; الانتخابات التركية وظاهرة «حضور الدين» في الحياة السياسية | مجلة المجتمع

العنوان الانتخابات التركية وظاهرة «حضور الدين» في الحياة السياسية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 21-يونيو-1977

مشاهدات 84

نشر في العدد 355

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 21-يونيو-1977

قصة فصل الدين عن السياسة تحتاج إلى مراجعة وإلى تحقيق استقرائي دقيق؛ فقد صدّقت أجيال متتابعة في العالم الإسلامي هذه القصة، وبنت على هذا التصديق مواقف عملية -بالنسبة للإسلام- في ثلاثة مجالات مهمه جدًّا:

••في مجال الثقافة والفكر: إذ تلقف جمهرة من المشتعلين بالثقافة والفكر تلك القصة وطفقوا ينادون -في الجامعات والصحافة والكتاب وفي كافة أجهزة التثقيف- بإقصاء الإسلام عن الحياة السياسية.

••وفي مجال التشريع: حيث أُقصِيَ الإسلام عن القانون والقضاء.

••وفي مجال الحكم: فقد ظهرت في العالم الإسلامي أنظمة حكم أبعدت الإسلام عن الإدارة والإعلام والجيش والاقتصاد والسياسة الخارجية.

بينما قصة فصل الدين عن السياسة خرافة صدقها الذين هم مولعون بتصديق خرافات أوروبا، فالدين لم يفصل عن السياسة في يوم من الأيام كل الذي حدث أن توترًا قد وقع بين الكنيسة وبعض رجال العلم، وهذا التوتر كان قصير الأجل؛ لأن الكنيسة قد سارعت إلى تعديل موقفها،وأدى هذا التعديل إلى ارتباط أوثق بينها وبين أنظمة الحكم في أوروبا.

إن الذين ناضلوا طويلًافي العالم الإسلامي لفصل الإسلام عن الحياة العملية إنما هــم رجلان:

*رجل خائن يعرف الأكذوبة، ويعلم الخيانة فيخون أمته- من ثمَّ- عن علم. 

*ورجل لا يستطيع مقاومة الانبهار فانساق في التيار، بيد أن النتيجة واحدة وإن اختلفت البواعث والأهداف. لقد تتبعنا فصول هذه القصة فألفيناها موجهة ضد الإسلام وحده. 

لم تفصل النصرانية عن السياسة. ولم تفصل اليهودية عن السياسة. وهذه هي الأدلة:

•بالنسبة للنصرانية نشأ حلف طويل المدى بين الكنيسة وحملات الاستعمار في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط.

وليس صحيحًا أن هذه مرحلة قد انتهت؛ فالكنيسة الكاثوليكية في البرتغال تحالفت مع الاتجاه الأمريكي ضد المد الشيوعي هناك.

ومجلس الكنائس العالمي نظم مؤامرةبواسطة كبير الأساقفة في يوغندا للإطاحة بحكم عيدي أمين. وفي أيرلندا ثورة قوامها العقيدة الكاثوليكية. 

وفي ألمانيا وإيطاليا وهولندا وبلدان أوروبية كثيرة، أحزاب ضخمة تحمل اسم الحزب الديمقراطي المسيحي. 

ومجلس الكنائس العالمي -في مؤتمره الأخير الذي عقد في نيروبي- قرر إقامة دولة مسيحية كبرى في شرق أفريقيا تضم: تنزانيا ويوغندا وكينيا وجنوب السودان.

فكيف نصدق -مع هذا كله- حكاية فصل الدين عن السياسة؟

•بالنسبة لليهودية: فقد تجمع يهود العالم على أساس عقائدي واحتلوا فلسطين وأقاموا كيانهم الصهيوني.

والكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة وثيقة مادية ضخمة ومعاصرة تؤكد ارتباط الدين بالسياسة، إن هرتزل وبن جوريون ومناحم بيجن إنما هم حاخامات غارقون في العمل السياسي. 

ولا يستطيع العلمانيون ولا القوميون العرب ولا الاشتراكيون أن ينكروا أن الكيان الصهيوني قام على أساس عقائدي مستمد من التوراة المحرفة.

لو أن الشيخ محمد الغزالي- مثلًا- حكم مصر لسقط عقل الكثيرين في اللاوعي ولعملوا عمل المجانين.

بينما المطران مكاريوس يحكم قبرص بزيه الكنسي فلا يستغرب ذلك أحد. بل إن هذا المطران يجد التأييد من العلمانيين والاشتراكيين العرب.

 

الانتخابات التركية وظاهرة حضور الدين في الحياة السياسية

تلك خلفية حسبناها لازمة من لوازم الموضوع الذي بين أيدينا وهو: الانتخابات التركية وظاهرة حضور الدين في الحياة السياسية لقد رفعت شعارات كثيرة في الانتخابات التركية. وكان الشعار الإسلامي من أبرز هذه الشعارات. 

والظاهرة الجديدة أن معظم الأحزاب رفع شعار الإسلام، وجذب الناخب التركي بواسطته. 

حزب الشعب الجمهوري- الذي ظفر بأكثر عدد من المقاعد النيابية- لوح للجماهير التركية بالشعار الإسلامي. ووعدها بإصلاحات إسلامية في التربية والتعليم والمساجد وغير ذلك.

ومن المعروف أن هذا الحزب هو وريث كمال أتاتورك، الذي أسقط الخلافة وسلخ تركيا-رسميًّا- عن الإسلام وشرائعه وشعائره. 

وبعد أكثر من نصف قرن يرفع خلفاء أتاتورك شعار الإسلام من جديد، ليس في ندوة ثقافية، ولا في محاضرة للمقارنة بين الأديان، وإنما في معترك سياسي سافر وملتهب هو: الانتخابات العامة والتنافس في الحكم.

ومن جانب آخر رفع حزب العدالة -وهو حزب رئيسي- شعار الإسلام كذلك. 

فما تفسير ظاهرة حضور الدين في الحياة السياسية؟ 

* أولًا: إن لجوء الأحزاب إلى شعار الإسلام لا يعني أنها جادة في تطبيق الإسلام، فتطبيق الإسلام له شروطه الموضوعية التي أهمها: تبييت النية على اتخاذ شريعة الله منهج حياة، وبناء الحياة الحزبية على مبادئ الإسلام وقيمه وإفراد الله وحده بالولاء، وطهارة الأشخاص الذين تناط بهم مسؤولية التطبيق الإسلامي.

وهذه شروط لم تتوفر في الذين لوحوا برايات الإسلام.

*إذن لمَ لجأت الأحزاب إلى هذا الدين وركبت شراعه في بحر الانتخابات؟ 

هنا نصل إلى الفقرة التالية:

*ثانيًا: إن ظاهرة حضور الإسلام في الحياة السياسية التركية تفسر- في جانب من جوانبها- بأن قوة الوعي الإسلامي في تركيا أصبحت كاسحة وواسعة النطاق، وأن المدخل إلى هذا الوعي الشعبي هو الإسلام.

*ثالثًا: إن شعارات العلمانية والردة عن الإسلام لم تعد مغرية ولا جاذبة للناخب التركي، إنها على النقيض من ذلك؛ أي أن هذه الشعارات أصبحت منفرة.. وأن رافعها سيخسر سياسيًّا.

*رابعًا: أرادت الأحزاب- وهي ترفع شعار الإسلام- أن تنافس حزب السلامة الوطني وتسحب الجماهير المسلمة منه، عن طريق بلبلة سياسية تختلط فيها الرايات والشعارات فلا يدري الناخب إلى أيها ينحاز وأيها يختار. 

فهل حققت الأحزاب ما تريد؟ 

*لقد نجح حزب السلامة الوطني بقيادة الزعيم الإسلامي المحنك نجم الدين أربكان.. نجح هذا الحزب مرتين. 

•• نجح حين جعل الإسلام حاضرًا في معترك الحياة السياسية التركية، وحين اضطرت الأحزاب إلى رفع شعار الإسلام. إن هذا كسب سياسي عميق.

كسب سياسي عميق حين تحمل الآخرين على تبني أفكارك ورفع شعاراتك.

أكثر من نصف قرن والإسلام يعيش حياة الغربة في تركيا. أما اليوم فقد زالت عنه هذه الغربة. ولم يعد الشعار الإسلامي محرمًا. ولم يعد بعيدًا عن الحياة السياسية.

إن تركيا- بعد فترة الردة- كانت محتاجة إلى مرحلتين مترابطتين:

-الأولى: تجديد انتمائها للإسلام وإثبات الشخصية المسلمة للشعب التركي. 

-والمرحلة الثانية: إجراء إصلاح إسلامي بالتدريج. 

بالنسبة للمرحلة الأولى استطاع حزب السلامة أن يجدد انتماء تركيا إلى الإسلام، وأن يثبت الشخصية المسلمة للشعب التركي. هذه الشخصية التي اعترفت بها الأحزاب وخاطبتها في الانتخابات بشعاره.

وحزب السلامة في موقف يجعله رابحًا في كل الأحوال.

*إذا صدقت الأحزاب في وعودها وطبقت شيئًا من الإسلام فهذا الشيء يضاف إلى رصيد التقدم الإسلامي في تركيا، سواء في التعليم أو التربية أو الأخلاق أو المساجد. 

*وإن نكثت الأحزاب بوعودها وتنكرت للإسلام قدمها حزب السلامة إلى محاكمة شعبية عامة في الانتخابات القادمة، أو أثناء حملات توعية ثقافية وسياسية دائمة.

••ونجح حزب السلامة مرة ثانية لأنه نال أصواتًا أكثر من الأصوات التي نالها في الانتخابات السابقة.

وهذا دليل على أن خطه البياني صاعد باستمرار في صفوف الجماهير التركية.

وفي العدد الماضي قلنا: إن عدد المقاعد ليس معيارًا- في كل الأحوال- للنجاح في الانتخابات، فقد يخسر حزب ما عددًا من مقاعده، ولكنه في نفس الوقت يتقدم كثيرًا بالنسبة لمجموع الأصوات.

وبعد ذلك كتبت جريدة لوس أنجلوس تايمز تقول: بفضل مفارقات النظام الانتخابي التركي نال حزب السلامة الوطني من الأصوات هذه المرة أكثر مما نال في الانتخابات السابقة. 

ومن المهم جدًّا أن يتقدم الإسلاميون شعبيًّا بصفة مستمرة.

فالعمل الحقيقي هو في صفوف الشعب، ومن خلال التعرف المباشر على مشكلاته وطموحاته وأمانيه.

ثم إن ظاهرة حضور الدين في الحياة السياسية لم تنحصر في تركيا وحدها، فقد رأينا نفس الظاهرة في الانتخابات التي جرت أخيرًا في إندونسيا والباكستان والمغرب.

والمطلوب هو: استثمار سياسي ذكي لهذا التوجه العام؛ دفعًا للتيار الإسلامي الصحيح خطوات للأمام، وإيصادًا لأبواب استغلال الدين.

الرابط المختصر :