; البطولة والأبطال | مجلة المجتمع

العنوان البطولة والأبطال

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الجمعة 21-مايو-2004

مشاهدات 62

نشر في العدد 1601

نشر في الصفحة 47

الجمعة 21-مايو-2004

البطولة شيء رائع وعمل عظيم، ولكنه مكلف.. البطولة قلب شجاع ونفس أبية وعزيمة قوية وإرادة صلبة وإيمان مكين.. البطولة جهاد وكفاح، وصبر، ومصابرة، وإقدام.

البطولة همة متقدة وحق أبلج وجهاد لا يكل ولا يمل... البطولة بيعة مع الله وصدق في العهد معه، ووفاء وتجرد وإخلاص لمبدأ، يملك أقطار النفس وخلجات الروح وخفقات القلب. 

والشجاع هو الذي يجتمع فيه كل ذلك لأنه أمة في العزم وكتيبة في الهمة لا يخاف ولا يرهب أحدًا إلا الله.

 قيل إن المهدي أثني عليه بالشجاعة فقال: لم لا أكون شجاعًا، وما خفت أحدًا إلا الله تعالى؟!

 الشجاع لا يحس ألم الطعن لأنه يشعر بحلاوة الكفاح وسعادة الشهادة.... قيل إن حكيم بن جبلة لم يزل يقاتل حتى قطعت رجله فأخذها وضرب بها الذي قطعها فقتله بها وبقي يقاتل على رجل واحدة ويرتجز ويقول:

يا ساق لن تراعي 

إن معي ذراعي 

أحمي بها كراعي

 فنزف منه دم كثير فجلس متكئًا على المقتول الذي قطع ساقه فمر به فارس فقال: من قطع رجلك؟ قال: وسادتي.. فما سمع أشجع منه!

 الشجاع: لا ينظر إلى من حوله ولا من معه وإنما ينظر إلى عزمه وشجاعته.

 عن المنذر بن جهم قال: رأيت ابن الزبير يوم قتل وقد خذله من كانوا معه خذلانًا شديدًا وجعلوا يتسللون إلى جيش الحجاج حتى بلغ المتسللون نحوًا من عشرة آلاف ورأيت ابن الزبير وما معه أحد، وجعلت جيوش الحجاج تدخل عليه من أبواب المسجد، فكلما دخل قوم من باب حمل عليهم وحده حتى يخرجهم.. فبينما هو على تلك الحال إذ وقعت شرفة من شرفات المسجد على رأسه فصرعته وهو يتمثل:

 أسماء يا أسماء لا تبكيني

 لم يبق إلا حسبي وديني 

وصارم لاصق بيميني

الشجاع: لا يرهب الموت لأنه يعلم أن الأعمار بيد الله وأن الجبن لا يؤخر عمرًا ولا يدفع بلاء وإنما الذي يدفع البلاء هو الصبر والمصابرة والتقوى.

 قال خالد بن الوليد: «لقد رأيتني يوم مؤتة وقد اندق في يدي تسعة أسياف وما صبرت في يدي إلا صفيحة يمانية»، وقال: «لقيت كذا وكذا زحفًا «زهاء مائة زحف» وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو رمية بسهم، وهأنا أموت على فراشي كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء».

 وصدق الله: ﴿قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ  إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ۖ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (آل عمران: 154-155)، أبطال فلسطين اليوم هم أبناء الإسلام الولود وأحفاد هؤلاء الأبطال المغاوير الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

وقفوا أمام الجيوش وأمام أخطار الصهيونية الحاقدة الباطشة المتعطشة للدماء والقتل وما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا وقفوا بالحجر وبأجسادهم سدًا منيعًا أمام تنفيذ مخططات العدو وأطماعه أمام الانهيار العربي والإسلامي، أمام جيوش العملاء المتعاونين مع العدو الصهيوني. 

أبطال فلسطين اليوم قدموا للأمة كوكبة من الشموس والأقمار الذين استشهدوا في قيادة العمل الجهادي وقد ملأوا الدنيا رجولة وعفة وشهامة وحصلوا على احترام الجميع وتحملوا خبث بعض قومهم فلم يلغوا في دماء الفلسطينيين حفاظًا على وحدة الصف وعدم إثارة الفتنة وإفساح المجال لتدخلات الأعداء، وكان هذا بالطبع عملًا لا يقدر عليه إلا هم وخاصة أنهم ضحوا بقادتهم في سبيل وحدة الصف والهدف وهم يعلمون تمام العلم أن الخيانات والعمالات للبعض وراء تلك الاغتيالات والمذابح للقادة والرموز.

وهذا يدل على صبر كبير وعلى إفساح المجال الصحوة الضمير، ولكن يظهر أنه قد صار عامة ومرضًا عضالًا ينبغي استئصاله.

وبعد.. فنحن على ثقة بالله أنه سيتربى على هذه البطولات جيل صلب يخرج من بين ثناياه ومن صدره وصبره صلاح الدين الذي يقود المسيرة ويرجع العزة ويحقق الغايات الكبار.

 ونحن على ثقة أيضًا أن جموع المسلمين بعدما رأوا تلامذة الاستعمار وأتباعه قد أضاعوا الأمة وقتلوا نخوتها وبددوا رجولتها ثم رأوا صناعة الإسلام لهؤلاء الأبطال الذين حملوا اللواء وقهروا الأعداء وأرجعوا ثقة الأمة في نفسها ومنهجها وهويتها.. نحن على ثقة بأنهم يعرفون بعد ذلك أن هذا هو الطريق الذي لا بديل له والمخرج الذي سينقذ الأمة فيتأكدون أن الإسلام هو الحل فتقبل الجموع المؤمنة، ويتنادى العالم، ويرتفع صوت الحق ويزهق الباطل ويفرح المؤمن بنصر الله.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1128

84

الثلاثاء 06-ديسمبر-1994

إلى الجزائر

نشر في العدد 1505

69

السبت 15-يونيو-2002

أهزوجة المدن