; البحث عن الماء.. «حلم» يؤرق فقراء الريف في موريتانيا! | مجلة المجتمع

العنوان البحث عن الماء.. «حلم» يؤرق فقراء الريف في موريتانيا!

الكاتب سيد أحمد ولد باب

تاريخ النشر السبت 17-يوليو-2010

مشاهدات 47

نشر في العدد 1911

نشر في الصفحة 20

السبت 17-يوليو-2010

•    مع موجة الجفاف التي ضربت البلاد في نهاية السبعينيات وجد السكان أنفسهم فقراء بعد أن نفقت المواشي وعز النصير
•    ولد سيد أحمد، حاول الحصول على مساعدة الحكومة لحفر أول بئر في قريته لكنه فشل فحفر مع رفاقه بئرًا بعمق ۳۲ مترًا
•    في منتصف التسعينيات تراجع منسوب مياه الأمطار السنوي وتراجعت وحدة المجموعة قبليا لصالح النزاعات الداخلية
أمام سد جفت كل مياهه، ووسط مساحات شاسعة بصحراء موريتانيا، يجلس محمد ولد سيد أحمد، وهو يقلب كفيه على ما أنفق من أموال في تسييح أهم الحقول المجاورة لقريته الصغيرة ويتفكر كيف أن الأقدار شاءت له ولغيره الجلوس في انتظار مياه أمطار باتت شحيحة منذ سنوات بفعل ما كسبت أيدي الناس.
كانت الساعة الخامسة مساء، وكنا في إجازتنا السنوية على بعد ٨٥٠ كيلومترًا من العاصمة نواكشوط كانت الأرض قاحلة والسماء زرقاء صافية، ودرجة الحرارة قد جاوزت الأربعين، لكن الفضول الصحفي دفعنا لمرافقة الشيخ الوقور إلى مكان عمله؛ حيث يقضي أغلب يومه منهمكًا في مراقبة السياج الذي إشتراه قبل سنوات لتأمين السد الوحيد بقريته، وإصلاح أي فجوة فيه قد تكون منفذًا للحيوانات السائبة إلى حقله إن قدر الأمطار الخريف أن تعرف طريقها إلى الحقول.

وعود سابقة
يستذكر ولد سيد أحمد كيف إنتظر لسنوات طويلة أمًلا في أن ينال من الدولة أية مساعدة لقريته التي أسسها عام ١٩٦٢م، كما يقول بعد عامين من إستقلال موريتانيا وكيف أن وعود كل الحكومات المتعاقبة كانت تذهب أدراج الرياح مع ذهاب مطلقيها، تاركة للقرية مزيدًا من الحسرة والألم، وللمتصدرين للشأن العام فيها مزيدًا من التكلفة والعناء حاول ولد سيد أحمد الحصول على مساعدة لحفر أول بئر بالقرية، بعد أن كانت تجلب المياه إليها من آبار تبعد عنها مسافة ۱۲ كيلومترًا، لكنه فشل، مما إضطره مع عدد من رفاقه بعضهم توفي، وآخرون أقعدهم العجز - إلى القيام بالواجب بعيدًا عن أية مساعدة مرت سنتان فقط، وكان للقرية ما تريد  بئر بعمق ۳۲ مترًا، وحلت مشكلة مياه الشرب، وبدأت أحلام القرية وكأنها في طريقها للتحقق.
تقع قرية «أكدرنيت» على بعد ٨٠ كيلومترًا شرق مدينة «العيون» عاصمة ولاية الحوض الغربي بموريتانيا، ويعتمد السكان فيها على رعي الماشية وتداول محدود للسلع التجارية الوافدة من المدن الرئيسة بالبلاد مع نهاية سبعينيات القرن الماضي، ومع موجة الجفاف التي ضربت البلاد، وجد السكان أنفسهم فقراء فجأة، بعد أن نفقت المواشي وعز النصير حاول رجال القرية الصغيرة التكاتف للحصول على مورد رزق جديد، فكانت الزراعة وجهتهم اللاحقة يروي ولد سيد أحمد  كيف كانت الفكرة بعيدة عن نفوس السكان الذين عاشوا لسنوات طويلة وهم يعتمدون في كل شؤونهم اليومية على ما تنتجه الماشية من ألبان ولحوم، أو ما يشترونه من الحدود الموريتانية المالية سنويًا ضمن قافلة «أجلابة»، التي يشارك فيها رجال الحي، وتباع من خلالها الماشية بمختلف أصناف الحبوب، ومعها تجلب الثياب والشاي في مشهد بات اليوم بعيدا عن أذهان الكثيرين منهم بسبب تغير ظروف العيش.
مع بداية فصل الخريف عام ١٩٨٢م. قرر سكان القرية بداية مشوارهم الجديد مع الزراعة مستصلحين إحدى الغابات الشهيرة بمنطقة كنيو ليكون حقًلا جامعًا للقرية وأصدقائها من مجمل القبائل المجاورة في مشهد تعاون مثمر إستمر حتى عام ١٩٩٥م حينما تراجع منسوب مياه الأمطار السنوي وتراجعت وحدة المجموعة قبليا لصالح النزاعات الداخلية، وعجز العديد من رجال القرية عن تأمين كنيو» بسبب وفرة الماشية السائبة وانعدام وسائل حماية للحقول وخصوصاً أثناء فصل الشتاء.
لم يستسلم ولد سيد أحمد، كما يقول، بل قرر مواجهة المشكلة بعزمه مستعينا بما جمعه من نعاج خلال السنوات الماضية، ليبيع أغلب ما يملك لشراء سياج جديد، ولكن هذه المرة لسد آخر قرب القرية من أجل ضمان مشاركة الجميع في زراعته، فقد بات أغلب الرفاق بحكم السنين عاجزاً عن مغادرة ربوع الحي إلى مناطق أبعد .

مسجد القرية
يقول ولد سيد أحمد الذي تجاوز الستين من عمره كل ما أتمناه اليوم هو القدرة على توفير مياه شرب صالحة للقرية التي أسستها وأحببتها، ورؤية الحقول خضراء، والصلاة في المسجد.
مسجد القرية هو الآخر شاهد على عزم البدوي وفقره في آن واحد، فقد بناه عام ۱۹۸۲م من الطين وسيجه بأغصان الشجر وبات ملزمًا بتجديده كل سنة خوفًا عليه من الإنهيار، حيث سبق أن إنهار عام ١٩٩٤م حينما شهدت المنطقة أمطارًا غزيرة، لكنه أعاد بناءه وبات اليوم جزءًا من هويته يقضي فيه أغلب الأوقات التي يكون فيها خارج الحقل الزراعي مستذكرًا خصال الأسلاف كما يقول، وتغير أحوال الناس وانشغالهم بالصراعات عن الإنجاز.
وفي ختام مقابلتنا معه، قال ولد سيد أحمد وهو يدعو الله لنا: كانت لدي أحلام كثيرة، ولكن غياب الدعم الرسمي ورفضنا أخذ أموال النصارى وسنوات الجفاف القاسية كلها أمور نالت من مستوى الطموح ومنعتني من التفكير في العديد من المشاريع التي راهنت عليها خلال السنوات الماضية وأهمها توفير مياه الشرب للقرية من آبار إرتوازية وزراعة حدائق خضراء للسكان من أجل توفير المستلزمات الضرورية لحياتهم اليومية، ولم يبق لدي من حلم الآن سوى إعادة بناء المسجد لأني أخشى عليه من الإنهيار بعد موتي، وسكان القرية يبدو أنهم غير مستعدين المواجهة الكثير من الصعاب .

الرابط المختصر :