العنوان البعد الديني في القضايا الإسلامية الدولية (١-٢).. لا يزال واضحًا حتى الآن في معظم الصراعات
الكاتب د. عبد الله الأشعل
تاريخ النشر السبت 09-مايو-2009
مشاهدات 70
نشر في العدد 1851
نشر في الصفحة 18
السبت 09-مايو-2009
الصراع في فلسطين ليس بين الإسلام واليهودية بل تقوده الحركة الصهيونية التي وظفت الدين لتحقيق أطماعها.
في رمضان ۱۳۹۳هـ (أكتوبر ۱۹۷۳م) حارب المجاهدون وهم صائمون وكان التكبير شعارهم في قتال الصهاينة.
كانت مذبحة الحرم الإبراهيمي عام ١٩٩٤م امتدادا لفتاوى حاخامات الكيان الصهيوني بإراقة دماء المسلمين!
فالصراع بين الغرب والعالم الإسلامي كان طابعه الديني دائما واضحا، وكان دحر الاستعمار الغربي يعني انتصار الإسلام على دين المستعمر رغم أن هذا المستعمر لو كانت له مرجعية دينية حقيقية لما كان قد ظلم غيره.. ولعل الحروب الصليبية أبرز فترات غلبة الدين على هذا الصراع، في الوقت الذي كان للبابوات المكانة المتميزة في المجتمعات الأوروبية ونظمها السياسية.
التباس تاريخي
وقد ارتبطت موجات حقوق الإنسان بهذا الصراع، وربما كانت الدعوة إلى حقوق الأقليات بعد الحرب العالمية الأولى هي الدعوة إلى تفكيك الدولة العثمانية، مثلما كانت تلك الدعوة إيذانا بتفكيك الاتحاد السوفييتي بعد ذلك بسبعين عامًا، غير أن الحركة الدولية لحقوق الإنسان - التي عرفت أجيالا من هذه الحقوق - كان يُفترض أن تنتهج طريقًا واحدًا في النظر إلى الإنسان باعتباره سيد الكون بعد أن سخر الله له كل شيء فتنطلق من مبدأ وحدة الإنسانية كما جاء في القرآن الكريم، إلا أن استغلال هذه الحركة سياسيًا في سياسات الدول الكبرى قد أثارت
الالتباس بين حقوق الإنسان في أي مكان وحقوق الإنسان المتباينة من منطقة لأخرى. وهذا يعكس في الواقع ذلك الالتباس التاريخي بين الأخلاق والقانون والدين والضمير من ناحية، ونظرية الصراع بين الجماعات البشرية من ناحية أخرى.
وقد رأينا تلك الصراعات الدامية أيضًا بين أبناء الدين الواحد عندما قام بين العراق وإيران صراع محموم لم تستفد منه سوى الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، بينما خسر الإسلام والمسلمون وشعوب المنطقة جميعًا.
سياسة جديدة
وعندما بدأ الصراع في الشيشان بين المسلمين والروس بدا للصراع وجه ديني ووجه سياسي قومي وهو الصراع نفسه الذي قمعته روسيا بشدة بينما رأى الغرب أن هذا السلوك الوحشي يناقض القانون الدولي لحقوق الإنسان، وكان مفهومًا أن هذا الموقف الغربي لا علاقة له بالدفاع عن حقوق المسلمين، بل هو نكاية في روسيا؛ إذ يُعد هذا الموقف امتدادا لمواقف الغرب من البوسنة وكوسوفا، حيث يجب التركيز على العلاقات الروسية الأمريكية لفهم هذه المواقف وليس العلاقات الأمريكية الإسلامية.. ومع ذلك فلا تزال واشنطن تعتبر مواقفها في البوسنة وكوسوفا دليلًا واضحًا لكل متشكك في عدالة السياسة الأمريكية تجاه العالم الإسلامي.
وهكذا يجب الفرز الواضح في السياسات الدولية عندما يكون الدين طرفا في المعادلة خاصة في العلاقات الأمريكية الإسلامية.. ولذلك فإن إدارة أوباما» التي أعلنت أنها تتجه إلى سياسة جديدة صوب العالم الإسلامي يجب أن يكون موقفها الجديد حقيقيًا وليس دعائيًا، انطلاقًا من عدد من
العوامل:
أولها: أهمية العالم الإسلامي في جميع المجالات بالنسبة للمصالح الأمريكية.
وثانيها: أثر السياسات المناسبة تجاه العالم الإسلامي على الأقلية الإسلامية الأمريكية.
وثالثها: احترام «أوباما» للعقيدة الإسلامية كمظهر حضاري الاحترام معتقدات الآخرين.
الصراع العربي الصهيوني
اعتمدت الحركة الصهيونية على برنامج سياسي، وبررته بأساس ديني وخلطت بين الديني والعلماني، فأصبح التيار الديني يمثل عندهم قمة النقاء، كما أصبح التيار العلماني يقود القضية مع الخارج بما يوحي أنه التيار السياسي المعتدل.. والتياران في الواقع يلتقيان عند المشروع الصهيوني وطرد الفلسطينيين من ديارهم وفق برنامج يتم تنفيذه ومراجعته بشكل منتظم، ولذلك فإن التيار الديني الإسلامي والمسيحي هو الذي تصدى قبل الحكومات للحركة الصهيونية بل إن الصحافة المصرية وأعلام الفكر والثقافة والسياسة في قد خُدعوا في الأهداف الخيرية لهذه الحركة فساندوها وروجوا لها، ولم يتنبهوا إلى أخطارها إلا عندما قام الكيان الصهيوني في فلسطين عام ١٩٤٨م.
والحق أن الصراع في فلسطين لا يقوم بين الإسلام واليهودية ولكن تقوده أطماع الحركة الصهيونية الاستعمارية التي وظفت اليهودية الخدمة أغراضها وكلما ازداد توظيفها ازدادت المسافة بين السياسة الاستعمارية وبين اليهودية وبين أصحاب الأرض الذين صح إيمانهم الوطني والديني، لأن أي دين لا يسمح بالاغتصاب - والظلم والقهر.
ولذلك اتخذت المقاومة الفلسطينية لليهود. وتجمعاتهم وانتشارهم - طوال الهجرات التي نظمتها بريطانيا - طابعًا إسلاميًا، والمعروف أن الحركة الإسلامية لا تفرق بين الأقطار وتعتبر الوطن الإسلامي كله مسرحا للجهاد.
الطابع الإسلامي
وقد حدث في فلسطين أن «عز الدين القسام» - أبرز رجال الحركة الإسلامية في سورية - هو الذي قاد الثورة العربية الكبرى (۱۹٣٦-۱۹۳۹م)، وكان ذلك مألوفًا ومرغوبا فيه من الشعوب الإسلامية، وإن كان ضد رغبات السلطات الاستعمارية في هذه الدول.
ولعلنا نذكر كتائب الفدائيين الإسلاميين التي تقرر انضمامها إلى الجيش المصري في فلسطين لمواجهة العصابات الصهيونية، ولكن محمود فهمي النقراشي، رئيس الوزراء في ذلك الوقت اتخذ قرارا مختلفًا، مما كان له تبعات سلبية على علاقة الإخوان المسلمين بالسلطة في مصر بعد ذلك.
كذلك فإن الثورة الجزائرية أعلنت الطابع الإسلامي حتى تميز بين الوطني والمستعمر، دون أن تدعي أنها وظفت الدين لخدمة المشروع الوطني للتحرير، بل إن معظم أبطال المقاومة الجزائرية كانوا علمانيين بحكم أن ذلك كان هو السائد في حركات التحرر الوطني التي سيطرت عليها التيارات
اليسارية.
من ناحية أخرى فإن العالم الإسلامي كان يعتبر فلسطين جزءًا عزيزًا منه، وأن العدوان عليها عدوان على الجسد الإسلامي كله، بل إن وزير الدفاع الأمريكي عام ١٩٤٧م حذر الرئيس هاري ترومان من غضبة الشعوب الشرقية (الإسلامية) من قرار تقسيم فلسطين وإدخال اليهود شركاء في الأرض بعد أن وسعهم كرم الضيافة الفلسطينية في البداية.
ثم عاد العالم الإسلامي ليجدد دعمه للفلسطينيين بعد استكمال احتلال كل فلسطين عام ١٩٦٧م، خاصة مدينة القدس ذات الأهمية المركزية في عقيدة المسلمين فاتصل العالم الإسلامي رسميا بالعالم العربي دفاعًا عن القدس، ثم تعمق اتصالهما بعد حريق المسجد الأقصى وإنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي التي جعلت مقرها الدائم في القدس، وجعلت جدة مقرًا مؤقتًا.
أحداث عدة
وقد وقعت أحداث كثيرة جعلت الطابع الديني للصراع واضحًا، خاصة من الجانب الصهيوني.
أول وأبرز هذه الأحداث كانت حرب رمضان ۱۳۹۳هـ (أكتوبر ۱۹۷۳م)، فقد حارب المجاهدون في مصر وسورية وهم صائمون وبصيحات التكبير بوحدانية الله، فكان ذلك هو الشعار الرسمي لمحاربة الغاصبين، وهذا أحد الأسباب التي تفسر الحقد الصهيوني الذي أدى إلى قتل الأسرى أحياء بكل البغض الذي يحمله غلاة الصهاينة في مثل هذه المناسبات، ولكننا لم نشهد مطلقا على الجانب العربي في أي مناسبة أي تعبير عن الانتقام باسم الإسلام.
أما الحدث الثاني فهو اغتيال الرئيس المصري محمد أنور السادات عام ١٩٨١م من قبل تنظيم إسلامي؛ احتجاجًا على تقاربه مع الكيان الصهيوني، وكان ذلك في إطار سلسلة من أعمال العنف التي اتخذت الإسلام ستارًا، ولكن الجديد في اغتيال السادات هو أن شيخ الأزهر كان قد أفتى بأن الصلح مع الصهاينة يشبه صلح الحديبية بين الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وكفار مكة، فردّ مفتي الجماعات الإسلامية في كتاب الفريضة الغائبة (الجهاد) بإباحة السادات، وبأن الصلح مع اليهود خروج عن الملة وتلك أعلى درجات الوضوح في الطابع الديني للصراع.
ثم كانت مذبحة الحرم الإبراهيمي في فبراير ١٩٩٤م، حين قتل اليهودي المتطرف باروخ جولدشتاين، أكثر من أربعين مسلمًا في صلاة الفجر، وكان ذلك امتدادا لفتاوى حاخامات الكيان الصهيوني بإراقة دماء المسلمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل