العنوان الانقلاب على الديمقراطية في تركيا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 03-يونيو-1997
مشاهدات 77
نشر في العدد 1252
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 03-يونيو-1997
أحال المدعي العام التركي بعضًا من أقوال نجم الدين أربكان- رئيس الوزراء، وزعيم حزب الرفاه- إلى المحكمة الدستورية، مطالبًا بحل الحزب لأنه يشكل خطرًا على الدولة العلمانية.
واستندت النيابة العامة في ذلك إلى تصريحات أدلى بها نجم الدين أربكان قبل توليه رئاسة الوزراء تدعو إلى تطبيق شريعة الإسلام في تركيا.
وقد جاءت هذه الخطوة بعد ساعات قليلة من فشل المعارضة في إسقاط حكومة أربكان بطرح الثقة فيها أمام مجلس الشعب الأمر الذي يكشف الروابط التي تجمع بين القوى المناهضة لمشروع أربكان الإصلاحي.
إن أي مراقب منصف- ولو لم يكن متعاطفًا مع أربكان- يتساءل في حيرة: لماذا كل هذه الحرب على الحكومة التركية الحالية؟ فالحكومة تتعرض منذ قيامها لقصف مركز تشارك فيه أجهزة الإعلام والثقافة، وجماعات أصحاب الأموال، وعصابات المافيا، والمؤسسة العسكرية، وبعض الأحزاب السياسية، ولم يترك هذا التحالف وسيلة لإحراج أربكان أو تشويه صورته أمام جماهير الناخبين وعموم المسلمين إلا اتبعها، ولا طريقًا إلا سلكها.
وقد تجلى ذلك بشكل بارز في المجال الخارجي في سعي المؤسسة العسكرية إلى تعزيز التعاون العسكري مع الصهاينة وتوتير العلاقات مع دول الجوار العربية والإسلامية وضرب كل مسعى للحكومة لتعزيز التعاون السياسي والاقتصادي بين الدول الإسلامية.
وفي المجال الداخلي مورست الضغوط على رئيس الوزراء لإغلاق المدارس الدينية ومدارس تحفيظ القرآن، وتسريح أفراد الجيش ممن تبدو عليهم مسحة التدين وغير ذلك من الإجراءات التي لم تشهدها حكومة سابقة على كثرة ما تعاقب على تركيا من حكومات.
ومن يدقق النظر في إنجازات حكومة أربكان في تلك الفترة القصيرة التي قضاها في الحكم- ورغم كل الزوابع التي تثار من حوله- يدرك سر تلك الحملة الشرسة وذلك التحالف الشرير ضده وذلك أن وجود حزب الرفاه في الحكم كشف حجم الفساد الذي ينهش في كيان تركيا ويحرمها من النهوض رغم كل الإمكانات البشرية والمادية التي تمتلكها.
فقد أنتجت سنوات العلمانية والحرب على الإسلام ثمارها المرة، فاستشرى الفساد في الأجهزة الحكومية حتى وصل إلى قمتها، وتلاقت مصالح أصحاب الذمم الفاسدة والنفوس الخربة في الجهاز الحكومي وخارجه، وأصبحت تركيا بؤرة للأعمال والتجارات غير المشروعة، وزج بالاقتصاد التركي في مشاريع لا طائل من ورائها سوى تحصيل العمولات الباهظة التي وصلت أضعاف القيمة الحقيقية لبعض المشاريع.
في هذا المناخ الآسن جاء أربكان إلى السلطة يحمل برنامجًا يدعو إلى الاستقلال السياسي والنهضة الاقتصادية، وإلى القضاء على الفساد وشرع في تطبيق ما يدعو إليه، فانفتحت له قلوب الناس وزادت شعبيته، وهنا أحس أصحاب المصالح غير المشروعة ومن يهمهم بقاء الوضع على ما هو عليه بالخطر الذي يتهدد مصالحهم فأقاموا الدنيا على أربكان ولم يقعدوا، ومن الطبيعي أنهم حين يفعلوا ذلك لا يظهرون نواياهم الخبيثة التي يدارونها على الشعب المبتلى بفسادهم، ولكنهم يرفعون شعارات حماية العلمانية والحفاظ على الدستور، وحرب الأصولية الرجعية والظلامية، ولو أنصف هؤلاء لأدركوا أنهم هم دعاة الرجعية وخفافيش الظلام إذ ظلوا عاكفين على عبادة الصنم الذي نزع عن تركيا هويتها الإسلامية ورماها في متاهة الضياع سنين عددًا، غير شاعرين بتغيير الأزمان وتبدل الأفكار، ولا عابئين بحقيقة مشاعر الشعب التركي المسلم التي أعرب عنها مرارًا بمنحه ثقته لحزب الرفاه في الانتخابات البلدية والنيابية.
لقد أثبت المناهضون لحزب الرفاه فشلهم في استيعاب حقائق العصر وتلبية رغبات الشعب بل أثبتوا فشلهم في ممارسة الديمقراطية ذاتها التي يرفعون شعاراتها، وهل من الديمقراطية أن يحارب من يحوز ثقة الشعب مثل هذه الحرب الشعواء؟
وإنه لشرف لكل العاملين للإسلام أن تكون تهمتهم الدعوة إلى تطبيق شرع الله، وقد سبق أن دخل أربكان السجن، وتعرضت الأحزاب التي أنشأها للحل بسبب دعوته للنظام العادل، فلم تفلح تلك المحاولات في الحيلولة بينه وبين الشعب بل زادته قربًا وحبًا، فما يجمع بين أربكان والشعب التركي هو عروة الإسلام التي لن تنفصم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل