; البعد الاجتماعي في الخطاب القرآني | مجلة المجتمع

العنوان البعد الاجتماعي في الخطاب القرآني

الكاتب عبدالكريم الحامدي

تاريخ النشر الجمعة 04-يونيو-2004

مشاهدات 160

نشر في العدد 1603

نشر في الصفحة 57

الجمعة 04-يونيو-2004

عني القرآن به عناية كبيرة تتسق مع أهداف الوجود الإنساني: العبادة والخلافة والعمارة                      

من مقاصد القرآن وأبعاده المهمة التي أنزل من أجل تحقيقها في الواقع البعد الاجتماعي، الذي يهدف إلى تحقيق صلاح المجتمع. من هنا جاء الخطاب القرآني، مراعيًا ذلك البعد الاجتماعي، بما أحاطه من صبغة اجتماعية إصلاحية متناسقة مع أهداف الوجود الإنساني المتمثلة خاصة في العبادة والخلافة، والعمارة، ويمكن إبراز أهم ملامح ذلك البعد الاجتماعي في الدلائل الآتية:                                         

أولًا : البعد الاجتماعي في خلق الإنسان: إن أول ما يدل على البعد الاجتماعي في الخطاب القرآني، أن الله تعالى خلق الإنسان- محور الخطاب- مفطورًا على حب الاجتماع، والميل الاجتماعي، والنفور من العزلة والانعزال، لأن هذا الميل هو الذي يمكن الإنسان من التقارب والاختلاط بغيره من بني جنسه، فينشأ عن ذلك البناء الاجتماعي والمتأمل في القرآن يجد نصوصه ناطقة بهذه الحقيقة، منها:

 1- قوله تعالى: ﴿وَإِذ قَالَ رَبُّكَ لِلمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِل فِي ٱلأَرضِ خَلِيفَة قَالُوٓاْ أَتَجعَلُ فِيهَا مَن يُفسِدُ فِيهَا وَيَسفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحنُ نُسَبِّحُ بِحَمدِكَ وَنُقَدِّسُ لَك قَالَ إِنِّيٓ أَعلَمُ مَا لَا تَعلَمُونَ (البقرة:٣٠).                                                                               

2- قوله تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعفٖ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعدِ ضَعفٖ قُوَّة ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعدِ قُوَّةٖ ضَعفا وَشَيبَة (الروم :٥٤).                                                     

تدل هذه الآية على أن الإنسان يولد ضعيفًا ويغادر الحياة ضعيفًا أيضًا وهذا الضعف الذي يطرأ على الإنسان في مرحلتين حساستين من عمره، لا يفلت منه أحد مما يدل على حاجة الإنسان إلى غيره، وأنه لا يستقل بنفسه لتحقيق معاشه ومن ثم خلق مفطورًا على حب الاجتماع لتحقيق مصالحه ودفع الضرر والهلاك. 3- قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلبَنِينَ وَٱلقَنَٰطِيرِ ٱلمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلفِضَّةِ وَٱلخَيلِ ٱلمُسَوَّمَةِ وَٱلأَنعَٰمِ وَٱلحَرث (آل عمران: ١٤) تشير هذه الآية إلى الميل الفطري المركوز في الإنسان الذي لا ينفك عنه، من أجل قضاء حاجاته ورغباته، وتحقيق مقاصده كالميل إلى النساء لإشباع الحاجة الجنسية الضرورية لحفظ النسل والميل إلى الأبناء لتحقيق معاني الأبوة والبنوة المكملتين لضرورية حفظ النسل. فهذه النصوص وغيرها مما يدل على فطرية الاجتماع في الإنسان، وأنه خلق ميالًا إلى الاختلاط والاندماج في المحيط الاجتماعي، وهذه الحقيقة القرآنية أكدها علماء الاجتماع والفلاسفة والمفكرون.     

