; الانتخابات المحلية المغربية وتشكيل مجلس المستشارين | مجلة المجتمع

العنوان الانتخابات المحلية المغربية وتشكيل مجلس المستشارين

الكاتب عبدالغني بلوط

تاريخ النشر الأحد 01-نوفمبر-2015

مشاهدات 67

نشر في العدد 2089

نشر في الصفحة 46

الأحد 01-نوفمبر-2015

جولة قوية بين المدافعين عن تجربة ديمقراطية استثنائية وقوى التحكم والسلطوية

عاد مصطلح "التحكم" للتداول بقوة في المشهد السياسي المغربي، بعد انتهاء أول تجربة انتخابات محلية جرت طيلة شهر سبتمبر وأكتوبر الماضيين، وفي عهد حكومة يقودها منذ أربع سنوات حزب "العدالة والتنمية" ذو المرجعية الإسلامية، وفي ظل دستور جديد بضمانات ديمقراطية ودستورية غير مسبوقة.

ورجعت الأسئلة القديمة ذاتها لتطرح من جديد؛ هل تتقدم المملكة المغربية في اتجاه تشكيل تجربة ديمقراطية حقيقية تشكل الاستثناء في المنطقة ما بعد "الربيع العربي"، أم هذا "التحكم" الذي يريد إعطاب الانتقال الديمقراطي في المغرب، والذي ينجح نسبياً كلما كان هامش المناورة متاحاً (الانتخابات غير المباشرة التي تسفر عن تشكيلة مجلس المستشارين  الغرفة الثانية في البرلمان المغربي)، ويخفق ويتوارى كلما كانت الانتخابات مباشرة وغاب عنها تحكم المال والسلطة والنفوذ، وحضر فيها الوعي السياسي والمستوى التعليمي المرتفع كما ظهر في الانتخابات الجماعية، وهو يعني (التحكم) عند الكثيرين حزباً بذاته؛ وهو الأصالة والمعاصرة والذي له صلة بقوى تحكمية، ولد في مختبرات الدولة قبيل الربيع الديمقراطي بهدف مواجهة الإسلاميين الإصلاحيين، وهو عند البعض الآخر (التحكم) ما يسمى بالدولة العميقة التي مازالت تتحكم في دواليب الإدارة؟ 

عبدالإله بن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة المغربية، نفسه لا يخلو أي حديث له عن هذا "التحكم"، إذ قال في أول اجتماع بنوابه بمجلس المستشارين، ملمحاً للمعنى ذاته، ومجيباً عن السؤال بطريقته الخاصة: إن الديمقراطية في المغرب تتقدم دون أن يعني ذلك أن الفساد قد انتهى لكنه يتراجع.

أما حزب الاستقلال، أقوى الأحزاب المعارضة للحكومة الحالية، وبعدما فقد عدداً من قلاعه المحصنة في الانتخابات أمام زحف العدالة والتنمية، خفف من حدة نبرته تجاه الحكومة، وبدأت شبيبته تتحدث أيضاً عن ضرورة الإفلات من قبضة "التحكم" وقطع أي صلة تنسيقية معه.

ويشرح د. عبدالعالي الحور، أستاذ العلوم السياسية، في تصريح، أن نتائج انتخابات مجلس المستشارين تبنى على نتائج الانتخابات الجماعية والمهنية (انتخابات غير مباشرة)، إلا أن طبيعة الاصطفاف والتحالفات التي برزت غداة انتخاب رئيس مجلس المستشارين والتي فاز بها عضو من حزب الأصالة والمعاصرة (هناك من يرى أن فوز هذا الحزب بفارق صوت واحد 58 مقابل 57 هو نفسه انتصار بطعم الهزيمة؛ بسبب تراجع نسبة الأصوات مقارنة مع نتائج المجلس في الولاية السابقة والتي كان للحزب هيمنة مطلقة فيها)، يمكن وصفها بالهجينة وغير الطبيعية والمتميزة بالانقلابات والانقلابات المضادة، حيث صوتت أحزاب في الأغلبية لصالح مرشح المعارضة، فيما صوتت أحزاب في الأغلبية لصالح مرشح لا ينتمي إليها، وهذا الوضع يؤشر إلى استمرار التحكم من زاوية معينة في مجريات اللعبة السياسية من خلال بعض الأحزاب التي يمكن وصف قرارها بأنه يصاغ خارج أجهزتها.. لكن مع ذلك، فإنه يحسب للانتخابات التي جرت كونها قد تشكل محطة للفرز السياسي المبني على أسس؛ مَنْ مع الديمقراطية واحترام إرادة الناخبين، ومَنْ ضد آمال وتطلعات الشعب المغربي في ترسيخ قيم الديمقراطية والنزاهة واحترام الإرادة الشعبية وبناء مؤسسات قوية بعيداً عن الحسابات السياسية الضيقة والإملاءات الفوقية.

ويرى خالد الرحموني، القيادي في حزب العدالة والتنمية والباحث في المجال السياسي، أن "التحكم" يتراجع، بدليل أن الانتخابات الجماعية الأخيرة أكدت استقرار النموذج المغربي المتفرد المبني على الإصلاح في إطار الاستقرار، ولا استقرار حقيقياً دون إصلاح عميق للدولة والمجتمع، علاوة على الانتصار السياسي للعدالة والتنمية (الخصم الأول لحزب التحكم) في مجموع الحواضر المغربية؛ مما يعني القرب من آمال الطبقة المتوسطة، وإجراء التصويت العقابي ضد المعارضة السلطوية، مع تجسير الفجوة بين النخبة والناس، وتأكيد شرعية العلاقة بين مؤسسات الدولة وخيارات المجتمع، ورفع تحدي المشاركة السياسية وفتحه على المستقبل؛ مما يعني تأكيد معطى أن التنمية لن تمر إلا عبر الديمقراطية. 

وأضاف أن نتائج الانتخابات خلصت إلى أهمية دعم تجربة الإصلاح والانتقال الديمقراطي، ونجاعة منهج الإصلاح السياسي والاختيارات التي قادت هذه التجربة، كما أن كسب الرهان الانتخابي هو اختبار فعلي لشعبية العدالة والتنمية ولرسوخه المجتمعي، هو اختبار لقيم الكفاءة وجدارة التدبير لدى نخبه وقادته. 

ويتابع: إن اللافت في النزال الانتخابي الذي انقضت أطواره بانتخاب الغرفة الثانية من البرلمان المغربي بالرغم من المعطيات الرقمية الشاردة والمضللة أحياناً، هو الصعود السياسي لحزب العدالة والتنمية (الذي يدخل لأول مرة لمجلس المستشارين)، والفوز الكاسح لتيار الإسلام الوسطي المعتدل، الذي تبنى أطروحة الإصلاح في إطار الاستقرار، باعتبار أن الفصل بين الانتصار الانتخابي والانتصار السياسي مفتعل وغير ذي معنى، لأنه في الانتخابات ليس هناك سوى انتصار واحد؛ هو الانتصار السياسي.

أما د. خالد شيات، الباحث في العلوم السياسية، فذهب في تصريح لمجلة "المجتمع" أبعد من ذلك، مشيراً إلى أن المشهد المغربي هو نتيجة لتراكم الممارسة، واليوم هناك دليل على تحول في اتجاهات مختلفة، ذلك أن الجانب المرتبط بدور المؤسسة الملكية، وحرصها على تثبيت نظام يقترب من الممارسة الديمقراطية على حساب الآليات التقليدية للولاء، ذلك أن المشهد يتجه نحو تجرد لهذه المؤسسة من عمليات التحكم التي كان محورها الصراع التقليدي حول شرعية الحكم. 

أما الملاحظة الثانية والمرتبطة بالأولى؛ فتفيد أن "اتجاهاً سياسياً" (يعني الأصالة والمعاصرة) لا يستطيع إيجاد موطن قدم على المستوى الاجتماعي على الأقل إلا بدعم مباشر من بعض المحسوبين على السلطة، وقد أوجد ذلك رؤية متوجسة لعلاقة السلطة بالمواطن، حيث من جهة اعتبرت خطابات الملك باتة ونهائية وداعمة للشفافية، في حين كان تصرف بعض المحسوبين على السلطة مناوئاً لهذا التوجه.. وسيعقد ذلك من الصلح المتواتر بين المواطن والانتخابات والعملية السياسية عموماً في المستقبل، بما يوحي باتجاه إما إلى مزيد من التنافر أو قدرة التوليف بين المجتمع والسلطة بقدر يغيب الممارسات التحكمية.

من جهته، يرى د. خالد يايموت، أستاذ العلوم السياسية، أنه إذا اعتمدنا على مؤشر انتخابات مجلس المستشارين، للحديث عن تحكم الدولة في الحقل السياسي؛ فإن هذا المؤشر يمكن قراءته من زاويتين؛ الأولى تؤكد لنا أن المشهد السياسي المغربي ديناميكي ومتحرك، ويطبعه الانفتاح وتوسع هامش المشاركة السياسية وطبيعة تحالفاتها، ومن جهة أخرى، يظهر أن الحركية ودينامية هذا المشهد تحاول أطراف من الدولة مواجهته بالتحكم، وظهرت هذه المحاولة بشكل بارز في توجيه وشراء الناخبين الكبار، ومحاولة ترسيخ هيمنه حزب معين على رئاسة مجلس المستشارين، وكان هذا المسار قد بدأ من خلال التقطيع الانتخابي الذي لم يخلُ من تلاعب باسم القانون في الخريطة التمثيلية للمجتمع القروي، وعليه يمكن القول: إن هناك أطرافاً من داخل الدولة المغربية لم تقتنع بعد بجدوى الانتقال الديمقراطي وبناء مؤسساته التمثيلية. 

ويضيف يايموت بخصوص طرق الممانعة ضد التحكم؛ أن ما يمكن قوله: إن طبيعة الأحزاب السياسية تجعل من الممانعة هشة وتابعة للمكاسب السياسية؛ وبالتالي فإن الظروف والتحولات هي عامل أساسي في نجاح أو فشل فرصة تكوين جبهة للمانعة قادرة على مقاومة التحكم والتغلب عليه مستقبلاً. 

ويخلص يايموت إلى أن الهامش الذي ربحه المغرب كان بفضل تزايد مساحة التسييس عند الفئات الاجتماعية سواء الطبقة الوسطى أو البرجوازية الصغيرة أو الفئات الفقيرة، كما  أن هذا التوسع يصعب على الدولة التحكم ويجعلها تتعايش مع التحولات الواقعة؛ قصد تكيف التحكم مع التحولات الاجتماعية والسياسية الواقعة بالمغرب المعاصر. 

ويتابع: إن المسار الحالي ولد منذ الحراك المغربي لسنة 2011م، واستمر بشكل مختلف مع الدفع الجديد لمواجهة التحكم الذي يقدمه حزب العدالة والتنمية بقيادة أمينه العام الذي هو رئيس الحكومة، فهو حول الانتخابات الجماعية والجهوية لانتخابات سياسية، وبخطاب يعد استمراراً سياسياً لحراك 20 فبراير 2011م بصيغة حزبية.

 

الرابط المختصر :