العنوان البعد الأخلاقيِّ تلك الأرضية الصلبة
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر السبت 25-فبراير-2006
مشاهدات 60
نشر في العدد 1690
نشر في الصفحة 66
السبت 25-فبراير-2006
تأخذ تجربة العدل الاجتماعي في الإسلام من بين سائر المذاهب، بعدًا أخلاقيًا واقعيًا يلعب دورًا حاسمًا في «تنفيذ» التجربة و«حمايتها» من الاستغلال والتزييف والتزوير. ويستمد هذا البعد قوته وقدرته على أن يشق طريقه في قلب الوقائع من المسؤولية الدائمة التي يلقيها الإسلام على عاتق المسلم، ومن يقظة ضميره الديني، ومن إحساسه الأبدي برقابة الله سبحانه على كل خطوة يخطوها وعمل يمارسه كبيرًا كان أم صغيرًا ظاهرًا كان أم باطنًا..
والمسلم إما أن يكون مسؤولًا، يقظ الضمير شاعرًا بالوجود الإلهي الدائم في حياته، أو ألا يكون مسلمًا على الإطلاق.. من ثم فإننا عندما نتكلم عن البعد الأخلاقي فإنما نعني به أولئك المسلمين الذين يرون هذه المسائل في حياتهم من بداهات إيمانهم، ويعتقدون أن الخروج عنها، بإرادة وتعمد مسبقين، يمثل خروجًا على متطلبات الدين ومروقًا عن معالم الإيمان..
ومهما طرحت النظريات الاجتماعية الوضعية من حمايات أخلاقية لبرامجها، ورسمت قيمًا مثالية تحميها من التبديد والاستغلال والتمييع، فإن هذه «الحمايات» وتلك «القيم» لا تعدو أن تكون نظريات معلقة في عالم المثال ما دامت لا تمتلك القوة «الداخلية» المركوزة في أعماق الإنسان لكي تحولها إلى ممارسات وسلوك، تحرسها المسؤولية وتعمقها يقظة الضمير وتحركها رقابة الله الدائمة صوب الأحسن والأكمل.
والإسلام وحده، ذلك الدين القيم، هو الذي يغرس مبادئه في أرض حية من الضمير والأخلاق.. وإن الرسول صلى الله عليه وسلم يحدثنا، فيما يرويه أبو هريرة، كيف أنه سيأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ أمن الحلال أم من الحرام.. إنه يريد أن يبين لنا كيف أن الإسلام يسعى إلى أن يركز أخلاقية العدل الاجتماعي في الأعماق؛ إذ بدون هذه لا تستطيع أشد القوانين صرامة وأكثر السلطات ضبطًا أن تمنع الكسب الحرام.
والحفاظ على أخلاقية «التزام الحلال» في علاقاتنا الاجتماعية مسألة غاية في الصعوبة، لأن وقودها يجب أن يكون محترقًا دائمًا شعورًا بالمسؤولية ويقظة في الضمير يفجرها الإحساس الدائم برقابة الله التي لا تند لحظة.. ومن ثم يغدو هذا الجهد ذو البعد النفسي «جهادًا» صعبًا يمنع الإنسان المسلم من أن ينحرف بدرجة أو أخرى صوب «الحرام» ذلك الموقف الذي هو ضد بداهات العدل الاجتماعي أساسًا.. ومن ثم كان الرسول عليه السلام يقول: «طلب الحلال جهاد»، وهو يرى ما يستلزمه من إرادة لا يثنيها إغراء عن المضي في الطريق إلى نهايته...
وكثيرة هي المواقف المجيدة التي يعرضها تاريخنا عن أولئك المسلمين الرواد الذين عرفوا كيف تكون «ممارسة» العدالة الاجتماعية بأعمق مفاهيمها وأسمى أخلاقياتها، والذين بايعوا رسولهم العظيم على تحمل مسؤوليتها حتى النهاية.. كثيرون من الصحابة الكبار كانوا في جاهليتهم يملكون القصور والأموال والضياع. وعندما أعلنوا إسلامهم تنازلوا بكل تجرد عن قصورهم وأموالهم وضياعهم، ليعيشوا فقراء محرومين من أجل قضيتهم الكبرى. كثيرون منهم بلغوا أسمى المناصب ولكنهم لم يخونوا الأمانة، ولم ينسوا يومًا الأمة المسلمة ولم يغفلوا لحظة عن تجاربها الزاخرة بالسراء والضراء.
أبو بكر الصديق وهو يتولى منصب الخلافة فيفرض له أصحابه راتبًا سنويًا محدودًا قدره مائتان وخمسون دينارًا، ولما لم تكفه وعياله الكثيرين كي يعيشوا عيشة متوسطة طلب إليهم أن يزيدوها وإلا عاد إلى التجارة التي أتقنها.. فلم يزيدوا المبلغ «خمسين دينارًا» إلا بعد نقاش طويل وإقرار من جماهير المسلمين في مسجد المدينة.
وعمر بن الخطاب يجوع مع المسلمين عام الرمادة حتى يظن أصحابه أنه سيموت همًا بأمر المسلمين فيمنعونه فيجيبهم، وكيف يهمني أمر المسلمين إذا لم يعنني ما يعنيهم؟.
وعثمان بن عفان كان - كما يحدثنا الحسن البصري - يطعم الناس طعام الإمارة ويأكل الخل والزيت.
وعلي بن أبي طالب يُرى مرتجفًا في الليالي الباردة تحت أسمال بالية، فيطلب منه أن يأخذ ما يدفئه فيقول: «والله لا أرزؤكم في أموالكم شيئًا»..
صور كثيرة متلاصقة لا يحصيها عد، ولن يتسع لها مجال.. مئات من الصحابة الرواد ... وقفوا مواقف كهذه، وصمموا على البقاء حتى النهاية مع أبناء الأمة التي منحتهم ثقتها ومقدراتها.
هامش:
(*) كاتبٌ ومفكرٌ إسلاميِّ عراقِّي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل