; الانتخابات الإسرائيلية والانتفاضة الفلسطينية | مجلة المجتمع

العنوان الانتخابات الإسرائيلية والانتفاضة الفلسطينية

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 25-أكتوبر-1988

مشاهدات 74

نشر في العدد 888

نشر في الصفحة 21

الثلاثاء 25-أكتوبر-1988

● بيريز وشامير لا يختلفان في الحرص على سلامة الكيان الصهيوني وبقائه وتوسعه.

● تحاول حكومة الرأسين عبثًا إنهاء الانتفاضة قبل الانتخابات الإسرائيلية.

من المقرر أن تجري في الأول من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل انتخابات الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي الثانية عشرة تمهيدًا لتشكيل حكومة إسرائيلية جديدة على ضوء نتائج هذه الانتخابات. ومن المعروف أن هناك ١٢٠ مقعدًا في البرلمان الإسرائيلي يتنافس عليها حزبان كبيران هما الليكود والعمل، اللذان يحكمان معا منذ أربع سنوات حيث لم يحصل أي منهما على الأغلبية المطلوبة لتشكيل حكومة برأس واحد، مما اضطرهما إلى التحالف مع أحزاب صغيرة توزعت بين الحزبين الكبيرين فظل التعادل قائمًا مما اضطرهما إلى الحكم المشترك وتبادل رئاسة الحكومة رغم ما بينهما من تنافس على السلطة واختلاف ظاهري في كيفية التعامل مع القضية الفلسطينية.

● الناخب الفلسطيني قبل الانتفاضة وبعدها:

وقبل قيام الانتفاضة الفلسطينية المباركة كان الفلسطينيون ممن احتلت أراضيهم عام ١٩٤٨ - والذين فرضت عليهم الجنسية الإسرائيلية - ملبين ولا مبالين إزاء الإدلاء بأصواتهم الانتخابية لهذا الطرف أو ذاك، إلا أن البعض منهم كان يدلي بصوته إلى حزب العمل أو إلى حزب الماياي الذي كان يشكل مع حزب العمل كتلة المعراج باعتبارها الأكثر اعتدالاً نسبيًا من كتلة الليكود التي تضم حزب حيروت وحزب الأحرار، وهناك أصوات فلسطينية أخرى كانت تذهب إلى الحزب الشيوعي (راكاح) باعتباره حزبًا معارضًا لسياسة الحكومة - أو هكذا يدعي - وليس تأييدًا لأفكاره الماركسية. ولكن بعد قيام الانتفاضة الشعبية الفلسطينية العارمة تغيرت الصورة تمامًا وأصبحت الأصوات الفلسطينية التي تشكل حوالي ١٥% من أصوات الناخبين ذات أثر بالغ في ترجيح كفة حزب العمل أو حزب الليكود، علما بأن الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية عددهم حوالي ٦٠٠ ألف نسمة بينما اليهود الإسرائيليون عددهم حوالي ثلاثة ملايين ونصف المليون نسمة.

ومع أن موقف الليكود النظري إزاء الانتفاضة أكثر تشدها إلا أن الموقف العملي لحزب العمل متمثلاً فيما يقوم به وزير الدفاع الإسرائيلي إسحاق رابين لا يقل ضراوة عن موقف شامير.

ومع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية لم يعد في الإمكان تجاهل الأصوات الانتخابية الفلسطينية التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من الانتفاضة المباركة وكان لا بد من تحديد المواقف السياسية من حقوق الشعب الفلسطيني على ضوء المتغيرات الجديدة التي أفرزت - بالإضافة إلى تحرك الأصوات الفلسطينية - تحرك أصوات يهودية مقابلة أكثر تطرفًا وأصوات يهودية أخرى أكثر اعتدالًا، وكان لا بد للحزبين الكبيرين أن يختارا، فاختار حزب العمل تملق الأصوات الفلسطينية لعلها تكون عاملًا مساعدًا على رجحان كفته إذا انضمت إليها الأصوات اليهودية التي يقال عنها إنها معتدلة، واختار تكتل الليكود الأصوات اليهودية الأكثر تشددًا وتضم الأحزاب اليمينية والأحزاب الدينية لعلها تكون عاملًا مساعدًا على رجحان كفته وسط هذا الصراع الرهيب على السلطة بين حزبين متكافئين تقريبًا.

● الانسحاب من قطاع غزة:

ولهذا أعلن شيمون بيريز مؤخرًا استعداد حزبه فيما لو تسلم الحكم للانسحاب من قطاع غزة ومن ثلثي الضفة الغربية ذات الكثافة السكانية، والموافقة على عقد مؤتمر دولي لتحقيق السلام في الشرق الأوسط ومن الاستعداد للتفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية.

وأعلن شامير عن استعداده فيما لو تسلم حزبه الحكم أن ينفذ الشق الثاني من اتفاقيات كامب ديفيد بإقامة حكم ذاتي للفلسطينيين في المناطق المحتلة، وبتحقيق الأمن في الداخل والسلام مع العرب. والحقيقة أن كلاً من بيريز وشامير لا يختلفان في الحرص على سلامة الكيان الإسرائيلي وبقائه وتوسعه حسب الخطة الصهيونية الثابتة، فقد قيل إن حزب العمل يطالب بالسلام والأمن وحزب الليكود يطالب بالأمن والسلام. وقد رفع بيريز شعار الأرض مقابل السلام كما رفع شامير شعار السلام مقابل السلام. ومع أن الظاهر أن شامير هو الأكثر تطرفًا، لا سيما وأنه يصر على اعتبار الضفة والقطاع أراض إسرائيلية، إلا أن بيريز يصر على بقاء المستوطنات الإسرائيلية في الضفة والقطاع، ويسعى لتهجير الفلسطينيين من أراضيهم المحتلة منذ عام ١٩٤٨ إلى المناطق التي يتم الانسحاب منها في الضفة والقطاع ليصبح بعد ذلك الكيان الإسرائيلي كيانًا يهوديًا خالصًا.

وإذا كان تكتل الليكود يسعى لإقامة حكم إداري ذاتي معدوم السيادة، فإن حزب العمل يسعى لتحديد المناطق التي ينسحب منها من السلاح وإلحاقها بالأردن، رافضًا - شأنه شأن حزب الليكود - قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على الأرض والسكان، وكل من الحزبين يعتبر قيام دولة فلسطينية ولو على جزء من فلسطين، ولو كانت منزوعة السلاح خطرًا يهدد الكيان الإسرائيلي في المستقبل القريب أو البعيد.

وإذا كان حزب الليكود يعلن رفضه التفاوض مع منظمة التحرير، فإنه يرسل من طرف خفي من يعرض عليها تسلم إدارة الضفة والقطاع ضمن مشروع الحكم الذاتي سيئ الذكر، بينما حزب العمل الذي يعلن استعداده للجلوس مع منظمة التحرير يشترط عليها التخلي عما يسميه بالإرهاب وتغيير ميثاقها الوطني والاعتراف بالكيان الإسرائيلي، وبذلك تفقد المنظمة شرعية وجودها وتسلم بشرعية الكيان اليهودي على أرض فلسطين.

وتحاول حكومة الرأسين إنهاء الانتفاضة قبل الانتخابات الإسرائيلية بحملات شاملة على عشرات القرى والمخيمات وحصار شامل للعديد من المدن، واستخدام الرصاص البلاستيكي القاتل والرصاص الحي الموجه إلى أبرز المحركين الظاهرين للانتفاضة (الثورة الشعبية) ولكن قادة بني صهيون يعترفون أن الانتفاضة مستمرة فيحاول حزب العمل ومن ورائه الولايات المتحدة والغرب وبعض العرب الإيحاء بأن تصاعد الانتفاضة قبل الانتخابات الإسرائيلية سيعزز الجانب الإسرائيلي المتطرف مما يعني تسلم الليكود الحكم. ويستكمل العزف على نفس (السمفونية) شامير حين يعلن - بعد أن ظهرت بعض العمليات المسلحة ضمن المواجهة الشاملة بين الكيان الصهيوني والشعب الفلسطيني - أن استخدام السلاح من قبل الفلسطينيين يعني بداية النهاية وأن تسلمه الحكم يعني مقابلة السلاح بالسلاح، ومعنى ذلك الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني في وطنه والخلاص منه ومن انتفاضته.

بينما يعلن رموز حزب العمل أن استخدام السلاح سيتوقف حين يستلم الحكم لأنه سيشرع فورًا في إجراء مباحثات سلام تنهي الصراع العربي الإسرائيلي.

وينصح قادة الكرملين منظمة التحرير التي تصمم على عقد المجلس الوطني الفلسطيني قبل الانتخابات الإسرائيلية بتأجيل الإعلان عن قرارات المجلس حتى ظهور نتائج الانتخابات الإسرائيلية حتى لا تؤثر هذه القرارات على نتيجة الانتخابات لصالح التشدد الإسرائيلي.

● دولة بلا حدود:

ويتحرك قادة منظمة التحرير في دنيا العرب وفي أرجاء المعمورة استطلاعًا للرأي ويواصلون الاجتماعات للوصول إلى صيغة معقولة ومقبولة فلسطينيًا وعربيًا عالميًا وإسرائيليًا، فيستقر الرأي على النية لإعلان وثيقة لاستقلال دون تحديد الحدود وعلى إرجاء الإعلان عن الحكومة المؤقتة إلى أن تظهر بوادر حل من خلال مؤتمر دولي.

ويقف الكثير من الفلسطينيين وفي مقدمتهم التيار الإسلامي صاحب الثقل الفاعل في الانتفاضة ضد أي تفكير في الاعتراف بالكيان الإسرائيلي أو التفريط في الحق الشرعي والتاريخي للشعب الفلسطيني بل للأمة لإسلامية في فلسطين، كل فلسطين.

ويرى بنيامين بيغن وهو ابن مناحيم بيغن الذي اعتزل السياسة بسبب خلل عقلي أصابه بعد غزو لبنان يرى (بيغن الابن (٤٦) سنة) وهو على خط والده المتشدد من تكتل الليكود أن أي تنازلات إقليمية للفلسطينيين ستدفع باليهود إلى طريق ما سمى (بسفر الرؤيا) وهو نص ديني لديهم يتنبأ بانكماش دولتهم وتلاشيها فيقول بيغن المذكور: إلا إلى حدود عام ١٩٦٧، ثم إلى حدود عام ١٩٤، ثم إلى البحر... رافضًا أي انسحاب مما أسميه أرض إسرائيل».

ويعتقد بعض المنظرين في منظمة التحرير أنه ما دام الكيان الصهيوني قائمًا على الاستيطان والتوسع من تحقيق انسحاب إسرائيلي ولو من جزء من الأراضي المحتلة وإقامة دولة فلسطينية حتى ولو كانت متحدة وفيدراليا مع الأردن أو مع أي دولة عربية، يعني إيقاف الأساس الذي يقوم عليه الكيان الإسرائيلي وهو التوسع، ومعنى ذلك بداية النهاية بالنسبة له لأنه لا يستطيع أن يعيش بدون توسع كما أن دوام الوضع العربي والإسلامي على هذا الحال من الضعف والعجز لا يمكن أن يستمر. ولكن الإسلاميين داخل الانتفاضة غير معنيين بما يسمى بعملية السلام، وهم مصممون على مواصلة الانتفاضة وتطويرها مهما كلفهم ذلك من ثمن، ذلك أن توقفهم يعني نكسة لا يعرف مدى نتائجها إلا الله كما أن محاولة الحصول من اليهود على حق الشعب الفلسطيني في وطنه بالتفاوض يعني التنازل عن هذا الحق أو عن جزء منه على الأقل لصالح اليهود، وهو أمر لا يملكه الشعب الفلسطيني في هذا الجيل، لأن قضية فلسطين قضية الأجيال جميعًا والمسلمين جميعًا منذ أن فتحها عمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وبالإضافة إلى العقيدة وهي المحرك الرئيس للانتفاضة فإن هناك عوامل أخرى يرى إسحاق رابين أنها تسهم في استمرار الانتفاضة.

يقول رابين: إن أكثر العوامل التي تساعد الانتفاضة هي مقدرتها على ممارسة دورها دون الحاجة إلى إمداد أو دعم لأن سلاحها الأساسي هو الحجارة والإطارات المشتعلة، والحجارة موجودة في كل مكان، وأيضًا إطارات السيارات.. إننا لا نتعامل مع مجموعات إرهابية بل نتعامل مع كتل جماهيرية هائلة، وهذا سر وحدة الانتفاضة...

● استخدام السلاح:

وليس معنى استخدام الحجارة الآن استبعاد استخدام السلاح إلى الأبد، فإن سياق الأحداث يشير إلى إمكانية العودة إلى استخدامه بشكل أكثر فعالية وتأثيرًا ضد كيان صهيوني هش إلا من قيادة ماكرة وسلاح ماض ودعم أمريكي لا محدود.. ولكن العمليات الإسلامية المسلحة النوعية في لبنان هي التي أخرجت المارينز من بيروت ودحرت اليهود عن صيدا وصور والعمليات الإسلامية النوعية المسلحة في فلسطين هي التي مهدت للانتفاضة المباركة. يبقى أن على اليهود أن يدركوا أن الانتفاضة ستحدد الصندوق الذي على الناخب الفلسطيني أن يضع ورقة الاقتراع فيه، أو لا يضع الورقة على الإطلاق، وعليه فقد ظهر حزب جديد في الأرض المحتلة منذ عام ١٩٤٨ باسم الحزب الديمقراطي العربي أسسه عبد الوهاب دراوشة الذي انسحب من حزب العمل احتجاجًا على الإجراءات القمعية التي يقوم بها رابين باسم حزب العمل، ولا شك أن أعضاء هذا الحزب الجديد كلهم من الفلسطينيين، ولذلك يحاول بيريز بالإعلان عن استعداده للانسحاب من قطاع غزة وبعض مناطق الضفة الغربية إيقاف تحول الأصوات الفلسطينية من حزب العمل إلى هذا الحزب الجديد.

ليس من المتوقع تحول الأصوات إلى صندوق الحزب الشيوعي (راكاح) بعد أن تواترت الأنباء عن خروج الحزب الشيوعي من مجال الانتفاضة والمطالبة بالاعتراف بالكيان اليهودي.

خلاصة القول: إن تكتل الليكود الذي حصل في الانتخابات السابقة على ٤٢ صوتًا ضم إليه الأحزاب اليمينية والدينية مثل هاتيا والمغرال وشاس التي حصل كل منها على 4 أصوات، والعودات الذي حصل على صوتين، وكل من تسوميت واومتى وكامي وكناخ التي حصل كل منها على صوت واحد مفجمع 6٠ صوتًا، فإن حزب العمل الذي حصل على 11 صوتًا تمكن من التعادل مع الليكود بعد أن قسم الحزب الشيوعي وشينوي ورائس التي حصل كل منها على 4 أصوات إضافة إلى الحركة التقدمية للسلام التي حصلت على صوتين، وأحزاب أخرى مما اضطرهما إلى الائتلاف الإجباري.

أما اليوم فإن الأصوات الفلسطينية هي التي ستحدد أيا من الحزبين سيفوز فإذا امتنعت عن الإدلاء بأصواتها، فربما اضطر الحزبان إلى الائتلاف الإجباري من جديد. يبقى أن الانتفاضة لا بد أن يحسب حسابها في الداخل والخارج، رعاها الله وحماها وحقق أهدافها في طرد الهجمة الصهيونية من أرض فلسطين المقدسة.

الرابط المختصر :