ثانيًا: البعد الاجتماعي للخطاب الإصلاحي

ما يدل على المقصد الاجتماعي للخطاب القرآني، أن الخطاب الإصلاحي فيه تناول في مضمونه الفرد والمجتمع معًا، وأن هدف الإصلاح جامع لهما وشامل، ذلك لأن مجموع الأفراد يشكل بالضرورة مجتمعات قائمة بذاتها، ومن ثم لا يتصور أن يرد الخطاب الإصلاحي قاصرًا على الفرد وحده لأن ذلك يتناقض مع المقصد من الإصلاح، وهو بناء مجتمع صالح، بل نجد الخطاب الإصلاحي هو الغالب، وأن الفرد مأمور ومنهي ضمن الجماعة، وهذا واضح من خلال النداءات الكثيرة الواردة بصيغة الجمع كقوله: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ (النساء :١)، وكذا الأوامر والنواهي التكليفية الواردة بصيغة الجمل، كقوله: ﴿وَأَقسِطُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلمُقسِطِينَ (الحجرات: ٩). ﴿ٱعدِلُواْ هُوَ أَقرَبُ لِلتَّقوَى (المائدة :٨)، وغيرها من صور الخطاب الجمعي في القرآن، وهذا هو الغالب في الخطاب الإصلاحي، مما يدل على البعد الاجتماعي في بنيته، وأنه يخاطب الضمير الجمعي في الأمة، يقول ابن عاشور: لما كان الإنسان هو المهيمن على هذا العالم، كان في صلاحه صلاح العالم وأحواله، ولذلك نرى الإسلام عالج صلاح المجتمع بصلاح أفراده الذين هم أجزاء نوعه، وبصلاح مجموعه وهو النوع كله.[1] ويقول: إن المجتمع البشري أو الأمة عبارة عن مجموعة من الناس، هي كل ملتئم من أجزاء هي الأفراد، فلا جرم كان إصلاح المجتمع متوقفًا بادئ ذي بدء على إصلاح الأفراد، فإذا صلحت حصل من مجموعتها الصالحة مجتمع يسوده الصلاح[2]، وهكذا فإن الصلاح الاجتماعي نتيجة صلاح الأفراد بالضرورة.   

ثالثًا: البعد الاجتماعي للمبادئ والسنن الاجتماعية

ومما يدل على البعد الاجتماعي للخطاب القرآني، أنه صاغ عددًا من المبادئ والسنن الضرورية لقيام المجتمعات وصلاحها، وتدل على أسباب قيامها وسقوطها، وعوامل بقائها وفنائه وهذه جملة مما ذكره القرآن منها: 

مبدأ العدل: جاءت نصوص كثيرة تأمر بالعدل وتبين فضائله ومزاياه، وتحذر من الظلم والجور كقوله ﴿وَإِذَا حَكَمتُم بَينَ ٱلنَّاسِ أَن تَخكُمُواْ بِٱلعَدل (النساء: ٥٨)، والنص يطلقه هكذا عدلًا شاملًا بـين الناس جميعًا، لا عدلًا بين المسلمين بعضهم وبعض فحسب، ولا عدلًا مع أهل الكتاب، دون سائر الناس، وإنما هو حق لكل إنسان بوصفه إنسانًا[3] وقوله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأمُرُ بِٱلعَدلِ وَٱلإِحسَٰنِ (النحل: ٩٠) فالآية تشير إلى أحد المبادئ التي تكفل تماسك الجماعة والجماعات، واطمئنان الأفراد والأمم والشعوب والثقة بالمعاملات والوعود والعهود، العدل الذي يكفل لكل فرد ولكل جماعة ولكل فئة قاعدة ثابتة للتعامل لا تميل مع الهوى، ولا تتأثر بالود والبغض، ولا تتبدل مجاراة للصهر والنسب والغنى والفقر والقوة والضعف، إنما تمضي في طريقها تكيل بمكيال واحد للجميع، وتزن بميزان واحد للجميع.[4] 

مبدأ المساواة: وهو مبدأ اجتماعي قرره القانون ودعا إليه، حيث بين أن الناس جميعًا متساوون في أصل الخلقة فقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفسٖ وَٰحِدَةٖ (النساء: ١)، فالآية تقرر مبدأ المساواة بين البشر، انطلاقًا من كونهم ينحدرون من أصل واحد وهو آدم عليه السلام فالمصلحة العليا إذًا من خلق الناس هي التعاون المتبادل في دائرة البر والخير الموصل إلى التواصل والتلاحم والحضارة والعمران.[5] كما أقر القرآن المساواة في حق الحياة والوجود المعبر عنه في الشريعة بحفظ النفس، فقد نهى عن قتل النفس وإلقائها في التهلكة وحرم الاعتداء عليها، حتى غدا ذلك مقصدًا كليًا من مقاصد الشريعة، وكذا المساواة في حفظ الأنساب والأعراض والأموال وحفظ البدن والعقل، ذلك أن هذه الكليات الخمس هي أصول المصالح التي يشترك في الانتفاع بها كل البشر، فهم متساوون في هذه الحقوق، لأن حياتهم متوقفة عليها، ولذلك كانت هذه المصالح الخمسة من الضرورات.[6]                                                                       

مبدأ الحرية: من المبادئ الاجتماعية التي أقرها القرآن مبدأ الحرية، حيث دعا إلى العناية به والمحافظة عليه ذلك لأن حياة الأفراد والمجتمعات لا تقوم إلا في ظل الحرية، لذا أقر القرآن أنواعًا من الحريات كحرية الاعتقاد وحرية الفكر، وحرية التملك، وحرية السير والتنقل وغيرها من الحريات الفردية والاجتماعية.

ففي مجال الاعتقاد حرر القرآن العقول وفك القيود والأغلال عنها، ونهى عن الإكراه في الدين، قال تعالى: ﴿لَآ إِكرَاهَ فِي ٱلدِّين قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشدُ مِنَ ٱلغَى (البقرة: ٢٥٦).                                                                                   

وفي مجال الفكر: حرر الفكر من التبعية ونهى عن التقليد والجمود، ودعا إلى إطلاق النظر والبحث والتدبر في ملكوت السموات والأرض ﴿قُل سِيرُواْ فِي ٱلأَرضِ فَٱنظُرُواْ كَيفَ بَدَأَ ٱلخَلق (العنكبوت:۲۰).                                                                 

وفي مجال التملك: حرر القرآن أسباب التكسب والوسائل الموصلة إليه، فدعا إلى السعي والضرب في الأرض والتجارة والبحث عن الرزق في مناكب الأرض، فقال: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرضَ ذَلُولا فَٱمشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزقِهِۦۖ وَإِلَيه ٱلنُّشُورُ (الملك: ١٥).                                                                           

أما السنن الاجتماعية: فقد أشار القرآن إليها، حاثًا المخاطبين بها إلى مزيد التأمل والتبصر في مدلولاتها ومنها: 

سنة التدرج: إن أي بناء اجتماعي في حاجة إلى آجال زمنية، وأي محاولة للاستعجال ستؤدي لا محالة إلى الفشل أو إلى تشويه البناء، وهذا بناء في سنة التدرج التي اعتمد عليها القرآن في إصلاح نفوس العرب.

والقرآن ذاته سلك أسلوب التدرج، حيث نزل متدرجًا حسب الوقائع والأحداث مدة زمنية تقارب ثلاثًا وعشرين سنة، وذلك لأن التدرج ضرورة حتمية لا بد منها لتربية الأفراد وبناء المجتمعات. 

سنة الأجل: هذه السنة قريبة في مدلولها من التدرج، فلكل شيء أجل مسمى، وغاية ينتهي إليها، وإن استعجال الأمور قبل حلول آجالها الطبيعية يعرضها للتشوه والفساد، قال تعالى ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَل (الأعراف: ٣٤)، فمراعاة الآجال الزمنية ضرورة حتمية تقتضيها طبيعة الأشياء فأي محاولة للاستعجال تعد خرقًا لهذا الناموس الكوني والقدري.                                                                

سنة التدافع: هذه سنة اجتماعية مأخوذة من قوله تعالى: ﴿وَلَولَا دَفعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعضَهُم بِبَعضٖ لَّهُدِّمَت صَوَٰمِعُ وَبِيَع وَصَلَوَٰت وَمَسَٰجِدُ يُذكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيرا (الحج: ٤٠)، وقوله: ﴿وَلَولَا دَفعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعضَهُم بِبَعضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلأَرضُ (البقرة: ٢٥١) وحقيقة هذه السنة أن التجمعات البشرية في أي زمان لا تخلو من أقوياء وضعفاء، وصالحين وظالمين، وينشأ عن ذلك هذه المدافعة الطبيعية بين  البشر، وهي التي تمكن الشعوب المستضعفة في الأرض من النهوض، وتعطي فرصة للحضارات المظلومة من البروز والشهود.[7] ومن هنا يرى المؤيدون لقيام علم اجتماعي إسلامي إمكانية تصور علم اجتماع قرآني قائم على دراسة ما في القصص القرآني من قوانين اجتماعية، يسترشد بها علماء الإصلاح في التنبؤ بما سيؤول إليه حال المجتمع، ووقايته من المفاسد وعوامل الزيغ والضلال التي وقع فيها السابقون.[8]                             

رابعًا البعد الاجتماعي للتشريع

ومما يدل على البعد الاجتماعي للخطاب القرآني، أنه شرع أنظمة مهمة لقيام المجتمع وتنظيم أحوال الأفراد داخل شبكات من العلاقات الاجتماعية القائمة على تبادل الحقوق والواجبات، من أجل ذلك كان لا بد من تشريع ينظم ويضبط العلاقات الاجتماعية، ويحفظ الحقوق ويصون الحريات ويضمن التعاون الاجتماعي، ويوفر أكبر قدر من الانسجام والتوافق بين مصالح الناس، دفعًا للتعارض المؤدي للتصادم والتناحر.                                                                                 

خامسًا: البعد الاجتماعي لأصول المصالح الخمسة

 من المعلوم الثابت بالاستقراء أن أصول المصالح التي جاء بها الإسلام وأكد عليها القرآن خمسة، هي: حفظ الدين والنفس، والعقل والنسل، والمال، والناظر في هذه المصالح يجدها ذات بُعد اجتماعي، المصالح والرغائب، لذا أصبح من الضروري حفظ هذه الكليات الخمس من أجل المحافظة على سلامة المجتمع كله. فالمحافظة على الدين تكون بحفظ دين المجتمع من العقائد الهدامة والأفكار المنحرفة والدعوات الضالة والمحافظة على النفس تقود في النهاية إلى حفظ المجتمع، لأن الاعتداء على الأفراد اعتداء على المجتمع، والمحافظة على العقل تهدف إلى حفظ عقول أفراد المجتمع جميعًا، إذ العقل الجمعي هو المعتبر لقيام المجتمعات ونهوضها وصلاحها، والمحافظة على النسل، تهدف إلى حفظ النوع البشري كله من النقصان والانقراض، ومن ثم المحافظة على المجتمعات البشرية قائمة ومتواصلة عبر العصور. وبذلك يسلم المجتمع من أسباب الضعف والتآكل وينمو نموًا قويًا سليمًا والمحافظة على المال تهدف إلى منع الاعتداء على أموال الأفراد وأموال المجتمع أي الثروة العامة، أو المال العام، وهكذا يظهر أن المصالح الخمسة المقررة في الشريعة الإسلامية تهدف إلى المحافظة على المصالح الفردية والاجتماعية هذه أهم الدلائل على البعد الاجتماعي في الخطاب القرآني، وهي ظاهرة من خلال مجموعة الأبعاد التي سقتها في هذا العرض الوصفي، والتي تشهد على الروح الاجتماعية التي صاحبت نزول ذلك الخطاب في أطواره المختلفة.                                                           
 

[1] محمد الطاهر بن عاشور : مقاصد الشريعة ص ٠٦٥٠٦٤

[2] ابن عاشور أصول النظام الاجتماعي الدار العربية للكتاب- تونس- ط ۱۹۷۹م، ص ٤٣٤٢

 

[3] سيد قطب في ظلال القرآن دار الشروق- القاهرة مصر- ط ۱۳۹۸/۷هـ . ۱۹۷۸م، المجلد الثاني.(٦٨٩/٥).

[4] سید قطب المرجع نفسه المجلد الرابع (٢١٩١/١٤).

 

[5] فتحي الدريني خصائص التشريع في السياسة والحكم مؤسسة الرسالة- بيروت لبنان ١٤٠٧/٢هـ . ١٩٨٧م، ص ٥٥.

[6] ابن عاشور أصول النظام الاجتماعي ص ١٥٠.

 

[7] محمد الغزالي: كيف نتعامل مع القرآن؟ دار الانتفاضة- الجزائر . ص ۱۱۷، وما بعدها.

 

[8] زيدان عبد الباقي علم الاجتماع الإسلامي مطبعة السعادة- مصر ط ١٩٨٤/١م، ص ٢٨ و ٣٩.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل