ۳۸٪ في آخر انتخابات محلية عام ٢٠٠٩ م إلى ما يقارب ٤٦ ٪ وبما يفوق مجموع حزبي المعارضة الرئيسين «الشعب الجمهوري»، و«الحركة القومية».

ثانيا: ارتفع عدد بلديات المدن التي فاز بها الحزب الحاكم من ٤٥ ٪- ٤٩٪.

ثالثا، رغم عدم فوز «العدالة والتنمية» برئاسة بلدية أي مدينة كبرى في المناطق الكردية جنوب شرقي البلاد، إلا أنه رفع من نسبة تصويته هناك بدرجة كبيرة.

رابعا: رغم ارتفاع نسبة التصويت لحزب «الشعب الجمهوري» وعدد البلديات التي فاز بها حزب الحركة القومية، وسيطرة حزب السلام والديمقراطية على بلديات المدن الكبرى جنوب شرقي تركيا، فإن أحزاب المعارضة ثبتت الصورة النمطية التقليدية كأحزاب نخبوية أو مناطقية، بينما بقى العدالة والتنمية الحزب الوحيد المنتشر في كل المحافظات والمنافس فيها جميعا سيما في المناطق الكردية التي غاب عنها أو كاد حزبا المعارضة الرئيسان.

استنتاجات لا بد منها

لم يكن ممكنا أن تمر تلك النتائج دون استخلاص بعض الرسائل المتضمنة في طياتها وهو ما دفع «أردوغان»، لأن يقول في «خطبة الشرفة»، التقليدية بعد كل استحقاق انتخابي إن الشعب لفن المعارضة والتنظيم الموازي درساً بليغاً، ووجه لهما «صفعة عثمانية».

ذلك أن الرسالة المباشرة الأولى من هذه النتائج مفادها أن عملية تشويه الحزب الحاكم لم تنجح، وأن غالبية الشعب (خاصة ناخبي العدالة والتنمية كانوا أقرب لتصديق نظرية المؤامرة أكثر من مقاربة الفساد، سيما وأن عملية التنصت والتسريبات تخطت الحكومة وشخص أردوغان لتهدد مؤسسات الدولة المختلفة، حين تم تسريب اجتماع أمني خاص بين الجيش والاستخبارات ووزارة الخارجية يناقش السيناريوهات المحتملة لتركيا في سورية.

والرسالة الثانية التي فهمها وأكدها رئيس الوزراء التركي هي دعم الشعب التوجهه في حربه ضد التنظيم الموازي في الدولة، والتي اعتبرها حرب استقلال تركيا الجديدة.

 والثالثة رسالة دعم وتأييد من الطيف الكردي لعملية السلام التي بدأتها الحكومة مع حزب العمال الكردستاني، لإلقاء السلاح مقابل إصلاحات دستورية وقانونية تعطيهم حقوقهم التي حرموا منها طويلا، وهو مؤشر مهم جدا على فرح نجاح العملية.

والرابعة: انكشاف ظهر «جماعة كولن» وفقدانها الهالة التي أحاطت نفسها بها، فقد ظهر ضعف قاعدتها التصويتية وفشلها في إقناع مريديها بالتصويت ضد «العدالة والتنمية» منها: في كثير من المناطق، وفقدت الجماعة إضافة إلى ذلك ثقة الناس بها، وباتت أضعف كثيرا في مواجهة الحكومة، كما ظهر أن مقاربة «العدالة والتنمية» كانت أقرب إلى الصواب بدليل توقف التسريبات منذ الانتخابات البلدية وحتى اليوم.

والخامسة رسالة مبطنة بتأييد خطة رئاسي. أردوغان بالانتقال من كرسي الوزارة إلى كرسي الرئاسة في الانتخابات المقبلة في أغسطس القادم.

المعارضة.. واحتمالات التفتت

إضافة إلى «جماعة كولن» أكبر الخاسرين في الانتخابات. يمكننا أن نصنف زعيم المعارضة «كمال كليتشدار أوغلو» كتاني الخاسرين، حيث راهن الأخير - في محاولة منه للنيل من أردوغان - على أمرين غير مسبوقين في حزبه وبدون موافقة مراكز القوى فيه:

الأول: التحالف غير المعلن بين حزبه و« جماعة كولن» «أحد أعدائه التاريخيين».

 الثاني: التقارب مع التيار القومي اليميني حيث رشح الحزب في أنقرة أحد قادة حزب الحركة القومية، لكسب الأصوات المحسوبة على القوميين وبعض الإسلاميين إضافة إلى جماعة كولن، كما رشح في هاتاي (أنطاكية) رئيس البلدية السابق المستقيل حديثاً من «العدالة والتنمية».

ويبدو أن فاتورة فشل الحزب في هزيمة العدالة والتنمية سيدفعها رئيسه وحده حيث بدأت الانتقادات الموجهة له بالخروج إلى العلن من الفشل في تقديم برنامج انتخابي واضح والاكتفاء بكيل الاتهامات للحكومة، إلى التحالف مع جماعة دينية، كان الحزب - وما زال - يعتبرها رمزا للرجعية إلى الانحراف بالحزب عن كماليته ويساريته نحو اليمين طمعا في الأصوات الانتخابية، إلى افتقاد الكاريزما إلى عدم الاعتراف بالهزيمة.

هنا، يبدو أن سيناريو وصول كليتشدار أوغلو نفسه للسلطة وإزاحة زعيمه السابق بايقال، قد يكون نفسه سيناريو ازاحته الصالح مرشح الحزب عن بلدية إسطنبول مصطفى صاريجول في هيئة عمومية طارئة للحزب، يتوقع أن تكون قريبة.

تأثيرات إستراتيجية

بيد أن تجميع التفاصيل الصغيرة وإعادة تركيبها لتكوين المشهد الكبير ستضعنا أمام تأثيرات استراتيجية نتجت عن هذه الانتخابات المحلية، يتوقع لها أن تؤثر على مستقبل تركيا القريب وتوجهاتها السياسية داخليا وخارجيا، منها:

أولا: دعم مشروع أردوغان، للوصول الرئاسة الجمهورية، وزيادة فرصه بالفوز في الجولة الأولى دون الحاجة لجولة إعادة، وبما قد يتضمن تعديلا - كبيرا أو طفيفا - في النظام السياسي التركي ليصبح رئاسيا أو شبه رئاسي.

ثانيا: ضعف المعارضة بمختلف أطيافها وتشتتها، بما يقوي من سيطرة الحزب الحاكم. ويزيد من قدرته على تنفيذ أجندته وأهدافه التي وضعها لعام ٢٠٢٣م، الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية التركية الحديثة.

ثالثا: عدم قدرة أحزاب المعارضة على الاتفاق على مرشح واحد ينافس مرشح العدالة والتنمية في الانتخابات الرئاسية القادمة، مما يجعل الأخير أيا كان اسمه رئيس تركيا المقبل.

رابعا : دفعة قوية حصلت عليها الحكومة في حربها لاجتثاث التنظيم الموازي من مؤسسات الدولة المختلفة.

خامسا: انخفاض حدة الانتقادات الدولية للحكومة التركية، بعد أن غيرت نتيجة الانتخابات الصورة التي كانت بعض الدوائر تحاول ترويجها عن الحكومة التركية تحت عناوين الفساد والتسلط وانخفاض الشعبية.

سادسا: دعم واضح وجلي من المناطق الكردية العملية السلام في البلاد، بما يقوي قرص النجاح لإيقاف شلال الدم المستمر منذ عشرات السنين واستنزاف إمكانات تركيا العسكرية والاقتصادية والاجتماعية في هذا الصراع الأمر الذي سيسرع ويدفع عملية التنمية للمناطق الكردية وتركيا بشكل عام.

وفي ظل هذه النتائج وانعكاساتها المرحلية والاستراتيجية، يبدو أن تطورات الأحداث في تركيا مرشحة للتسارع أكثر، ورغم الأهمية الكبيرة لهذه الجولة الانتخابية فإنها مجرد مرحلة من مراحل الصراع بين مراكز القوى ولئن أفرزت الانتخابات معادلة جديدة في الخريطة السياسية الداخلية، لكنها لم تحسم المعركة نهائيا بل أجلتها إلى الاستحقاق الانتخابي القادم وهو معركة الرئاسة بعد أربعة أشهر، وصولا للانتخابات البرلمانية عام ٢٠١٥م المناسبتان اللتان ستحددان بشكل قاطع توجهات الناخب التركي ومسيرة تركيا داخليا وخارجيا في السنوات الخمس القادمة على الأقل.

 

الرابط المختصر :