العنوان البداية.. هي «القلب» ... صحيح ولكن تبقي الخطوة الأخرى في طريق الحل الجذري
الكاتب أحد القراء
تاريخ النشر الثلاثاء 23-مايو-1972
مشاهدات 108
نشر في 101
نشر في الصفحة 11
الثلاثاء 23-مايو-1972
البداية.. هي «القلب» ... صحيح
ولكن تبقي الخطوة الأخرى في طريق الحل الجذري
· لعل نفسية الأخ الدكتور: عبد العزيز سعيد؛ الكائن في إسكتلندا، قد طبعت على حب المعرفة وحب المطالبة بالتزويد منها، وهذه من صفات المؤمنين العاملين الذين عرفوا حقيقة الإسلام، وطبعوا أنفسهم على قيمه ومبادئه.. وكلمة الأخ الدكتور الواردة في العدد - ۹۷ - ربيع أول؛ سنة ۱۳۹۲؛ حول أهمية التغيير الحقيقي، الذي يبدأ من القلب لهي جيدة أصابت الحقيقة، وأحاطت بها من جانب كبير، وإن رغبته في حبه للاستماع إلى وجهة نظر أخوته القراء حول هذا الموضوع المهم الذي هو بحق موضوع الساعة وكل ساعة في وقتنا الحاضر؛ لعل رغبته هي التي دفعتني إلى أن أجيبه، وأكتب ما أراه ضروريًّا حول موضوعه السابق.
إن موضوع القلب، لهو الموضوع الأول الذي واجهه الإسلام، ودأب زمنًا طويلًا في نزع العلل منه وبنائه البناء الجديد، الذي يريده، ويرغب فيه ولعل الحديث الشريف المشهور «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب». لأكبر برهان يؤكد ذلك.
والإنسان المعاصر بدأ يشعر -رغم ما أوجدته المدنية الحديثة من قوانين مختلفة، وما يرافقها من وسائل سلطة متشعبة، وأدوات قمع متنوعة من سجون مختلفة وملاحقات وغرامات ورقابات.. إلى غير ذلك من وسائل- إن هذا كله مازال غير كاف وأن المدينة المعاصرة -رغم هذا التقدم المذهل في هذه المظاهر وغيرها.. بقيت عاجزة تمامًا عن القضاء على الجريمة فقط، وما تسببه من خلل اجتماعي تزداد خطورته بازدياد حالات التفلت التي ينتهزها الإنسان كلمـا نامت عنه عين القانون أو ضعفت رقابة السلطة عليه، وسبب هذا كله هو أن القلب أو الضمير غير مقتنع بالقانون، ومهما اشتدت أحكام القانون، ودقت فإنها لن تؤثر في قناعة الضمير؛ فقناعة الإنسان تنبع من الداخل، ولا تفرض فرضًا ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: 125) . ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ (إبراهيم: 24).
والإسلام تميز وهذا سر عظمته منذ أن وجد بأنه خاطب القلب أولًا، وراح يقنع الضمير، ويشحن النفس حتى إذا ما اكتمل ذلك انطلق ظافرًا بالإنسان -بعد أن هيأه، وزوده- إلى كل الميادين.
وهذا ما أخفقت فيه الحضارة المعاصرة؛ فهي ما تزال مفلسة -رغم ما بلغته من تفوق تكنولوجي وصناعي مذهل، في إيجاد السعادة للضمير، والراحة للنفس والصفاء للروح، ومن هذه الناحية بالذات ينطلـق النكد والحقد اللذان يهددان العالم بالدمار والفناء.
إن قضية المسلمين اليوم لا تحل في القلب وحده، وإن مهمة إعمار القلب بالحق -وشحنه بالمثل الفاضلة لإصلاحه وإصلاح صاحبه ناحية- جوهرية، ولكنها على ما أعتقده، وأراه غير كافية، إن بين الواقـع الذي نعيشه والقلب الذي نحمله خلافًا كبيرًا، ومادام هذا الخلاف موجودًا فإن القضية تظل بعيدة عن الحل.
إن الإنسان المعاصر بحكـم ابتعاده عن الإسلام -سواء أكان ابتعادًا مباشرًا أو غـير مباشر عن عمد أو غير عمـد- يعيش في جاهلية حديثة ربما كانت أشد وأخطرمن الجاهلية الأولى التي عاشها العرب الأولون، وفي هذه المتاهات نريد أن نعرف واجب الإنسان المسلم ماذا سيعمل؟؟ إنه يشعر بوجود هذه الجاهلية، وهو لا يريدها، بل يمقتها؛ ولكنه مع ذلك -وعن غير قصد- غالبًا ما يعمل في بنائها ورفع شأنها.
لو فتشنا عن الإنسان المسلم الذي استطاع أن يغرس الإيمان الصادق في قلبه، ويغذي روحه به.. لوجدناه موظفًا.. أو عاملًا.. أو وزيرًا، أو نائبًا، أو غير ذلك، وفي كل مرة نراه سلبيًّا، لا يقدر أن يمشي مع أفكاره، بل نراه وللأسف يتوجه الوجهة التي تريدها له أو منه الأوضاع المعاصرة «الجاهلية» ويكون -بصورة مباشرة أو غير مباشرة- وسيلة طيعة في يدها وهو في كل مرة يتذرع بأنها ضرورات الحياة؟؟
لقد استطاع الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- أن يوجد القلب الواعي المتفهم الحي من جهة، ويوجد أيضًا دار «الأرقم بن أبي الأرقم» التي كانت تجمع المسلمين، وتميزهم من جهـة ثانية؛ وبهذين السبيلين شق رسول الله -صلى الله عليـه وسلم- طريقه إلى الحياة.
في هذه الأيام نستطيع أن نقول؛ بأنه قد يوجد القلـب المؤمن الواعي وهو الشـق الأول، ولكن يبقى الجانب الثاني معدومًا وإذا وجد فإن وجوده غالبًا ما يكون مهزوزًا ضعيفًا لا يستطيع النهوض فضلًا عن السير في الجانب العملي، إن المؤمن يلزمه التميز وإن المؤمنين العاملين اليوم بحاجة إلى التميز الإيجابي المخلص؛ سواء كان بشكل أو بآخر، ووفق ما تتطلبه ظروف العمل وحركته.
إن في المكان أو الزمان، وفي طيات هذا التميز المخلص يزدادون مناعة وقوة، وينظرون إلى ما هو لهم نظرة الجماعة لا الفرد، ونظرة العقل الواعي لا العاطفة المتأججة؛ وبهذه الوسيلة تحفظ الطاقة من أن تتبدد في معارك جانبية أو مجادلات فرعية، غالبًا ما يرسمها، ويخطط لها أقطاب الجاهلية؛ سواء كانوا في صفوف المستعمرين في الخارج أو من المضللين الحاقدين فـي الداخل، ودومًا تكون النتيجـة قوة للجاهلية وضعفًا للمسلمين. إن محاولة إقناع القلب وتربيته وإصلاحه بمبادئ الإسلام الخيرة الفاضلة لا يكفي، وسيظل صاحبه فردًا ضعيفًا لا يقوى على الثبات في الجو العاصف فضلًا عن المجابهة.
وبهذا التميز الذي تتفاعل داخله الدنيا والآخرة والإنسان، والدين يوجد من الضعف قوة، ومن الفرد مجموعة، ومن المجموعة مجتمعًا إسلاميًّا مثمرًا.
ثم إن هناك بين الجانبين الأساسيين تفاعلًا متبادلًا؛ فوجود القلب السليم المخلص ينعكس في وجود التميز الإيجابي البناء، ووجود هذا التميز بشكله الصحيح يحافظ على نقاء القلب وصفائه.
إن الانسلاخ المدروس عن الجاهلية -أو قل: إن عدم التفاعل الإيجابي معها- أمر ضروري لنقاء القلب في الفرد من جهة وصفاء الجماعة الإسلامية من جهة ثانية؛ وهذان العنصران ضروريان لإكساب الفكرة الإسلامية والعمل بها قوة وزخمًا يضمنان لهما الانطلاق الفعلي للهدف النبيل ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ (الروم: 4. 5).
ولن يكون الطريق خاليًا من الصعاب ولكن «حفت الجنة بالمكاره».
﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ (فصلت: 35).
ومثالنا الذي نستلهم منه العلاج حياة رسولنا الكريم؛ بما حوته من يسر وعسر، وصبر وظفر، وألم وسعادة، وهجرة وفتح والإخلاص والصبر ما يزالان هما السبيل.
أبو محمد - أم القيوين - الخليج العربي