; الانفلات الأمني في العراق.. من قاده.. ولماذا؟ | مجلة المجتمع

العنوان الانفلات الأمني في العراق.. من قاده.. ولماذا؟

الكاتب د. حمدي حسن

تاريخ النشر السبت 10-مايو-2003

مشاهدات 79

نشر في العدد 1550

نشر في الصفحة 28

السبت 10-مايو-2003

  • لقد تم تخريب المؤسسات العلمية ومراكز البحث حتى لا يجد العلماء ملاذًا علميًا يعملون فيه داخل بلادهم فيضطرون لقبول عروض الهجرة

الحفاظ على الأمن والدفاع المدني ومنع الانفلات والنهب في المدن التي يتم غزوها واجب على الجيوش الغازية يحتمه القانون الدولي، لكن هذه المهمة اختفت في العراق، ونسيت القوات الغازية أن تجلب أو تجهز قوات للشرطة كبديل أمني للنظام البائد، وها هي ذي الآن تبحث اقتراح شرطة أمريكية بالإيجار!

تعرض العراق لنوعين من الهجمات: الأولى انتهت في تاريخ 9/4/2003م، وكانت عسكرية، والثانية بدأت بعدها وكانت همجية غوغائية، كانت الأولى أشد فتكًا لكنها أقصر عمرًا، وأحسب الثانية أعلى من الأولى وأبقى أثرًا، ومع أنني لا أميل لاستعمال نظرية المؤامرة في كل شيء فإن أحدًا لا يستطيع أن يقنعني بأن الحركة الغوغائية التي مارست السطو والنهب والسرقة في بغداد وسواها من المدن العراقية حركة عشوائية غير موجهة أو مسيرة.

عادة ما يقع شيء من الغوغائية العشوائية العارضة بعد اجتياح المدن وسقوطها في يد الغزاة سرعان ما تزول أو تقف عند حد الأشياء العينية الثمينة التي تطالها يد اللصوص، وهي تعبير عن الكبت الناجم عن القهر السياسي أو الحرمان الاقتصادي أو كليهما، أما ما حصل في العراق فهو حركة موجهة تدخل المباني الرسمية الحكومية والمؤسسات التعليمية والبنى التحتية دخول الجراد على المرج الأخضر فتذره قاعًا صفصفًا الفقير المشرد يسرق الطعام والأشياء الثمينة التي قد تفيده ماديًا، لكن ما للفقير وملفات الوزارات وسجلات الدوائر وأجهزة الكمبيوتر وما للفقير والأجهزة المعقدة التي لا يعرف ما هي ولم تكون؟

ما للفقير وطاولة العمليات أو أسرة المرضى في المستشفيات حتى يتم إنزال المرضى عن الأسرة وسرقتها؟ ثم الغريب في الأمر أن هؤلاء الذين كانوا يشيرون من قبل إلى أفواههم الجوعى وهم يسرقون، هم ومن وراءهم من أحرق مستودعات الغذاء المليئة بالأطنان في فترة تعتبر فيها العراق في أمس الحاجة لها! إن التخريب الذي حصل بعد سقوط بغداد يتجاوز الغوغائية العارضة والعشوائية المنفلتة، والكبت الدفين- كما يقولون- إلى حركة تخريب منظمة وراءها طواقم تعمل باقتدار ومكر، والدليل على ذلك:

  1.  ترك أو حرق ما يفيد الفقير والمسكين من مستودعات غذائية والهجوم بدلًا من ذلك على المؤسسات الحكومية والوزارات والبنى التحتية.

  2.  عدم تدخل العسكر الأمريكان والإنجليز وعدم محاولتهم إيقاف ما يجري من فوضى وانفلات.

  3.  بل تشجيع هؤلاء الغوغاء وكسر الأقفال لهم وفتح الأبواب المغلقة في بعض الأحيان أمام رجال الفضائيات.

  4.  سرقة ما لا يفيد الغوغاء من مواد وأجهزة لا يعرفون حتى كيف تعمل ولم تكون مما يضع إشارة استفهام على الغرض من السرقة.

  5.  دخول بعضهم في مجموعات على شاحنات مفتوحة ذات شكل واحد وطراز واحد وهي حديثة الموديل نسبيًا كما حصل في كركوك والموصل، فأي غوغاء طارئة يمكن أن تملك قوافل سرقة جماعية بهذا الشكل وبسيارات حديثة؟

  6.  تعمد تدمير المؤسسات والدوائر التي لا تفيد الفقير لكنها قد تكون مصدر فساد كبير وتخريب هائل على المدى البعيد كدوائر الجنسية والنفوس المدنية والجامعات والمعاهد ودار المحفوظات.

  7. حراسة دوائر وزارة النفط وأبنيتها فقط ونجاتها هي فقط من بين باقي الأبنية الوزارية، فهي فقط المراد لها أن تسلم ليتم للصوص الدوليين ما يريدون.

  8.  توجيه الغوغاء لاستهداف دوائر بلدين فقط هما ألمانيا «السفارة» وفرنسا «المركز الثقافي» بالسرقة من دون باقي السفارات والبعثات الأجنبية، وهما البلدان اللذان عارضا الحرب على العراق.. وهذا يدل على توجيه الغوغاء نحو أهداف بعينها.

  9.  الإحراق بعد السرقة: فما لا يمكن سرقته من مواد عينية وأشياء ثابتة تم حرقه في كثير من الدوائر إمعانًا في التخريب، ومما لا يعود بالنفع على الفاعل اللهم إلا أن يكون مستأجرا في غياب كامل للسلطة والنظام.

  10. الكف نسبيًا عن الممتلكات الخاصة علمًا بأن الظرف متاح لاستهدافها، وقد تكون أنفع وأنجع للفقير من الدوائر العامة، إن كانت السرقة عشوائية.

  11. تناقل أنباء عن دخول شبكة موساد على خط التخريب، ولعل من مهامها دعم هذه الغوغائية التخريبية وتشجيعها وركوب موجتها وقد يكون الدفع بالدولار للأغبياء والجهلة الذين يقومون بها، فيخربون بيوتهم بأيديهم وبأموال المجرمين.

۱۲- تناقل بعض القنوات الفضائية أنباء عن عمل القوات الغازية بنصيحة شارون التي أسداها لبوش، وهي تغذية الانفلات الأمني وعدم المسارعة بعلاجه مما يؤدي للتخريب وتغذية الأحـقـاد والقصاص المتبادل للثأر والانتقام «فرق تسد»

 ۱۳- تلويث ضمائر العامة والدهماء بعد أيديهم وإحداث حالة سائدة من انعدام الأخلاق وإعلان المنكر بلا حرج أو حياء، بحيث لا يعيب اللص الصغير على اللص الغريب الكبير حين يقوم بسرقة النفط علنًا، فالكل لصوص والكل في الجريمة سواء.

١٤- تخريب المؤسسات العلمية ومراكز البحث، بحيث لا يجد العلماء العراقيون الأفذاذ ملاذًا علميًا يعملون فيه في بلدهم فيضطرون لقبول عروض الهجرة، وبذلك يتم استنزاف الأدمغة العراقية سيما وأن قوائم بأسماء هؤلاء العلماء جاهزة في الأروقة الأمريكية منذ عهد التفتيش وهكذا لا تبقى في العراق إلا القوى العاملة التي تخدم الغزاة المحتلين.

١٥- تخريب الممتلكات العامة سيضطر أي حكومة قادمة لشراء بدائل لها وتعويضها من المخازن الأمريكية والبريطانية الجاهزة بالبترودولار، وبذلك تنشط الحركة الاقتصادية في بلادهم «ومصائب قوم عند قوم فوائد» فالتخريب في صالح الغزاة.

 ١٦- إظهار الشعب العراقي على مرأى ومسمع القنوات الفضائية بصورة متخلفة ولا أخلاقية فهو شعب همجي غير قادر أو مؤهل أن يحكم نفسه بنفسه بعد زوال الاستبداد، ولا تصلح معه الحرية والديمقراطية، ولا يصلح إلا عصا الاستعمار وفي ذلك إسامة أيضًا للعرب والمسلمين عمومًا.

 ۱۷- شغل الشعب بعضه ببعض وإلهاؤه بأمنه الذاتي، فلا يتعرض للغزاة ولا يفكر بمقاومتهم.

كل ما مر يرجح أن حركة التخريب الغوغائية موجهة ومنظمة ولها علاقة بالغزاة وبإسرائيل فهي المستفيد الأكبر في النهاية، وما يدل على ذلك أيضًا أنه حين طلب الشعب العراقي من الرئيس بوش وقف التخريب وعد أن يرسل قوات الشرطة بعد أسبوعين أي بعد زوال العراق إن الحركة الغوغائية التي تجري تذكر ببغداد أيام هولاكو. إنه تدمير مقصود للبنى العلمية التحتية العراقية طال حتى الوثائق العلمية والسجلات التقنية والحضارية والقصد منه اقتلاع جذور الحضارة من هناك إلى غير رجعة، ثم إرغام أو إغراء بذور الحضارة «العلماء» بالهجرة للغرب بين العصا والجزرة بعد تدمير مراكز عملهم، بحيث يستحيل أن يستعيد العراق قوته كما كانت وهكذا تهنا إسرائيل بالعيش قرب عراق مدمر!! إن الكرسي والطاولة والأثاث يعوض أما الأرشيف العلمي وأصول البحوث العلمية التي أنتجت العراق الحضاري الحديث فقطع نادرة لا تعوض، وكذلك العلماء المستهدفون إن الإنسان المفكر ومذكراته هما الثروة الحقيقية التي تفوق الذهب الأسود والأصفر، هذا ذخر العراق المستهدف. 

استغربت هذه السلبية الطوائف من الشعب العراقي، لماذا ترك اللصوص والمافيا الجديدة تعيث فسادًا هكذا، لماذا لم يحم نفسه بنفسه، لماذا لا يذهب أبعد من ذلك قليلًا فيحكم نفسه بنفسه بعد زوال نظام الاستبداد أليس ذلك حقه الذي جاء يبشر به الأمريكان إن «حكم الشعب بالشعب» هو من وحي الديمقراطية التي جاءت بها القوات الأمريكية وكذلك هو من وحي الإسلام ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38)، ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: 59)، إن ولاة الأمر في ديننا هم العلماء والأمراء والحمد لله أنهم قد بدأوا يلتقون ويسدون الفراغ، بل يفترض أن يكونوا هم الأمراء أصلًا، لا صدام الفاجر، أو أذناب الأمريكان اليوم فليس عندنا في الإسلام أن ندع ما لقيصر لقيصر وما لله لله ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ (آل عمران: 154). وعلى جامعة الدول العربية أن تثبت أنها لا تزال على قيد الحياة بأن تشكل قوات شرطة عربية للحراسة المدنية وحفظ الأمن في العراق أو في أي دولة عربية أخرى كالصومال أو جزر القمر على العرب أن يفعلوا شيئًا وبخاصة عرب الجوار قبل انتشار النار. إن الاختراع نجل الحاجة، وإن الظرف العربي الراهن والقادم يحتم إنشاء «قوات الشرطة العربية» هذه لتقوم بملء الفراغ، ويبدو أن ما حصل في العراق قابل للتكرار في سواه، ولعل السلاح الفردي للشرطة لا يثير شجون العسكر الغزاة، ولا يعكر صفوهم وهم يتابعون العمل في المطبخ السياسي والأمني للعراق الجديد، وبالتالي لا يعترضون عليه. فهل تفعل جامعة الدول العربية شيئًا قبل أن يتم صوملة العراق؟ أخشى ألا يكون هناك تصور محدد لنظام الحكم ما بعد صدام لدى الغزاة، أو أن يكون النظام القادم من الضعف بحيث يرفد ويزيد العراق تجزئة، وأن يكون هذا هو العراق الحر الجديدة الذي يبشر به الأمريكان، وذلك حتى لا يقوم عراق قوي يعكر عليهم عرس النفط.

 


القوات الأمريكية اعتقلت مهندسين أعادوا التيار الكهربائي في الكوت

كشفت مصادر إغاثية عراقية عن أن مهندسين عراقيين من سكان مدينة الكوت تمكنوا من إعادة تشغيل التيار الكهربائي عبر إصلاح المولد الرئيس في المدينة، ولكن القوات الأمريكية القت القبض على بعض أولئك المهندسين، وقامت بقصف المنشأة الكهربائية ودمرتها بالكامل.

ولم تعط أي جهة أمريكية تفسيرًا لهذا السلوك، غير أن مراقبين لاحظوا أن هذه ليست المرة الأولى التي يمنع فيها الأمريكان المهندسين العراقيين من إصلاح محطات توليد الكهرباء، وكانت القوات الأمريكية قامت بتلغيم محطة توليد الكهرباء الرئيسة في العاصمة بغداد ومنعت المهندسين من الاقتراب منها.

ويذهب بعض المراقبين إلى أن القوات الأمريكية والبريطانية الغازية تريد السيطرة على الأمور بشكل كامل، وألا يتم أي شيء إلا بإذنها حتى تشعر العراقيين بأنها صاحبة الفضل في أي خير يمكن أن ينالهم. 

وكانت تلك القوات قامت في أكثر من مرة بقصف مستودعات أغذية خزنت الحكومة العراقية السابقة فيها عشرات آلاف الأطنان من الأغذية للمواطنين، في حين يتحدث المسؤولون الأمريكان والبريطانيون عن وعود بإرسال أغذية ومواد إغاثية، قادمة من وراء البحار، بعد إتلاف أغذيتهم، وذلك لفرض الوجود الأمريكي والبريطاني، وجعل المحتل يتمتع بصفة المعطي والمانع، لترسيخ وجوده في البلاد.

الرابط المختصر :