; الانتفاضة وحكومة المنفى الفلسطينية | مجلة المجتمع

العنوان الانتفاضة وحكومة المنفى الفلسطينية

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 19-يناير-1988

مشاهدات 60

نشر في العدد 852

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 19-يناير-1988

تردد في الآونة الأخيرة نية منظمة التحرير الفلسطينية تشكيل حكومة فلسطينية في المنفى. ومع أن هذه الفكرة قديمة طرحها السادات عام 1972 ولم تجد تجاوبًا في وقتها، نظرًا لتجربة "حكومة عموم فلسطين" التي شكلها الحاج أمين الحسيني - رحمه الله - بعد النكبة مباشرة عام 1948، إلا أنها وُلدت ميتة ولم تحقق شيئًا يُذكر للشعب الفلسطيني الذي كان ولا يزال يطمح في تحرير كامل التراب الفلسطيني وإقامة الدولة الفلسطينية.

ومع تزايد انتفاضة الشعب الفلسطيني في وجه الاحتلال الصهيوني وشمولها وفاعليتها وبلوغها مرحلة متقدمة، ومع تزايد التعاطف العالمي مع هذه الانتفاضة والتغير الجزئي في الموقف البريطاني والأمريكي إزاء حقوق الشعب الفلسطيني، وبعد قرار مجلس الأمن رقم 605 الذي طالب حكومة العدو بإلغاء قرار الإبعاد المتعلق بتسعة من مجاهدي فلسطين، واعترف بوجود أراضٍ فلسطينية محتلة، عادت إلى السطح فكرة إنشاء حكومة فلسطينية في المنفى تتولى المسؤولية القانونية عن هذه الأراضي الفلسطينية المحتلة.

انطلق أول تصريح حول هذا الموضوع من ياسر عبد ربه، ممثل الجبهة الديمقراطية وعضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، الذي أعلن أن اللجنة التنفيذية في تونس بصدد اتخاذ قرار بشأن إنشاء حكومة فلسطينية في المنفى. ولم يلبث صلاح خلف "أبو إياد" أن أعلن أن الوقت غير مناسب لهذه الفكرة، ولكنها قيد الدراسة. ثم أعلن ياسر عرفات "أبو عمار" أن الموضوع تحت الدراسة وأن الأمر يحتاج إلى التشاور عربيًا وعالميًا، ثم أُحيل الموضوع إلى اللجنة القانونية لدراسته. واجتمعت اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية في بغداد، وقيل إنها ستركز بحثها حول انتفاضة الأهل في الأرض المحتلة وكيفية دعم هذه الانتفاضة وتطويرها، وأن هناك قرارًا خطيرًا سيصدر عنها... وفي ختام اجتماعات اللجنة المركزية لم يصدر شيء يتعلق بحكومة المنفى.

في غضون ذلك، سُئل خالد الحسن "أبو السعيد"، مسؤول الإعلام في منظمة التحرير الفلسطينية، عن موضوع حكومة المنفى فقال: "هي المرحلة الأخيرة السابقة لمرحلة الاعتراف الدولي والتفاوض الدولي، بمعنى آخر، أنه لا بد من حكومة في المنفى مستكملة لشروط حكومة المنفى التي ينص عليها القانون الدولي، شبيهة بحكومة ديغول أثناء الاحتلال النازي لفرنسا، حيث الوطن محتل، والحكومة تُعلن في الخارج، تعترف بها إحدى الدول وتكون مقرًا لها."

ويضيف خالد الحسن قائلًا: "شروط حكومة المنفى متوفرة، أما ظروف إعلانها فلم تحن بعد، وقد أُحيل الموضوع إلى اللجنة القانونية لدراسة:

•       علاقة الحكومة باللجنة التنفيذية.

•       علاقتها بالمجلس الوطني.

•       إجراءاتها، صلاحياتها، بيانها السياسي، إعلانها الدستوري.

•       هل تضم فلسطينيين من الداخل؟"

وقد أكد عرفات أن فكرة تأليف هذه الحكومة اقترحها أعضاء في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ولكن فاروق قدومي "أبو اللطف"، رئيس الدائرة السياسية للمنظمة، قال: "إن دولًا شقيقة وصديقة هي التي طرحت الفكرة،" وشدد على أن منظمة التحرير ستتشاور مع كل الدول العربية، بما فيها سوريا، ومع أصدقائها في العالم قبل أن تتخذ قرارًا في هذا الموضوع.

أما نايف حواتمة، الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، فقال: "إن هذه المسألة نوقشت في اجتماع اللجنة التنفيذية في تونس، لكن الاتفاق كان سريعًا على أنها قضية مبكرة وليست مطروحة في الظروف الراهنة، ولهذا طُويت هذه المسألة الآن لأن التركيز يجب أن يكون على الانتفاضة في الأرض المحتلة."

وخرج من بيروت صوت الناطق الرسمي باسم "فتح - المجلس الثوري" يعلن أن "الدعوات لحكومة منفى تعبر عن اللهفة الشديدة والرعناء لمروجيها للانخراط في مجرى التسوية." وأردف قائلًا: "إن مروجي هذه الدعوات يحاولون توظيف انتصارات شعبنا وصموده بعكس الاتجاه الصحيح."

الدول العربية لم تعلق بشيء إزاء هذه الفكرة، وكذلك الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. أما في الأرض المحتلة، فقد قال رئيس بلدية الناصرة، توفيق زياد، تعليقًا على الانتفاضة: "يمكننا القول إننا نعيش أيامًا حبلى بتطور تاريخي، وهو ميلاد الدولة الفلسطينية المستقلة."

أما الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة، فقد ظل يواجه جنود الاحتلال بالحجارة والزجاجات الحارقة والمتاريس والهتاف:

•       "بالروح.. بالدم.. نفديك يا فلسطين!"

•       "بالروح.. بالدم.. نفديك يا شهيد!"

•       "الله.. الله أكبر!"

•       "الله.. الله أكبر!"

•       "إسلام.. لازم يتفجر!"

•       "والشرك.. لازم يدمر!"

•       "والأقصى لازم يتحرر!"

•       "خيبر.. خيبر.. يا يهود.. جيش محمد سوف يعود."

ولم يتطرق بكلمة واحدة إلى الحلول السلمية أو المؤتمر الدولي. بينما صدرت تصريحات من بعض الجهات العربية تشيد بقرار مجلس الأمن وتدين الممارسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة. وقال الدكتور بطرس غالي، وزير الدولة المصري للشؤون الخارجية: "إن قرار مجلس الأمن إدانة عملية لممارسة "إسرائيل" في الأراضي التي تحتلها منذ عام 1967،" ولم يشر إلى مشاركة الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية منذ عام 1948 في هذه الانتفاضة حتى لا تحتج حكومة العدو بأنه يتدخل في "الشؤون الداخلية" للكيان الصهيوني.

وفي عمان، أبدى مروان دودين أسفه على موقف الولايات المتحدة من قرار مجلس الأمن حيث امتنعت عن التصويت وقال إنه: "من غير المتوقع أن يكون هذا الامتناع عملًا يساعد في عملية السلام التي تسعى الدول العربية من خلال الشرعية الدولية أن تتخذها وسيلة لحل النزاع وتحقيق مبدأ "السلام مقابل الأرض!"

أما على الجانب الإسرائيلي، فقد أعلن إسحق شامير، رئيس الوزراء، ردًا على الدعوة إلى عقد مؤتمر دولي للسلام لحل مشكلة الشرق الأوسط، بما فيها القضية الفلسطينية التي تُعتبر الانتفاضة الجماهيرية في الأرض المحتلة نتيجة من نتائجها، قال شامير: "إن من الواجب عقد مؤتمر دولي لإزالة عار مخيمات اللاجئين." وهو يقصد بذلك ترحيلهم إلى خارج الأرض المحتلة واستيعابهم في الدول العربية. وأردف شامير قائلًا: "إن الحكومة الإسرائيلية تقف موقفًا واحدًا في تأييد ما قامت به قوات الأمن والجيش والإدارة المدنية وجهاز الأمن العام ضد الإرهاب!"

على حين أن عيزرا وايزمن قال إنه لو كان وزيرًا للدفاع لأخلى غزة من القوات الإسرائيلية ولترك الفلسطينيين يحرقون دواليب العالم كله ولأجرى مفاوضات مع مصر والأردن!

حتى من يوصفون بالحمائم من اليهود لا يعترفون بمنظمة التحرير ويخشون من خطر الانفجار السكاني في الأرض المحتلة على مصير الدولة العبرية.

خلاصة القول: إن انتفاضة الأهل في الأرض المحتلة حركت القضية الفلسطينية من جديد ووضعتها في إطارها العملي الصحيح بما لدى الشعب في الأرض المحتلة من إمكانات. وهذه الانتفاضة مرشحة للتطور والتلاحق والتنوع في أساليب الجهاد من مقاومة بالحجارة إلى عصيان مدني ومقاطعة اقتصادية، إلى عمل مسلح نوعي بعد أن زال الخوف من نفوس الناس. وكل محاولة جادة ومخلصة يجب أن تصب في تطوير الانتفاضة لتصبح حركة جهادية شاملة ومتواصلة حتى تحرير كامل التراب الفلسطيني، وإذا كان الضمير العالمي قد بدأ يتحرك لنصرة هذا الشعب المظلوم فإن العرب والمسلمين أولى بهذه النصرة من غيرهم. وهذه النصرة لا تكون بالسعي لعقد مؤتمر دولي للسلام لأن السلام في فلسطين لن يتحقق عن طريق المؤتمر الدولي.

وإذا كان هناك فرق بين السلام والاستقرار كما يقول الأخ خالد الحسن، فإن المؤتمر الدولي لن يحقق حتى الاستقرار في فلسطين وفي الشرق الأوسط ما دام الكيان الصهيوني قائمًا على أرض فلسطين.

إذا كانت الحكومة الفلسطينية المؤقتة الجاري دراستها وسيلة لاستثمار حصاد الانتفاضة التي أفرزت التعاطف العالمي وأفرزت قرار مجلس الأمن الذي يعترف بأن الضفة والقطاع أراضٍ فلسطينية محتلة، فإن هذه الحكومة المقترحة المراد لها الجلوس على طاولة المفاوضات عبر مؤتمر دولي يتعامل مع حكومات وليس مع منظمات... هذه الحكومة المقترحة لا يمكن لها أن توقع على الاعتراف بالكيان اليهودي في فلسطين، حتى ولو كان هذا الكيان على جزء من أرض فلسطين المقدسة... حتى ولو كان هذا الاعتراف خطوة في سبيل قيام دولة فلسطينية مستقلة على جزء من التراب الفلسطيني.

إن أمتنا العربية والإسلامية مطلوب منها أن ترتفع إلى مستوى الأهل في الأرض المحتلة، وأن تمدهم بكل ما يلزمهم للاستمرار في حركتهم الجهادية وتطويرها إلى أن تتحرر فلسطين... كل فلسطين. وكل تفكير في غير هذا الاتجاه إصرار على السير في طريق الضياع.

 

الرابط المختصر :