العنوان في ذكرى انطلاقتها التاسعة: الانتفاضة الفلسطينية ما زالت تشكل الهاجس المرعب للصهاينة
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر الثلاثاء 12-ديسمبر-1995
مشاهدات 90
نشر في العدد 1179
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 12-ديسمبر-1995
تحليل سياسي
في ذكرى انطلاقتها التاسعة:
الانتفاضة الفلسطينية
ما زالت تشكل الهاجس المرعب للصهاينة
الانتفاضة شكلت مفصلا هاماً في التاريخ الفلسطيني المعاصر وأنشأت جيلا متميزاً من الشباب المجاهد
عمان: عاطف الجولاني
مرت الذكرى الثامنة لانطلاقة الانتفاضة الفلسطينية المباركة كئيبة هذا العام دون أن تلفت الانتباه أو تثير الضجيج أو تستحوذ على أدنى اهتمام من وسائل الإعلام، كما كان يحدث في الأعوام السابقة حينما كانت الانتفاضة ملء السمع والبصر، ويدور جدل في الشارع الفلسطيني هذه الأيام حول؛ هل ما زالت الانتفاضة حية مستمرة أم أنها أجهضت وتوقفت ودخلت حيز النسيان.
المتخندقون في معسكر التخاذل والتنازل والاستسلام يعلنون وبتفاخر أن الانتفاضة انتهت وولت إلى غير رجعة بعد أن حققت أهدافها واستخدمها المفاوض الفلسطيني كورقة سياسية على مائدة المفاوضات، وبالتالي فهم يرون أن الحديث عن وجود انتفاضة في الوقت الراهن ضرب من الجنون وخداع الذات، وأن المطلوب الآن التعامل مع الواقع الجديد والقبول به والانخراط في مفرزاته القائمة.
وفي الجانب المقابل ترفض قوى المقاومة الفلسطينية وفي طليعتها حركنا المقاومة الإسلامية (حماس) والجهاد الإسلامي مقولة أن الانتفاضة توقفت وانتهت حتى وإن شهدت تراجعا في وثيرة بعض فعالياتها ونشاطاتها. ويرون أن الانتفاضة مستمرة بروحها وعطائها عبر عملياتها الموجعة ضد الأهداف الصهيونية، ويشيرون إلى أن خسائر العدو الصهيوني في الأرواح خلال أعوام حقبة التسوية التي انطلقت مع مؤتمر مدريد قد زادت عن مجموع الخسائر التي تكبدها العدو خلال الأعوام الأولى للانتفاضة حينما كانت في أوج قوتها وعنفوانها وزخمها الشعبي.
حركة حماس التي تؤكد استمرار الانتفاضة أصدرت بيانها الشهري المتسلسل الأخير قبل أيام مؤرخاً بدخول الانتفاضة عامها التاسع ويشير المهندس إبراهيم غوشة الناطق الرسمي باسم حماس - إلى أن العمليات الجهادية التي تعتبر أعلى ذرى الانتفاضة ما زالت قائمة ولم تتوقف رغم كل المؤامرات الساعية إلى وأدها.
حينما انطلقت الانتفاضة الشعبية المباركة في 8\12\1987وسط أجواء اليأس والإحباط، لم يستطع أحد أن يتكهن بالمدى الَّذي ستصل إليه أو الأهداف التي ستحققها. فبعد أن كانت التوقعات وخاصة في الجانب الصهيوني تراهن على عدم استمرارها سوى أيام أو أسابيع أو أشهر في الحد الأقصى سرعان ما أدرك العدو الصهيوني خطأ حساباته، ولجأ وزير الدفاع الصهيوني آنذاك إسحق رابين لاستخدام القبضة الحديدة وسياسة القمع وتكسير العظام على أمل أن تنجح هذه الأساليب في وقف الانتفاضة وإنهائها، ولكنها فشلت فشلا ذريعا وكانت سبباً في رفع وتيرة الغضب الشعبي الَّذي اندفع بقوة يعلن تمرده على الظلم والقهر.
وقد أرهقت الانتفاضة قوات العدو وكبدتها خسائر فادحة على مختلف المستويات العسكرية والسياسية والمادية والنفسية وتحول دور جيش الاحتلال الَّذي أعد لمواجهة الجيوش العربية لملاحقة ومطاردة شباب وأطفال الانتفاضة الذين عرفوا كيف يتعاملون مع جيش الاحتلال ويمرغون أنفه في التراب بصدورهم العارية وحجارتهم الصغيرة.
فالانتفاضة شكلت مفصلا هاما في تاريخ العمل الوطني الفلسطيني المعاصر، وأنشأت جيلا متميزا من الشباب المجاهد والقيادات العسكرية العملاقة من طراز «عماد عقل ويحيى عياش»، كما أبرزت الانتفاضة الدور المشرف للقوى الفلسطينية المجاهدة على الساحة الفلسطينية التي كانت تتنازعها نعرات قومية ويسارية في حين كان الإسلاميون غائبين عن ساحة المواجهة المباشرة، وباتت حركة حماس التي تزامنت نشأتها مع انطلاقة الانتفاضة وحركة الجهاد الإسلامي التي تزايد دورها وفعلها خلال الانتفاضة تشكلان ثقلا أساسيا في الساحة الفلسطينية، وهذا ما أشعر الصهاينة بحجم الخطر المرتقب في حال استمرار الأوضاع على ما هي عليه، ومن هنا بدأ التآمر على الانتفاضة التي باتت تشكل نواة المرحلة جديدة من صراع قادم.
وقد اعترف رئيس الوزراء الحالي شمعون بيريز بصورة واضحة بأن القضاء على الانتفاضة وقطع الطريق على تزايد نفوذ القوى الإسلامية المقاومة كان الدافع الأساسي الإطلاق عملية التسوية في المنطقة وقبول إسرائيل بالتفاوض مباشرة مع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية التي وجدت في ذلك فرصة سانحة لاستعادة دورها المتأكل لصالح الإسلاميين في الساحة، فانخرطت في عملية التسوية وتشبثت بها كرهان أخير للوجود والمحافظة على البقاء.
لقد أثبت الشعب الفلسطيني خلال أعوام الانتفاضة الثمانية استعداده اللامحدود للعطاء والتضحية، فقدم آلاف الشهداء وعشرات الآلاف من الجرحى والمعتقلين دون أن يضعف ذلك من عزيمته وإصراره على مواصلة العمل لإزالة الاحتلال، ولكن همة القيادة المتنفذة وسقف أهدافها كان دون طموحات الشعب واستعداداته، ومن هنا حصل التناقض.
وبدأت مرحلة التآمر
وقد بدأت مرحلة التآمر من الجانب الفلسطيني الرسمي على الانتفاضة من خلال الانتقاص من دورها والتشكيك في قدرتها على الصمود وتطوير قدراتها، وبدأ المسئولون الفلسطينيون يركزون على الجوانب السلبية المرافقة للانتفاضة ويعملون على تضخيمها ويعقدون المحاضرات والندوات للترويج لها. ورفعوا شعار تخفيف المعاناة عن الشعب الفلسطيني الَّذي أرهقته سنوات النضال والمقاومة على حد زعمهم، كل ذلك لإيجاد أجواء من الإحباط واليأس تبرر إعلان القيادة المتخاذلة بشكل رسمي التخلي عن الانتفاضة ودخول مستنقع التسوية.
وأوقفت حركة فتح مشاركتها في فعاليات الانتفاضة كجزء من المخطط، وتوقف على إثر ذلك إطار ما يسمى بالقيادة الموحدة للانتفاضة الَّذي كان يضم حركة فتح وبقية القوى الفلسطينية باستثناء حركتي حماس والجهاد الإسلامي اللتين كانت تعملان بشكل مواز لتلكالقيادة، وبالتالي لم تتأثرا بانفراط عقد القيادة الموحدة، بل برز دورهما بصورة كبيرة في تلك الأثناء.
وقد تصاعد التآمر الفلسطيني الرسمي على الانتفاضة في حلقات متلاحقة وصولاالانتفاضة أرهقت قوات العدو وكبدتها خسائر عسكرية ومادية وسياسية ونفسية فادحة إلى اتفاق أوسلو المشئوم في 13\9\1993م. حينما تعهد رئيس المنظمة بقتل الانتفاضة وإجهاضها وتقديم رأسها على طبق من ذهب للصهاينة، وأعلن على الملأ شطب تاريخ الجهاد والنضال الفلسطيني واعتبره عنفا وإرهابا تعهد بالعمل على وقفه وكبح جماحه!! وما يحدث اليوم على أرض فلسطين المحتلة من اعتقال للمجاهدين على أيدي ما يسمى بالسلطة الوطنية وإصدار للأحكام الجائرة الطويلة بحقهم هو جزء من تطبيقات الاتفاقات والتعهدات التي قدمت للصهاينة، لقاء حكم إداري ذاتي محدود يرتبط بالاحتلال في كل جزئية من جزئياته.
لقد أراد الشعب الفلسطيني من خلال انتفاضته العارمة ضد الاحتلال والقهر التعبير عن رغبته الشديدة بالتحرر والاستقلال والتخلص من الاحتلال ولكن ضعف القيادة الفلسطينية ورضوخها للأمر الواقع وإذعانها لمصالحها الضيقة وللضغوط العربية والدولية، وكذلك ضعف الإسناد العربي والإسلامي الداعم للشعب الفلسطيني في ثورته المشرفة، حال دون أن تبلغ الانتفاضة أهدافها الاستراتيجية التي كانت موضع خلاف منذ البداية بين الفصائل الفلسطينية.
الإحباطُ.. يفجِّرُ طاقاتِ الشعب
وإذا كانت أجواء الإحباط واليأس عوامل مهمة في تفجير طاقات الشعب الفلسطيني ودفعه للتمرد على الأوضاع القائمة، فإن هذه المشاعر تتنامى وبصورة ملحوظة داخل الأراضي المحتلة رغم ما يشاع من أجواء الفرح بإعادة انتشار قوات الاحتلال من بعض مدن الضفة، فمن الطبيعي أن يفرح الفلسطيني بزوال الاحتلال عن أي شبر من الأرض المحتلة وبرحيل كل جندي من جنود الاحتلال، ولكن الآمال العريضة سرعان ما تحولت إلى سراب في المناطق التي دخلت إليها السلطة.
فقد اكتشف أهالي تلك المناطق أن الاحتلال ما زال قائما يتحكم بكل الجوانب المهمة، وتزايدت معاناة الناس وتدهورت الأوضاع الاقتصادية، وتحولت السلطة التي علقوا عليها أمالهم إلى أداة قمع بيد الصهاينة، وإذا ما استمرت الأوضاع في نفس الاتجاه القائم فقد تصدق التوقعات التي تتكهن بأن انتفاضة جديدة قد تنفجر في ظل الظروف والمعطيات الراهنة والتي لا تختلف كثيرا عن تلك التي رافقت انطلاقة الانتفاضةقبل ثمانية أعوام.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل