العنوان الانتفاضة والتوقعات الخائبة
الكاتب مأمون فريز جرار
تاريخ النشر الثلاثاء 26-أبريل-1988
مشاهدات 69
نشر في العدد 864
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 26-أبريل-1988
وتمر الأيام
يومًا بعد يوم، مليئة بالحياة والحركة في فلسطين المحتلة، الدم لا يفتر، أعصاب
الشباب والشيوخ والنساء لا تبرد، وتخيب كل التوقعات المتربصة.
عندما اشتعلت
الأرض المحتلة حجارة، قال قائلون: ما هو إلا أسبوع أو بعض أسبوع وتهدأ كسابقاتها،
ولكن الأيام والأسابيع والأشهر تمر، والهدوء لا يجيء، بل الدم يبعث الدم، والجراح
تثير من لم يثر، وتكسير الأيدي بالعصي يحرك السواعد السليمة، من كُسرت يده اليمنى
قذف الحجر باليسرى، ومن كُسرت يداه لم يفقد صوته فحرك الذين لم يتحركوا بعد.
وتمر الأيام
والانتفاضة الجهادية تتحول إلى ثورة عارمة تشمل الأرض المحتلة كلها، وتمتد إلى كل
قرية ومدينة، ويذهل اليهود كما يذهل المتوقعون في الخارج أن تهدأ.
وتدخل الانتفاضة
شهرها الرابع، وتقترب من الرقم القياسي الذي ضربه الإضراب الطويل عام 1936 وامتد
ستة أشهر.
وفي الجانب
الآخر خارج الأرض المحتلة، يتفاعل العالم مع الانتفاضة، وتخرج المظاهرات في عواصم
عديدة تضامنًا مع الشعب الأسير الذي كسر قيده وثار، وتسهم الصورة الحية
والفوتوغرافية في إثارة الرأي العام، وفي إبقاء جذوة الغضب العالمي.
ولكن ماذا عن
ذوي القربى؟
استحوذت
الانتفاضة في البدء على الاهتمام، التصريحات الرسمية لا تنقطع عن تأييدها، وشجب
الممارسات العدوانية، ودعوة الدول الكبرى لاتخاذ موقف حاسم مع العدو الإسرائيلي،
ودعوة مجلس الأمن لممارسة مهامه.
ووسائل الإعلام
العربية تسهم في الحديث عن الانتفاضة، ولكن بقدر موزون لا يثير الأعصاب إلى الحد
الذي يصعب معه ضبطها.
ويجد الكتاب
موضوعًا جديدًا يُشرعون فيه أقلامهم، ويملؤون مساحات الأعمدة اليومية والأسبوعية،
لا بأس فالتنويع مطلوب، كيلا يمل القراء.
وتقدم محطات
التلفاز مشاهد من ثورة الحجارة الجهادية، وتتسمر العيون على الشاشة، يَصُك الرجال
على أسنانهم، ويضغطون على أكفهم مع كل حجر ينطلق من أيدي المجاهدين، وتشهق الأمهات
وينتحبن، ويذرفن الدموع وهن يرين اليهود يربطون الأيدي، ويكسرون العظام بالحجارة،
وتشهق البنات وينتحبن.
هل هو بكاء على
المناظر التي تثير العزة من جهة، وتثير الأسى والحسرة من جهة أخرى؟
أهو البكاء على
المجاهدين؟ أم على الأمة التي لم تحرك ساكنًا؟ ولا نعدم الخير فتتحرك قلوب وألسنة،
وتمتد أيد خيرة تجمع المال لدعم الانتفاضة، ولكنه جهد المقل.
وتدب الحماسة في
قلوب الخطباء، فتحترق دماؤهم، وتثور أعصابهم، ويحاولون استنهاض الهمم، ويقول قائل
منهم مخاطبًا أولي الأمر: افتحوا لنا الحدود لنصرة إخواننا، افتحوا المجال للجهاد.
ولعل أخانا
الخطيب قد نسي في غمرة الحماسة واقعة، فلو فُتح له حد لوجد سدًا، ولو انهار السد
لوجد واديًا مليئًا بالعقارب والثعابين.
ويقول قائل يهمس
همسًا: لقد طالت الانتفاضة أكثر مما كنا نتوقع، أو أكثر مما ينبغي، أليس من الأجدى
أن يترك الفلسطينيون فرصة للمساعي المبذولة لحل القضية سلميًا؟
وتؤجل اللجنة
العربية التي شكلتها الجامعة العربية اجتماعاتها ونشاطاتها، ولا تتحرك إلا في
الشهر الرابع، ويصدر البيان يتلو البيان، معللًا تأخير الاجتماع لإتاحة الفرصة
أمام اللجنة للبحث في سبل دعم الانتفاضة.
وتعجب، أتدعم
الانتفاضة بالاجتماعات المؤجلة؟ أم كان هناك توقع بأن تهدأ الانتفاضة فتكفي اللجنة
هم الاجتماع والسياحة في البلاد؟
إن الإحباط
والإحساس بالعجز ليملآن نفس كل عربي ومسلم، وهو يرى إخوة له يقاومون جنود الاحتلال
بالحجارة، وهم أبناء أمة غنية تملك أن تضع في يد كل واحد منهم صاروخًا، ولكن ما
لها لا تفعل؟
لا بد من إدراك
الواقع حتى لا تقع الأمة كلها في اليأس؛ لأن إدراك الواقع أساس السير نحو
المستقبل.
إن الذي يتوقع
أن يشن الإخوة العرب حربًا ضروسًا على إسرائيل لدعم الانتفاضة، وفك أسر المحتلين-
فيجددوا ذكرى المعتصم فإنه واهم.
أو لم يقل
الشاعر منذ 40 عامًا:
رب وا معتصماه
انطلقت
ملء أفواه
الصبايا اليُتّم
لامست أسماعهم
لكنها
لم تلامس نخوة
المعتصم
ويسأل سائل:
لماذا؟ فنقول له: لقد كان المعتصم يملك قرار الحرب، فما أن سمع النداء حتى أجاب،
ولكننا في زمن «الإرادة المرتهنة».
إن أمة لا تنتج
قوتها إرادتها مرتهنة لمن يقدم لها الطعام، وإن أمة لا تصنع سلاحها الذي تقاتل به
لأمة مكبلة الإرادة، وإن أمة ممزقة الجسد متنافرة الأعضاء لأعجز من أن تشن حربًا
تنصر به أهل الأرض المحتلة.
وإذا كان هذا هو
الواقع فإن السير إلى المستقبل يكون بالسعي إلى إصلاح مواطن الخلل؛ لأن الحرب
طويلة ممتدة، فالعدو الذي نواجهه في فلسطين يجد مددًا لا ينقطع من دول الكفر التي
هي مصدرنا في السلاح والغذاء، فكيف ستسمح هذه الدول لنا أن نهجم على ربيبتها
«إسرائيل»؟
لا بد من تقديم
ما نستطيع من الدعم لأهل الأرض المحتلة وقد تسفر «الجهود الدولية» عن حلول جزئية،
ولكن الحل الشامل لا يكون إلا بقيام دولة المواجهة الإسلامية التي تمتلك قدرات
المواجهة، وتمتلك غذاءها وسلاحها وإرادتها، وتخوض المعركة تحت راية واحدة.
أما الانتفاضة،
وأما المقاتلون بالحجارة فسيمضون في طريقهم، يقاتلون ويقاتلون، ويهدأون حينًا من
الزمن يلتقطون فيه الأنفاس، ولكنهم سيعودون من جديد، وسيطورون أساليبهم، ولعل
حركتهم في الداخل تسهم في إحداث الزلزال في الخارج، الزلزال الذي يوحد الشتات، فإن
كل حجر ينطلق من يد مقاتل فإنه يصيب الضمير العربي والمسلم، يستنهض ويستثيره، ولكل
أجل كتاب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل