; الانتخابات في فلسطين المحتلة كمين «إسرائيلي» | مجلة المجتمع

العنوان الانتخابات في فلسطين المحتلة كمين «إسرائيلي»

الكاتب عبدالعزيز العمرى

تاريخ النشر الثلاثاء 23-مايو-1989

مشاهدات 66

نشر في العدد 917

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 23-مايو-1989

 الانتفاضة أحدثت تغييرًا في فكر وموقف الجاليات اليهودية في أمريكا وأوروبا تجاه الكيان الصهيوني

فكرة الانتخابات في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين، هي وباختصار وبلا مقدمات... الحيلة الماكرة التي تفتق عنها العقل اليهودي الخبيث للتخلص من المأزق الذي فرضته الانتفاضة الباسلة على الكيان الصهيوني، ولإنهاء هذه الحالة الجهادية الرائعة التي يشهدها شعبنا البطل، والتي تتعاظميومًا بعد يوم، وتزداد رسوخًا ومراسًا وعنادًا للتصدي والمواجهة لكل أشكال الوجود اليهودي على الأرض الفلسطينية المقدسة.

 

ويبقى بعد ذلك موضوع تناول الانتخابات من باب التحليل لظروف ومواقف الأطراف المختلفة وأشكال «التكتكة» السياسية لهذا الطرف أو ذاك... إما لتمرير هذه «الحيلة» من جانب الطرف اليهودي وإما لطرق التعاطي معها والسقوط في حبائلها او تجاوزها وتفويتها من جانب الطرف الفلسطيني.

 

. هذه الحيلة:

 

بعد طرح البرنامج السياسي لمنظمة التحرير في الدورة «19» للمجلس الوطني الفلسطيني....

 

وما تلاه من خطوات قامت بها المنظمة من اعتراف «بالكيان الإسرائيلي» وحقه في الوجود وإدانة الإرهاب والاستعداد للدخول في مفاوضات مباشرة مع حكومة العدو... أصبحت «م. ت. ف» أكثر قبولًا لدى الأوساط الدولية والغربية التي لاحظت تغيرًا جذريًا في مواقف «م. ت. ف» وأطروحاتها... ورأت أن برنامجها السياسي الجديد يؤهلها لتكون عضوًا في أي تسوية سلمية في المستقبل، وأخذت المنظمة عبر هذا الطرح تكسب الجولة الدبلوماسية في الأقطار الغربية، الأمر الذي أحرج الكيان الصهيوني كثيرًا، خاصة في ضوء الاستياء العالمي من القمع الوحشي الذي واجهت به سلطات الاحتلال الانتفاضة الشعبية في فلسطين... مما انعكس على صورة «الدولة اليهودية» عند الرأي العام العالمي وهزت تمامًا صورة «واحة الديمقراطية» المزعومة... إضافة إلى أن الانتفاضة أحدثت تغيرًا حتى في فكر وموقف الجاليات اليهودية في أمريكا وأوروبا تجاه الكيان اليهودي وأوجدت ضغطًا من هذه الجاليات من أجل التقدم بمبادرات مقبولة عالميًا.. الأمر الذي دفع القيادة «الإسرائيلية» لطرح مبادرة ترضي هذه الجاليات وتكون ردًا على مبادرة منظمة التحرير السلمية... فجاءت فكرة الانتخابات لتنقذ الكيان اليهودي وتظهره على أنه قدم مبادرة وخطا خطوة إيجابية –في نظر الغرب– بعرضه إجراء انتخابات «ديمقراطية» في المناطق المحتلة... لذلك فإن طرح هذا المشروع الماكر وفي هذه المرحلة بالذات هو بالفعل «ضربة معلم» لأن هذه النغمة «الانتخابات الديمقراطية» تلقى قبولًا دوليًا وتخرج –في حال رفضها– الطرف الفلسطيني الذي حرص على كسب التأييد الغربي لصالحه...

 

وعلى أي حال، فإننا نسجل مجموعة النقاط التالية على مواقف الأطراف المختلفة من قضية الانتخابات:

 

. خروجًا من المأزق:

 

 إن مثل هذه المشاريع التي تطرح من أطراف يهودية، غالبًا ما يكون هدفها المناورة السياسية لكسب الوقت أو لإحراج الطرف الآخر أو للخروج من المأزق وليست مشاريع أو مبادرات جدية.

 

إن خطة شامير –التي تناولنا بنودها المعلنة في مقال سابق– والتي يدور حولها الشد والجذب حاليًا، ليست خطة محددة أو واضحة المعالم، وهي كذلك لا تعتبر مشروعًا حكوميًا متفقًا عليه.

 

إن حزب الليكود بزعامة شامير يصر على التمسك بالأرض والبقاء على طول نهر الأردن والاحتفاظ بالمستوطنات والقدس، لذلك فإن الأرجح وفي ضوء رجحان كفة الليكود وازدياد شعبيته أن تتبنى «الحكومة الإسرائيلية» تصور الليكود للحل أو تصورًا قريبًا منه....

 

من المحتمل أن توافق حكومة العدو على الانسحاب من المدن الرئيسية التي تشهد احتكاكًا ومواجهة مباشرة ودائمة مع سلطات الاحتلال، لمحاولة تهدئة الانتفاضة وإعطاء دفعة لمشروع الانتخابات.

 

حكومة العدو حريصة جدًا على تمثيل الشعب الفلسطيني في أي تسوية، لذلك فهي تحاول إيجاد ممثلين فلسطينيين في الداخل بمعزل عن التيارات الفاعلة في قيادة الشارع وبمعزل عن المنظمة....

 

بحيث يكون هؤلاء الممثلون «بالمقاس» الذي يناسب سلطات الاحتلال لتمرير التصورات التي تریدها ولإضفاء الشرعية الفلسطينية على صور الحل المطروحة «إسرائيليًا».

 

وفي هذا السياق فإن حكومة العدو تعمل على تلميع عددًا من الشخصيات الفلسطينية عن طريق صنع وترتيب سجل نضالي وطني لهؤلاء ليكونوا «مصنوعين إسرائيليًا» ومقبولين فلسطينيًا....

 

بالمحصلة يمكن القول إن الطرف اليهودي يسعى إلى التوصل إلى حل على طريقته ووفق تصوراته وثوابته ... بحيث يلبي حاجاته الأمنية ويعطي في ذات الوقت الطرف الفلسطيني بعض المطالب الشكلية التي تنزع فتيل غضبه وثورته.

 

. من الألف إلى الياء

 

وبالمقابل فإن الطرف الآخر رفض من الناحية الرسمية خطة شامير، وإن كان لم يفصح عن موقفه بصورة واضحة وجلية من أجل الإبقاء على تواجده في الساحة... وقد أبدى هذا الطرف استعداده لدراسة جميع التصورات والبدائل... ولعل هذا الموقف يهدف من جهة إلى إبقاء الباب مفتوحًا لمشاركته في الانتخابات إذا ما تطورت هذه الفكرة أو إذا تعرض هذا الطرف للضغوط الدولية من أجل قبولها... كما يهدف إلى مواجهة الإحراج الذي سببته له هذه المبادرة باعتباره حريصًا على الظهور بمظهر المرونة والاعتدال ورفضها لا يخدم هذا الغرض من جهة ثانية، كما يهدف من جهة ثالثة إلى الحفاظ على مكتسباته في ضوء الهامش الضيق الذي يستطيع هذا الطرف أن يتحرك فيه، لعدم وجود قوى حقيقية دولية أو عربية يرتكز عليها.

 

ولذلك فإن موقف هذا الطرف رفض الانتخابات في ظل الاحتلال، واشتراط الانسحاب الكلي والإشراف الدولي... ثم أصبحت المطالبة بالانسحاب من المدن الرئيسية فقط.. وأخيرًا أصبح المطلب أن تكون هذه الانتخابات ضمن التسوية السياسية وضمن صفقة على مراحل لإنهاء الاحتلال اليهودي بحيث تكون هذه الصفقة محددةومتفق عليها «من الألف إلى الياء» ... بشرط أن يكون هناك ياء على حد تعبير السيد عرفات.

 

. إيحاء الشياطين:

 

يبدو أن الإدارة الأمريكية هي التي أوحت لشامير بفكرة الانتخابات أصلًا... وقد أكد جورج بيكر وزير الخارجية الأمريكي أن الرؤية الأمريكية تستند إلى ما طرحه شامير... وأكد الناطق الرسمي بأن أمريكا تدعم أفكار شامير مع بعض الاستدراكات...

 

وهكذا فإن الموقف الأمريكي يحاول من جهة أن يحافظ على تعهداته تجاه «الحكومة الإسرائيلية» باعتبارها الحليف الاستراتيجي الفريد في المنطقة ... وهو من جهة ثانية يحاول أن يبقي على المسافة الجديدة بينه وبين الطرف الفلسطيني.... من أجل أن تبقى واشنطن المحطة الرئيسية لأطراف الصراع.

 

. لم ترفض؟!

 

وبالنسبة للأطراف العربية الأخرى... فهي لم ترفض مبادرة شامير أو فكرة الانتخابات بل اعتبرتها تستحق «إلقاء نظرة عليها» ولعل مؤتمر القمة العربي الطارئ الذي سيعقد في المغرب قريبًا يهدف إلى إعطاء الشرعية العربية الاستراتيجية الطرف الفلسطيني ومواقفه ليستمر في خطه الذي سار فيه.

 

ونتائج الانتخابات التي تطرحها سلطات الاحتلال لن تخرج بحال عن منطوق «الحكم الذاتي» الوارد في اتفاقات كامب ديفيد إياها... مع إمكانية

 

إضفاء لمسات تجميلية عليه ليصبح مقبولًا لدى الشعب الفلسطيني.

 

وعلى أي حال فإن الانتخابات أو أي مبادرات يهودية أخرى لن تؤدي بحال إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة أو انسحاب كلي من الأراضي المحتلة ... ومن هذا المنطلق فإننا نعتقد أن كل مبادرات اليهود لا تأتي بخير بل تحمل كل الشرور وتهدف إلى المراوغة والخداع كما أسلفنا... كما تهدف أولًا وأخيرًا إلى وقف الانتفاضة كمقدمة أو كنتيجة لمصيدة الانتخابات.

 

. اصطراع القوى الفلسطينية

 

وستؤدي «حيلة الانتخابات» إلى تحويل قضية الشعب الفلسطيني بكل اتجاهاته الإسلامية والوطنية من قضية مواجهة الاحتلال والتصدي له وتطوير الانتفاضة وإيجاد المؤسسات الوطنية البديلة... إلى قضية انتخابات ومكاسب انتخابية وتنافس أو إلى تصارع الاتجاهات الفلسطينية فيما بينها للفوز بهذه «الملهاة» وتحقيق مقصود شامير والإدارة الأمريكية من طرح هذه «القنبلة» لتفريق وتشتيت وحدة الشعب الفلسطيني التي تجلت في أروع صورها في هذه الانتفاضة... نعم الانتخابات تستهدف وحدة الشعب الفلسطيني وتستهدف اغتيال روح الجهاد التي سرت فيه... وتستهدف إلهاء الشعب الفلسطيني بعضه ببعض وتهيئة الظروف والمناخلاصطراع القوى الفلسطينية....

 

وحشد قواها وجهودها في «الحملة الانتخابية» وإسقاط مرشحي الاتجاهات الأخرى للفوز بمقعد «يؤهل» لمفاوضة العدو...

 

. الحركة الإسلامية... والموقف المطلوب

 

لذلك فإننا نعتقد أن الحركة الإسلامية التي تحظى بالثقل الأوضح في الانتفاضة المباركة يجب أن تتنبه إلى خطورة الموضوع وتصر على استمرار الانتفاضة وتطويرها وتصعيدها وتحولها إلى أشكال جهادية أكثر عنفًا وتأثيرًا على الكيان اليهودي ووجوده.... وتعتقد أن الخاسر الأكبر من عملية وقف الانتفاضة هي الحركة الإسلامية باعتبار أن العملية الجهادية اليومية للشعب الفلسطيني تصب أولًا وأخيرًا في سياق استراتيجية الحركة المعتمدة على «الجهاد في سبيل الله» ودحر المحتلين الغاصبين ورفض التعايش معهم أو الإقرار بوجودهم على أي شبر من أرض فلسطين الطاهرة.

 

ومع هذا فإننا نأمل أن يفرض الوجود الإسلامي نفسه في كل الظروف... وأن يكون متنبهًا لمحاولات قطف ثمرة جهاده واستبعاده واستفراد الآخرون بالساحة...

 

المسألة بلا شك لها موازناتها الدقيقة واحتمالاتها الكثيرة... والحركة الإسلامية التي أثبتت فعاليتها في ميدان مواجهة المحتل... مطلوب أن تثبت كفاءتها في معالجة المستجدات وإذا ما استطاع الآخرون فرض واقع معين فيجب ألا يغيب الإسلاميون عن الساحة... من أجل أن يستمروا في استقطاب الجماهير وتعبئتهم وإعدادهم ليكونوا جحافل الحق المبين التي تسير مع أذان الفجر وانبلاج الصباح لتحقيق موعود الله بالنصر على اليهود المحتلين... ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَۖ قُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَرِيبٗا﴾ (الإسراء: 51) ﴿إِنَّ مَوۡعِدَهُمُ ٱلصُّبۡحُۚ أَلَيۡسَ ٱلصُّبۡحُ بِقَرِيبٖ﴾ (هود:81)

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل