العنوان البطولة وفن خداع الكلمات
الكاتب أسامة عبد الرحمن
تاريخ النشر الثلاثاء 19-يونيو-1984
مشاهدات 72
نشر في العدد 676
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 19-يونيو-1984
كان «الخداع» في لغتنا العربية قبل أن يدخلها هجين الكلمات ودخيل الألفاظ، وباطل المعاني- يعني: المخاتلة وإرادة المكروه بالغير من حيث لا يعلم، ولم يكن فنًا ولا علمًا، ولا دليل مهارة أو إتقان، أما اليوم وقد تغيرت الأمور، وتبدلت الأوضاع، وانقلب المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا- فقد أصبحت للخداع أنواع مختلفة وأشكال متعددة، له دوله، ورجاله، ومصانعه، وأسواقه، وتجاره، ومروجوه.
خداع الكلمة:
ولا يعنينا من أنواع «الخداع» في مقالتنا هذه -الخدع التصويرية والسينمائية وألوانها، ولا الخدع السياسية ومقالبها، ولا اللعب الدولية ومراوغتها، ولا الأحزاب اللادينية في وطننا الإسلامي وارتباطاتها، ولا المهرجانات الرياضية في سنغافورة أو لوس أنجلوس، أو الواق واق وبهلوانياتها وملابساتها، نعم -ذلك كله- لا يهمنا في هذه المقالة، ولكن الذي يهمنا فيها نوع واحد من الخداع هو «خداع الكلمة» فهذا النوع قلما يلتفت الناس إليه، أو يدركون خطورته مع أن له في واقع أمتنا الحالي أخطر الآثار، وأفدح النتائج؛ فبكلمة خادعة من مستر بلفور بيعت لليهود فلسطين، وبكلمة خادعة من مستر لورنس قاتل العرب المسلمون إخوانهم الأتراك المسلمين إلى جانب الإنجليز، وبكلمة مثلها قاتل الأتراك إلى جانب الألمان، ولعدم تنبه العرب إلى أداة التعريف «ال» أصبح الانسحاب الإسرائيلي المطلوب بعد عام (١٩٦٧) انسحابًا من «أراض عربية محتلة» أية أراض، وليس «من الأراضي العربية المحتلة سنة 1967».
استغلال الكلمة:
وبخداع الكلمة جعلوا الماركسية اللينينية بتطبيق عربي، ما أضافوه إليها من خزعبلات «رسالة خالدة» ليوهموا الجماهير المسلمة أنهم حملة رسالة رسول الله محمد بن عبد الله الخالدة، ولا خلود لغيرها وإن رغمت أنوف.
وبخداع الكلمة جعلوا القانتين لله الركع السجود اللذين يخافون الله ويتقونه رجعيين متطرفين، ومتخلفين ومتزمتين، وجعلوا أبناء المواخير (من أولئك الذين لا يدعون لغير أمهاتهم من المخنثين والحشاشين وأشباه الرجال) مناضلين شرفاء ومكافحين أصفياء.
وبخداع الكلمة صوروا المؤمنات القانتات العفيفات الطاهرات معقدات، وصوروا الكوافر مناضلات، ومتمدينات، وفنانات، وأديبات.
انظروا -مثلًا- إلى كلمة «البطولة» ومشتقاتها، وتأملوا فيما وضعه فيها المتقنون لفن خداع الكلم حين وضعوها بين أيديه الملطخة بدماء المعاني النبيلة، والمحتويات الأصيلة؛ ذلك لأن هذا الطاغوت الذي سميناه «فن خداع الكلمة» أحيانًا يفرغ الكلمة من محتواها ليحشو في أهابها معنى دخيلًا، لا يمت إليها ولا تمت إليه.
وأحيانًا يرفعها بقسوة عن مكانها ليضعها كرهًا، ويركبها قسرًا على محتوى لا نسب بينها وبينه إلا كالنسب بين الفيل من ولد الآثان.
كلمة بطل في لغتنا وكيف استغلت؟
لقد كانت البطولة في -لغتنا العربية- تعني الشجاعة الفائقة، والقدرة الخارقة على مواجهة الصعاب وعظائم الأمور، فلا يقال فلان بطل إلا لذلك الصنديد المِقدام الذي تبطل حياة خصومه، وتنتهي عند ملاقاته، أو تبطل به الصعاب وعظائم الأمور، وكذلك المرأة يقال لها: بطلة إذا قامت بشيء من ذلك.
وحين هج على هذه الكلمة «فن الخداع» ماذا حدث لها؟ أصبحت تعني أن البطل الشديد البطولة سياسي عميل كاذب، يتلون تلون الحرباء، ويتقلب تقلب الرقطاء، ويكذب، ويدجل، ويضلل الناس صباح مساء، يدعي الوطنية أو القومية، وربما العقائدية والمذهبية، وهو من كل ذلك براء، وقلبه وفؤاده من غير الكرسي وعبادته هواء، إذا خلا إلى شياطينه من الدخلاء والعملاء قال عن شعبه وجماهيره: إنهم عوام وغوغاء، وأميون سفهاء.
وإذا واجه الجماهير سب العملاء، ولعن المستعمرين والدخلاء، ويبقى هكذا إلى أن ينكشف الغطاء، ويبرح الخفاء، كما أصبحت تعني وفي قاموس -اليوم- أن البطل الكمي، والفارس أشعث أغبر ذو أطمار ليس له من التقوى شعار ولا دثار، ولكن الله -تعالى- قد مَن عليه كما مَن على البغل بكراع أي كراع، إذا رفس شيئًا طار شعاعًا فينزل إلى ميادين الملاعب، يتمايل تمايل الكواعب، ويحيى من الجماهير الشاهد والغائب، فإذا رفص رفسة موقعة، وألقت المقادير بركلته الكرة في الشبكة بحث من العرب بالهتاف له الحناجر، ورقصوا له بالسيوف والحناجر، ومنحوه من الهبات الطارف والتليد، يدًا بيد إن أتسع وقته أو بواسطة البريد، حتى تمتلئ بأرصدته البنوك والمصارف، وتصير من الكثرة بحيث لا يستطيع أن يتلفها المبذر أو التالف، وتكفي من أهله الخالف والسالف، أليس بطلًا قد جاء بالنصر المؤزر؟ فليرفع عنه الحساب وليوقر ويعزر، وليدخل جنات القوم بغير حساب، ولا يجوز أن تغلق دونه الأبواب، وليقف الناس له سدنة وحجاب، وليكن قدوة ومثلًا للشباب، كما عقد لواء البطولة -أيضًا- لكل ممثل ناعس الطرف، بادي الظرف، يلبس ما حقق وشف، إذا سار كأنه فتاة قد التحفت «ملاية اللف» يقضي ليله ساهرًا بين الطاس والكاس، ونهاره نائمًا خلافًا لسائر الناس، ولكنه إذا جلس إلى الشاشة الصغيرة أو الكبيرة أطرب الناس وأضحكهم، أو قتل وقتهم وشغلهم، أو حلّق به في قصور الأماني، أو أثار شهواتهم وهبط بهم إلى الغواني.
الصحفي البطل:
كما عد من الأبطال -اليوم- كل منافق عليم اللسان، أوتي شيئًا من البيان، فاحترف الصحافة بعد أن نشأ وترعرع في الرعونة والسخافة فجرد قلمه ولسانه لشتم المؤمنين، والنَيِل من مقدسات المسلمين، وتمجيد الملحدين والكافرين، وقف قلمه ولسانه لإشاعة الفاحشة ونشر الرذيلة، ومقاومة العفاف، والنَيل من الفضيلة ساء أن يرى نفسه تتمرغ في الدنس وحدها، وعز عليها أن رآها ترتكس بمفردها، فأراد أن يرمي الآخرين بدائه، وينسل بردائه، فاتخذ من السخرية بأهل الدين والفضل، والنَيِل من أهل التقى والنُبل، والتطاول على ربان الصولة والعفاف- شغله الشاغل، وديدنه الكامل ليرضى أسياده، و يؤكد لهم انقياده، ويأكل على ذلك البهت السحت، يبوء من الله -تعالى- بالإثم والمقت، فماذا ينقم هؤلاء المهازيل من الكُتاب من شباب الإسلام وفتيات الإيمان؟ أيعيرونهم بشبابهم؟ وهل كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا شبابًا؟ نعم، الشبان شباب الإسلام مكتهلين في شبابهم، عمية عن الشر أعينهم، بطيئة عن الباطل أرجلهم، قد نظر الله إليهم في آناء النهار منثنية بمثاني القرآن أصلابهم، إذا مَر أحد بآية فيها ذكر الجنة بكي شوقًا إليها، إذا مَر بآية فيها ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم في أذنيه منها، قد واصلوا طاعة ربهم في ليلهم ونهارهم، أنضاء عبادة، موفون بعهد الله، منجزون لوعد الله، يستهينون بأي وعيد أمام وعيد الله، ولا يستخفهم وعد غير وعده، ولو دعوا إلى جهاد لأسرعوا مكبرين لربهم مستهينين بعدوهم لو كثر أمثالهم لما كان ليهود في أرض المسلمين شأن أي شأن، ولما استبيحت من المسلمين الديار، ولا انتهكت الحرمات، ولا بيعت المقدسات، ولا أضيعت الكرامات.
لعل أعداء الإسلام ينقمون عليهم تذكيرهم الدائم بالله وهم به كافرون؟ أو تشبتهم بالطُهر والعفاف وهم في الدنس واغلون؟ أو تذكيرهم بالعزة والكرامة وهم للذلة والمهانة مستمرئون، أو ينقمون عليهم أصالتهم وهم متغمسون، وبالخيانة مستمتعون.
ماذا تريد صحافة الانحلال من الشباب:
كلا إنهم المخطئون، فالشباب المسلم لن تستخفه سفاسف الأمور، وأن يستدرج إلى بؤر الشرور، بل هو رحمة للعالمين، وأمان الخائفين؛ فليسكت الناعقون، فما نحن عن هدى الله بمنحرفين، ولسنا عن الصراط -إن شاء الله- بناكبين، ولا للعملاء والدخلاء بمستجيبين، بل نقول ما قال أسلاف لنا من الدعاة من قبل:
﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (43) فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾ (سورة غافر: 41-44).
ماذا تريد صحافة الجنس والانحلال من الشباب المسلم وعلام تهاجم؟ أتريد أن تستفزهم في الأرض لتخرجهم منها؟ أَم تريد أن تستدرجهم لمعارك أوعز بالعمل على استدراجهم إليها أعداء الإسلام علهم يستدلون بذلك على أن الشباب المسلم يريد أن يظهر في الأرض الفساد؟ أو يحدث مشاكل في البلاد؟